فتنة غرداية

عبر مستفادة من محنة القرارة

بسم الله الرحمن الرحيم

لاَ تَحْسِبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ [إبراهيم: 42]

عبر مستفادة من محنة القرارة

لا يمكن للعاقل أن تمر عليه هذه الأحداث الأليمة، التي شوهت وجه القرارة الجميل، وأحزنت القاطن والنزيل، دون أن يستخلص منها العبر، ويتعلم الدروس، فإن العاقل على كل حال هو الذي يستمد من فشله نجاحًا، ومن خسارته أرباحًا، مصداقا للمثل العامي القائل: “كل محنة تزيد فالرأس اعقل”، من هنا يمكننا ذكر أهم هذه العبر، فنقول:

أولا نعمة الأمن.

إن نعمة الأمن والعافية من نعم الله على عباده، لا يقدرها حق قدرها إلا من افتقدها وافتقد خيرها العميم، وفضلها الكريم، لأن الأمن والعافية ركيزة أساسٌ للاستقرار والحضارة، ومن ثم فإن الله يمتن على عباده بهاتين النعمتين، في كتابه الكريم فيقرِن دوما بين الخوف والجوع، لأن الخوف طريق للجوع وسبيل إليه، ولذلك امتن على قريش بهذه النعمة حيث يقول: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ [قريش: 3، 4]، ولما كفرت وطغت فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [النحل 112]، وقد علَّمنا رسولنا الكريم أن ندعوه بقولنا «اللهم إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة في الدين والدنيا والآخرة»، فعند اشتداد الفتن وفقدان الأمن يستوي الناس في الخسارة، ويحسون جميعهم بالمرارة لأنهم يفتقدون نعمة الأمن جميعا، فيعيشون في خوف وهلع، وتزول الثقة بين المتساكنين، وهذه أعظم خسارة تصيب الانسان الذي خلقه الله للعبادة والعمارة.

ثانيا: الفتنة نائمة ملعون من أيقظها.

كل متأمل في القرآن الكريم يتذكر ولا شك أن الله وصف الفتنة بصفتين مكروهتين، فوصفها مرة أنها أكبر من القتل ووصفها مرة أخرى بأنها أشد من القتل، ليجمع في ذلك بين صفة الكم، وصفة الكيف، فهي أكبر من القتل وأشد من القتل عفانا الله، ثم وصف الرسول موقد الفتنة، و موقظها باللعنة الدائمة، حيث قال الفتنة نائمة لعن الله موقظها، واللعنة هي الطرد من رحمة الله الأبدية، ويكفيه خزيا أن يكون أخا لإبليس اللعين، فلا يفرح إذا أولئك الذين يشعلون النار ظلما وعدوانا في أملاك المسلمين وديارهم ومحلاتهم وسياراتهم، ولا يظنن أولئك الأوباش أنهم ربحوا المعركة وانتصروا في التخريب والفساد فإن الطرد من رحمة الله لا يساويها ولاشك ملأ الأرض ذهبا، هذا إن كانوا مسلمين حقا، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى، وإلا تذكر قول الحكيم القائل: “من السهل أن تشعل النار ولكن من الصعب أن تطفأها”.

ثالثا: المحنة ابتلاء وتذكير.

إن هذه المحنة الأليمة التي أصابت أهل القرارة جميعا ذكورا وإناثا، مشيبا وشبانا، تدعونا كلنا إلى التفكير جديا وباستمرار في علاقاتنا بالله أولا وقبل كل شيء، لأن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون، والفتنة لا تكون والمصيبة لا تنزل إلا بظلم الناس بعضهم بعضا، ولتجاوزهم حدود الله بذلك الظلم فيما بينهم، مصداقا لقوله تعالى: مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الاَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ إِنَّ ذَالِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلاَ تَاسَوْا عَلَىا مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَآ ءَاتَاكُمْ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [الحديد: 22، 23]، فيا ويلنا حين نتخذ متاع الدنيا من أنواع اللهو واللعب من اهتماماتنا وانشغال بالنا، وهي لا تغني لا تنفع، ولاسيما إن كانت تؤدي إلى خسارة في الأرواح، والأموال، وتتجرأ على القيم الاجتماعية، أو تنسينا أنفسنا في لحظات الزهو والغرور، فنعصي الله جهارا دون حياء، ونتجاوز حدوده بما يغضبه ويسخطه علينا، ولهذا حرم الله اليأس عند نزول المصائب “لكي لا تاسوا” من خسائرها، كما يحرم علينا الفرح والخيلاء من أجلها إذا أعجبتنا، “ولا تفرحوا بما آتاكم”، لأنَّ الأكرم عند الله دوما هو الأتقى “إن أكرمكم عند الله أتقاكم”

فالتعدي على حرم الله مهما كانت الأسباب فرحا أو ترحا، انتصارا أو هزيمة مما حرمه الله على عباده لأنهم يظلمون بذلك أنفسهم ويظلمون غيرهم، وقد قال على لسان رسوله الكريم: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا».

رابعا: التضرع إلى الله والتوكل عليه وحده.

إن من شأن المؤمن إذا ادلَهمَّت عليه الخطوب كقطع الليل المظلم أن يفزع إلى الله متضرعا إليه وحده دون غيره، ولا يعتمد على قوة المخلوقين مهما أوتوا من قوة العدَّّة والعدد، إلا بما يكون في ذلك من أخذ الأسباب، ولا يعتقدنَّ في نفسه غير ذلك، فإنه لا يضمن إنصافهم، ولا نزاهتهم، ولا حيادهم، ولو كانوا يلبسون لبوسا، لأنهم قبل هذا وذاك مـخلوقون وكل مـخلوق ضعيف، وهنا ينبغي لنا الرجوع إلى الله مـخلصين له الدين معتمدين على سلطانه وحده، والاحتكام إلى كتابه وشرعه في كل أمورنا الدنيوية والأخروية، وسلوكاتنا الفردية والجماعية، ولنربِّ أبناءنا وشبابنا على الاعتماد على الله والأخذ بالأسباب ادكارًا للماضي الزاهر، واعتبارا بالحاضر، واستشرافا للمستقبل، في تخطيط علمي رصين، بالعلم والمال، والقوة التي مِن عناصرها العمل الصالح، والإخلاص في هذا العمل لله وحده، فإنَّ كتاب الله هو الحصن الحصين والملجأ الأمين، ومن هنا فإنَّ التضرع إلى الله بالصلاة والذكر، وقراءة القرآن، والأعمال الصالحات فرج للهموم إذا تكاثرت، وذهاب للغموم إلى تراكمت، وصرفا للأعداء إذا تزاحمت، وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَّنصُرُهُ [الحج: 40].

خامسا: حضارتنا مفخرة اللإنسانية.

إن آباءنا وأجدادنا بناة حضارة إسلامية عريقة تفخر بها الإنسانية كلها، ويعتز بها المسلمون جميعهم، ولا ينكرها إلا حاسد أو حاقد أو جاحد، لأنها حضارة مبنية على القيم والثوابت الإسلامية، ضاربة جذورها في القرآن الكريم وسنة رسوله العظيم، في كل مناحيها الاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية، والمعمارية، والسياسية، فلا يعقِّدنا كاذب في تزييفه تاريخنا الوطني المشرِّف، ولا يشككنا مشكَّكٌ في نصاعة بياض تاريخ مشايخنا وجهادهم ونضالهم وإخلاصهم لله والوطن الإسلامي بعامة والجزائري بخاصة، لأن الوطنية عندهم راكزة على أساسٍ إسلامي، وليست لغرض سياسي أو مكسب مادي آني.

فما على أبنائنا إلا الاطلاع على ذخائرها، والالتزام بطريقها، والسير على نهجها، ويتحقق ذلك منهم في توقير كبرائهم وعلمائهم واحترامهم والحفاظ على مساجدهم ومؤسساتهم، والامتثال لنظمهم الاجتماعية وأعرافهم، فإن هذه المؤسسات ذات الحضارة العريقة هي سر وحدتنا وضمان توحدنا، فلنتشبث بها بالمحافظ على قيمها الاسلامية تلك، لأنها تربطنا بتاريخنا وأصالتنا وشخصيتنا، وكل ابتعاد عنها أو تساهل في الحفاظ عليها، أو التمرد على رموزها يصيبنا في مقتل -لا قدر الله- ويشتت شملنا ويضعف قوتنا، ويسيء إلى سمعتنا وعلينا أن تنشئ أبناءنا على قوله تعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ [الأنعام: 153]، فإن هذا النهج الإسلامي القويم هو الذي يجعلنا مُحقِّين أن نفتخر بمنهج الحق والاستقامة الذي اختاره لنا أجدادنا، سائلين الله أن يميتنا عليه غير مبدِّلين ولا مغيِّرين، آمين، والحمد لله رب العالمين.

كتبه الراجي عفو ربه: الدكتور محمد صالح ناصر
الجزائر في: 23 محرم الحرام 1435هـ
27/11/2013م

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. السلام عليكم

    شكرا على مقالكم، نرجو من سيادتكم ايفاءنا ان أمكن ببعض الخطوات العملية لاجتناب مثل هذه الفتن مستقبلا

    بارك الله فيكم وتقبل اعمالكم

    سليمان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى