تأملات وأفكارواحة المعرفة

رسائل من د. صالح بوشلاغم حول أحداث غرداية

غرداية الجريحة

جراحات وأحداث أليمة في ولاية غرداية

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

“ولا تحسبنّ الله غافلا عمّا يعمل الظالمون”

فبمناسبة الأحداث الأليمة التي ضربت وتضرب ولايتنا الحبيبة غرداية، المعلم الأثري العالمي، الذي يقف شامخا مجسدا حضارة جزائرية أصيلة، ونظاما اجتماعيا افتخرت به الجزائر على مر التاريخ في المحافل الدولية… هذه المنطقة التي كانت صحراء كغيرها من صحراء الجزائر المقفرة، لكن سواعد جد الجزائريين من المزابيين أبت إلا أن تجعل منها واحة خضراء، ومعجزة تبقى شاهدة على عظمة الإنسان وتفانيه، وحضارته!
بمناسبة هذه الأحداث، وجب علينا بيان حقائق، وتوجيه رسائل؛

أولا: إلى كافة العروش المتساكنين
إن المتأمل في حالنا يجد أن لا خلاف بيننا أبدا، ولا مشكلة بيننا جميعا أبدا منشؤها الانتماء العرقي أو المذهبي أو غيره…، بل مشكلتنا جميعا مع الظلم والاعتداء، ومع المنحرفين الذين اعتدوا وظلموا، فخربوا البيوت والمحلات، ونهبوا وسرقوا، ومشكلتنا مع من يحمونهم ويتسترون على جرائمهم، ومشكلتنا مع متعاطي المخدرات وأصحاب السوابق الذين أطلق لهم العنان ليعيثوا فسادا في الأرض، ونحن نربأ بالجميع أن يغطوا جرائمهم، أو يتستروا عليها أو يعينوهم ولو بسكوتهم عنهم، وعدم براءتهم منهم. والواجب تقديمهم للعدالة لينالوا جزاء ما اقترفت أيديهم، وما يجب أن نتعاون عليه جميعا أن نكف السفهاء والمجرمين ونبلغ عنهم، فهل أنتم فاعلون؟!

ثانيا: إلى أجهزة الأمن
نحيي الجهد الذي تبذله قوات الدرك الوطني، ونأمل منهم أن يقوموا بواجبهم أحسن قيام، ونتأسف في الوقت نفسه على ما صدر من أفراد الشرطة من عنصرية ومناصرة للظالمين المعتدين، ومعاونة لهم على ارتكاب جرائمهم، وقصفهم بيوت الآمنين بقنابل الغاز، وتدنيسهم المقابر بالمشي على القبور… وكل ذلك موثق، فما كان لكم أن يصدر ذلك منكم، لو كنتم وطنيين لا تميلون إلا لمصلحة الجزائر، ولمصلحة إقرار الأمن والأمان في ربوع غرداية الطاهرة الآمنة، وندعو السلطات أن تعاقب المتورطين منكم في هذه المهزلة، سواء من أمر أو نفذ أو تواطأ، ودون هذه الخطوة فإن المواطن الجزائري سيفقد الثقة تماما في جهاز الشرطة، وبذلك ستخسرون أي اعتبار لكم! وستواجهون مشكلات في تواصلكم مع الشعب. ونذكر السلطات من والي الولاية ومن دونه، كما نذكر وزير الداخلية بالواجب الدستوري الذي يحتم عليهم أن يصونوا أمن المواطن، ويحفظوا كرامته، ويحققوا له الطمأنينة. ومطلب الشباب وكافة المواطنين اليوم هو محاكمة المتورطين من جهاز الشرطة، حتى يعود لهذا الجهاز اعتباره ويحافظ على احترامه.

ثالثا: إلى كافة المسؤولين العرفيين والرسميين
اعلموا يقينا أن المواطن الجزائري مواطن حر كريم، وإذا كان قد منحكم ثقته ورضي بكم لتمثلوه، وتقوموا على المصالح العامة؛ فإنه لا يؤمن بالشعارات الجوفاء التي قد يطلقها بعضكم في مناسبة من المناسبات ليحشد الجماهير وراءه للوصول إلى مجلس عرفي أو منتخب، أو ليستمر في منصب إداري في جهاز ما، فالذي يؤمن به المواطن هو الواقع الذي يلمسه ويشهده، فأي ولاء أو نصرة تنتظرونها من مواطن تلقى على بيته قنابل الغاز وتنهال عليه هو وأهله وأبناؤه، وهو موقن تمام اليقين أنه برئ لم يرتكب شيئا يستحق أن يكافأ عليه بذلك، بل هو حريص على أداء ما عليه من حقوق سواء للدولة أو المواطنين، وأي احترام تنتظرونه من مواطن يشهد أمام عينيه محله التجاري أو بيته السكني ينهب ويسرق ويخرب ويحرق…
وأما أدعياء الحكمة الذين صموا آذاننا بالحكمة الفاشلة، فنقول لهم: كفوا عنا حكمتكم الذليلة هذه، واتركوا المواطنين يحمون حقوقهم ويصونون كرامتهم، فليست الحكمة في الخنوع والخضوع للظالم والمساومة معه، بل الحكمة في ردعه وقصم ظهره بكافة الوسائل المشروعة شرعا وقانونا.
وفي الوقت نفسه نخاطب العنصريين من كافة الانتماءات سواء من يتعصب لمذهبه من سلفيين وغيرهم، أو لعرقه الأمازيغي أو العربي أن يتعلموا من تاريخ هذا المجتمع أن قوته واستمراره نابعان من دينه أولا وحضارته التي جسدها في النظام الاجتماعي الذي بني عليه ثانيا، وتديننا وحضارتنا لا مكان للعنصرية فيهما، ولا نتحمل مسؤولية أي متعصب مجاف للحق والصواب، ومن يتخذ من اللغة أو العرق أو المذهب سببا للهجوم على غيره واستباحة ساحته، بل شعارنا حديث النبي: «كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه وماله وعرضه».

رابعا: إلى الشباب المضحّين في الساحات
إلى حراس الأمن والأمان من الشباب الذين خاطروا بأنفسهم، وهبوا هبة رجل واحد من أجل حماية البيوت والمحلات والمرافق العامة والخاصة، أقول لهم: بارك الله فيكم، وحفظكم من كل مكروه، فلقد كنتم السبب في التقليل من الخسائر التي تسبب فيها المعتدون، ممن لم يتقيد لا بشرع ولا قانون، ولولا صمودكم ومواجهتكم لكانت المصيبة أنكى وأشد، ولكان الخطب أكبر ممن لم يرقبوا حرمة ولم يصونوا عرفا، فشكري لكم أولا قبل أي مسؤول صغيرا كان أو كبيرا، ووصيتي لكم أن تظلوا متيقظين منتبهين، ولتعلموا أن ما قمتم به وتقومون من رد كيد المعتدين وكف غلوائهم هو من الأعمال الصالحة التي تؤجرون عليها، وواجبنا أن نشكركم عليه جزيل الشكر، ونذكركم في الوقت نفسه أن مهمتكم ليست الاعتداء على أي كان، لعرقه أو طائفته، أو لونه أو أصله أو لغته أو مذهبه أو دينه، بل مهمتكم أن تردوا الظلم وتمنعوا الظالم من تنفيذ ظلمه واعتدائه، ومهمتكم هذه مهمة نبيلة يصونها العرف والشرع والقانون. فاحذروا أن تكونوا أسبابا للاعتداء على الآخرين بغير حق مهما كان انتماؤهم أو عرقهم أو… فعملكم هو منع الظلم وحماية المظلومين لا المشاركة فيه بأي وجه من الوجوه، وذلك مقتضى حضارتكم ودينكم.

خامسا: إلى الغيورين من أبناء الجزائر
إلى كل جزائري غيور على وطنه، اعلم أخي أن بناء الأوطان يقوم على العمل والجد، والصرامة مع الظالمين المعتدين الذين يسرقون خيرات بلدنا، ويسمحون بظهور الفساد الأخلاقي والمالي و… وما تزال تطالعنا الصحف كل يوم بفاسدين جدد، وسارقي المليارات، والشعب لا يشهد تنمية حقيقية، ولا تعليما يرفع من مستوى الأجيال، ولا صحة عمومية تليق بمستوى دولة غنية كالجزائر، بل المواطن يرى بأم عينيه نظاما يهمش طاقات أبناء الجزائر ويتجاهلها، ولا يثمن عطاءها، ولا يرفع من شأنها اللهم إلا المغنين والرياضيين ومن على شاكلتهم، ممن يعين على تنويم الشعب وصرف وعيه عن حقوقه ومطالبه المشروعة دستوريا، أما علماء الجزائر ومثقفوها، والناشطون الاجتماعيون وأصحاب الإنجازات فمهمشون لا يلتفت إليهم، وهم الذين يشرفون الجزائر ويصنعون تاريخ مجدها رغم كل ذلك التهميش والتجاهل. فلنجتهد أخي الجزائري حبا لهذا الوطن الغالي في إصلاح أحواله، وفضح الفاسدين والحؤول دون التمكين لهم، والشعب الأبي الذي أخرج فرنسا بعد أكثر من قرن من الاحتلال قادر أن يكفكف شر المعتدين الفاسدين، ويتقدم بالجزائر نحو عزة حقيقية وكرامة مستحقة!

الدكتور: صالح بوشلاغم
الجمعة 27 ديسمبر 2013

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى