فتنة غردايةملفات وآراء

في القلب.. أزمة

يجتهد كلّ إنسان في حياته، ليحّقق السعادة والأمان، والطمأنينة وكثرة الولدان، وخيراً ينشره بين بني الإنسان، ساعياً بكدّ يمينه لكسب قوت حلال، ومسكن هنيء، وفرحة تغمره بين أسرته وأولاده، لا يقضّ مضجعه خوفٌ ولا جوعٌ، النعمتان العظيمتان اللّتان امتنّ الله تعالى بِــهما على عباده في سورة قريش.

لكنْ ثمّ لكنْ ثمّ لكنْ، ما بلغ مسامعنا وأفزع قلوبنا، وهيّج مشاعرنا، وحرّك وعينا ـ بل عشنا بعضا منه ــ من أُناس تغمرهم الثقة والصدقُ، ما لا يكاد يُصدّقه عاقلٌ، مسلمٌ، مؤمنٌ بالله واليوم الآخر، هولٌ وغولٌ وتَعَدٍّ على المقابرِ، وحرق للمنازلِ والمتاجرِ، ورشق بالحجارةِ وضرب بالخناجرِ، وإصرارٌ على التجريح والقتل وأي إصرار،… تَدافُع وتَرَاشُقٌ وتعدّياتٌ تقذف بالخوف في نفس من سمع بها ــ فضلاً عمّن عاشها ــ، وتغرس في قلبه مُقتاً وكراهيةً ويأساً شديداً، فيفقد طعم الحياة، وذوق السعادة، وضوء الأمل.

فيا ويح من أشعل الشرارة الأولى لفتيل الفتنة، فما ألعنها وما أنْتَنَها، فقد تكون ــ ولا أقول مجرّد ـــ كلمة أو لكمة أو نظرة مشحونة بحقد دفين أو فكر عفن أو…، فما أصغر عُود الثّقاب فـي حجمه وما أعظمه في دوره وأثره، وما أسهل الهدم على المفسدين، وما أصعب عليهم التشييد والبناء والتزيين.. اعملوا فكّل ميسّر لما خلق له.

خلّفت أحداثُ غرداية آلاما كثيرةً ولا تزال، وخسارة وفيرةً فوق ما يخال، وخروقا عميقةً، تفقد طعم الحياة والآمال، كلّها في ميزان المفسدين والمنحرفين عن نهج الدين القويم،. فقد أطّت كفّتهم بسوء بفعالهم، فأي سعادة يلقاها سارقٌ وفي بطنه سُحتٌ، وأيُّ نشوةٍ يعيشها حارقُ وهو ينتشي أمام أنموذج من جهنّم التي تنتظره، وأيُّ ثروة يرجوها ناهبٌ وقد صار حارساً متوجّسا على أموالٍ اغتصبها، فيا ويحكم ويا ويلكم ويا ناركم ويا دماركم، “وأنّ ليس للانسان إلاّ ما سعى، (39) وأنّ سعيه سوف يُرى،(40) ثمّ يُجزاه الجزاء الأوفَى 41

فلا شكّ في أنّ وراء كلِّ فعلٍ فكرة تحرّكه، ووراء كلّ سلوكٍ نيّةٌ تُشحِنُه، فكيف تكوّنت منظومتك الفكرية أيّها المنتقم؟، وما مرجعيتك الدينية، وما قناعاتك؟ وما درجة إيمانك بأفكارك؟، ومن نقلها إليك وكيف أملاها عليك؟، وما فائدتها المرجوّة عندك في الدنيا والأخرى؟، هلاّ أخبرتني؟ ، وماذا تعرف عمن اعتديت عليه، وكيف تعرّفت عليه، ومن أي المصادر قرأت عليه، أمن مصادر الواقع أم من التاريخ والوقائع. فبأي عقل تُفّكر، وبأي قلب تُبصر، وبأي خريطة إدراكية تفسّر وبأي منظار تبصر، وماذا بعد كلّ ذلك؟،… أفلا يتفكّرون، أفلا يتذكّرون، أفلا يعقلون، “أفلا يتدبّرون القرآن أم على قلوب أقفالها”…

مهما تكن إجاباتك، فإنّ الفكرَ هو مُحرّكُ الفعلِ والإيمانُ وقودُه، فـ “إنّما الأعمال بالنيات…” كما يقول الرسول محمّد صلّى الله عليه وسلّم، ولا فعل بلا معنى يُعطي دلالة له كما يرى ماكس فيبر.

فلا حلَّ لأزمة دون تَشخيص ووعي وفهم عميق ودقيق، لأسبابها المباشرة وغير المباشرة قصد صياغة رؤية استراتيجية لبناء حضاري للأمن والسلام والتفاهم والوئام، فإذا عُرف السبب بطُل العجب، وأمكن لأصحاب الخير والمبادرات والصلح والأعيان، والسلطة وقيادة الأركان، وضع الدواء في موضعِ الداء، بكل إخلاص وأمانة وعناية، فلا شفاء لمرض مستعص في وقت قياسيِ.

وأيُ شفاء يرجوه عاقل إذا لم يكن مطهرةً لذنوبه، ووقفة اعتبار لمصيره، ومحطّة لمراجعة نُظمه وأموره، وفرصة لإعادة بناء جسوره، وإنفاق ما لديه من خيراته.

فإنّ ربّي لم يخلقنا عبثاً، ولن يحاسبنا عبثاً، ولن نفوز بالجنة عبثاَ، ولن يعاقب العصاة بالنار عبثاً “أفحسبتم أنّما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون” ، فكلّ شيء عنده بمقدار عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال.

ألا إنّ الدنيا فانية، وقد نموت بين فينة وثانية، ونعود إلى بطن الأرض الواهية، وأمام رب الأرباب، والملك الديّان، خالق الإنس والجان، حيث لا منطق ولا لسان، ولا حجة ولا برهان، ولا اتهام لفُلان أو عِلاّن، ولا طمع في مال أو نفوذ أو سلطان، غداً يكون الحساب…، وما أدراك ما الحساب، عن كلّ لحظة، بل عن كل طرفة عين وومضة، عن كل فعل، عن كل كلمة، عن كلّ نية…

ولكّل مَظلوم نَدعو بالفرج والخلفة والبركة، ولكل عاصٍ ندعو بالهداية والتوبة، وللخير نصبو بكل وسيلة، فاللهم إنَّا متيقّنون في عدلك، وما وقع إنّما بما كسبت أيدينا، فاللهم رحمتك فاللهم عفوك… فاللهم مغفرتك…،فاللهم ازرقنا التوبة النصوح، فاللهم جنّتك، ورضوانك آمين آمين والحمد لله رب العالمين

أ.إباض أبي بكر بهون علي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى