من وحي القلمواحة المعرفة

التنين الصيني وعالم الأفكار

الصين، تلك القوة الاقتصادية الجلية في العالم، كانت تدعى بالعملاق النائم سابقا، ويبدو أنه انتهى وقت النوم، نقتبس لكم هذا الأسبوع موضوعا شيقا عن التنين الصيني، الذي شهد ثورة غزا بها العالم ليس عسكريا ولكن اقتصاديا، فقد صدق وزير صيني حين رسم رؤيا مستقبلية ذات يوم وقال متحديا، سنصل إلى يوم لا نجد فيه منزلا في العالم يخلو من منتوج صيني، فكان له ما أراد وعاد مخاطبا فرحا بالمستوى الذي وصلته بلاده، فبماذا كان ذلك؟ نترككم مع المقال…

لمسات التقدم الاقتصادي للصين بارزة للعيان حيثما ارتحلنا وتجولنا في بيوتنا وشوارعنا وعواصمنا، فلا يكاد يخلو بيت أو مكتب أو مصنع من منتج صيني قادم من وراء البحار بسعر رخيص يغري بالاقتناء متفوقاً في أحيان كثيرة على المنتجات الوطنية من حيث الجودة و التكلفة، فالتقدم الصيني في عالم الأشياء والمنتجات ملموس ومحسوس.

التنين وثلاثية مالك: ولكن هل النهضة الاقتصادية الصينية هي وليدة الإبداع في عالم الأشياء فقط ؟؟؟ ولا تخضع لثلاثية (مالك بن نبي) الذي يري أن أي نهضة لابد لها أن تحرز تقدماً في ثلاثة عوالم كبري : عالم الأفكار ،عالم العلاقات ، عالم الأشياء. فالبعض يعتقد أن النهضة الصينية تتلخص في إبداع الأيدي الصينية في تصنيع الآلة وجودة المنتج فقط !! بغض النظر عن السياقات الفكرية والاجتماعية والثقافية التي أنتجت هذا الإبداع، وحولت المجتمع الصيني من الخمول والكسل إلي النشاط والعمل، وهذه النظرة التي تحصر تجارب النهوض في القدرة علي إنتاج المكائن والمصانع دون السياقات الأخرى تسببت في نكبات كبري في الساحة العربية.

فالعديد من القادة السياسيين العرب سعوا للنهضة عبر استيراد المصانع والخبراء والفنيين من الشرق والغرب وزرعهم في الجسد العربي، لعلهم ينبتوا لنا تقدماً ونهضةً، ولكن وقع العكس تماماً، لأن ثلاثية النهوض لم تكتمل شروطها في الجسد العربي عبر إحراز تقدم في عالم الأفكار وعالم العلاقات وعالم الأشياء في فضاءات المجتمعات العربية، فالنهضة نبات حساس لا ينت في تربة أمة من الأمم إلا وسط شروط عديدة، إذا اختل منها شرط تمرد وأبي الإنبات، كمشروع عباد الشمس العراقي: أحد الوزراء العراقيين في عهد النظام الثوري ذهب إلى زيارة دول أوربا الشرقية، وزار مزارع واسعة لنبات (عباد الشمس)، وأُعجب غاية الإعجاب، فقرر نقل التجربة للعراق، وأمر بشراء عشرين طنا ً من البذور وزرعها في العراق، وفوجئ بالأمراض تضرب النبات وأن المحصول سيء جداً، فثار وجمع موظفيه وقال لهم: إنكم تعادون المشروع وتريدون إفشاله وأنتم أعداء الثورة وسوف أسوقكم بهذه التهمة، فالوزير غافل عن عدم توفر الشروط الطبيعة لنمو عباد الشمس في العراق من حيث طبيعة التربة ودرجة الحرارة .

نهضة التنين ومسيرة عالم الأفكار:

وليدة نجاحات تحققت في عالم الأفكار أولاً ثم عالمي العلاقات والمشاريع، وسنقف الآن عند التقدم الصيني المنجز في عالم الأفكار الذي قاد النهضة الصينية نحو التقدم والنهضة فى عالمي العلاقات والمشاريع، فوفق فلسفة (مالك بن نبي) رحمه الله أن أي تقدم يبدأ أولاً بخلق عالم أفكار حافزة تجاه التقدم والفاعلية والخصوبة الحضارية، والأجيال القيادية الصينية أصبحت محترفة في فن خلق الأفكار الحافزة والحاشدة للجموع الصينية وتحقق لها ذلك عبر المسيرة التاريخية التالية .

أجيال القيادة الصينية وعالم الأفكار:

ُيقسم السفير محمد خير الوادي – سفر سوريا في الصين سابقًا – قيادات الصين الشعبية إلي أربعة أجيال كالتالي
1- جيل ماو 2- جيل دينغ تشاو بينغ 3- جيل جيانغ زيمين 4- الجيل الحالي جين تاو كل جيل منهم ساهم في إبحار الأمة الصينية مسافات نحو المستقبل عبر أشرعة الأفكار الجديدة الحافزة للمجتمع الصيني نحو بذل الجهد و العرق لنيل حرية التراب الصيني من الهيمنة، والتخلص من المجاعات والمرض، والانتقال إلي ساحات التقدم وإمكانية الفعل. وستناول هذه الأجيال القيادية من زاوية الأفكار الحافزة والحاشدة التي طرحوها وكان لها الأثر البالغ في تفعيل عالم المشاريع والعلاقات في النهضة الصينية الحديثة.

أولاً: جيل ماو وإمكانية الفعل: نشأ هذا الجيل وسط موجات متلاطمة من التحديات تكاد تعصف بالسفينة الصينية وتقضى عليها كلياً، فعلي المستوي الصحي: كان في الصين قرابة 100 مليون مدمن للمخدرات ونسبة العمى كانت مرتفعة، والجهل كان مخيماً على عامة الشعب، والانبهار بالغرب مهيمناً علي المثقفين، وأجزاء من الجسد الصيني مستعمرة من قبل الإنجليزواليابانيين، وأحد رموز الأمة الصينية (قصر الصيف) أكلته النيران لفرنسية والإنجليزية عام 1860، بالإضافة إلى قوميات تريد الانفصال. وعلي الرغم من كل هذا نجح جيل ماو في تحرير الصين وتوحيدها وإخراجها من ذلك الجحيم في عام 1947 بواسطة الثورة الماوية، التي بشرت المجتمع الصيني بإمكانية الفعل والتحرر من المحتل الأجنبي و التمتع بصين موحدة وقوية وعزيزة مستفيدين من نجاحات الثورة السوفيتية مع الحفاظ على خصوصية الأمة الصينية عبر شعارهم (الثورة تبدأ في حقول الأرز). ووضعوا أول لبنة في مشروع النهوض الصيني (مرحلة التغيير)، عبر التبشير بالأمل وإمكانية الفعل والقدرة على التصدي للاحتلال الجاثم على صدرهم منذ عقود من الزمن.

ثانيا ً: جيل دينغ تشاو بينغ: نسبة هذا الجيل تعود للقائد دينغ تشاو بينغ الذى خلف الزعيم ماو فى قيادة سفينة النهضة الصينية، ورث هذا الجيل منجزات جيل ماو فى التغيير والتحرر من الهيمنة الخارجية، ولكنه فى ذات الوقت ورث تركه ثقيلة وقاسية من جراء زلازل الثورة الثقافية التي تركت ندوباً إجتماعية وإقتصادية وسياسية غائرة فى وجه المجتمع الصيني التائق للنهضة، وبفضل أفكار جيل دينغ تجاوزت الصين هذه المحنة وصنعت معجزة النهوض، ومن أبرز الأفكار الحافرة التى طرحها هذا الجيل شعارهم- (ليس المهم لون القط المهم أن يصطاد الفئران ) – بمعنى التحرر من أسر الشعارات الطنانه التي لاتملك جدوي وفعالية على أرض الواقع – وقاد هذا الجيل مبدأ انفتاح الصين على العالم وسعي للاستفادة من مزايا النظام الرأسمالي مع التمسك بالمبادىء الإشتراكية ، فقد وجه هذا الجيل دعوة لكل الصينيين أن اغتنموا وراكموا الثروة . لانهم كانوا يعتقدون أن الثروة والغني من مقومات النهوض

ثالثاً: جيل جيانغ زيمين: هذا هو الجيل الثالث فى القيادة الصينية الذي ورث منجزات جيل دينغ الإقتصادية، التي نقلت الصين لمصاف الدول العظمى، وأصبحت السابعة عالمياً من حيث المكانة الإقتصادية، ولكن هذا التقدم ترك أثاراً سلبية كبرى من حيث التفاوت بين الطبقات الإجتماعية فى الصين، وأيضاً علي كيان الحزب الشيوعي من حيث اتساع الهوة بين نظرية الحزب وبين الواقع الإقتصادي المعاش، فركز هذا الجيل على فكرة واستراتيجية- فتح النوافذ- التي تعني فتح نوافذ الحزب الشيوعي لكل أطياف النسيج الوطني وليس الطبقات العاملة فقط، بحيث يصبح الحزب بيتاً لكل الصينيين، وبالتالي تصبح مهمة الرفاق في الحزب تقديم مصلحة الأمة على مصلحة الحزب، ومع تطبيق هذه الإستراتيجية ُضخت دماء جديدة فى شرايين النهضة الصينية .

رابعاً: جيل جين تاو نسبة للرئيس الصيني الحالي جين تاو، هذا الجيل تبدو مهمته أثقل من الأجيال الثلاثة السابقة، فمطلوب منه تحقيق معدلات نجاح أسرع، وتجاوز إشكالات ربما تكون موروثة من الأجيال السابقة. ولتحقيق ذلك تبني هذا الجيل فكرة واستراتيجية ما يعرف – بنظرية المجتمع الإشتراكي المتناغم – والتى سعي من خلالها إلي معالجة الظواهر الإجتماعية السلبية التى نتجت عن تحديث وتصنيع المجتمع الصيني، ومانتج عنها من تفشي الثراء الفاحش وسط قطاعات كبيرة من الصينيين، وما نتج عن ذلك من أمراض سلوكية غربية على المجتمع الصيني، مع الحفاظ على معدلات نمو اقتصادية كبري، ونجحوا في تلك المهمة إلي حد معقول عبر العودة للثقافية الصينية الأصلية التى تقدس التناغم والطبيعة والأسرة، ومازال هذا الجيل يمارس إبداعه فى فضاء الجسد الصيني، ويتضح مما سلف مدى أسبقية وتأثير عالم الأفكار فى تحريك النهضة الصينية بدءاً من فكرة إمكانية الفعل ومروراً بفكرة ليس المهم لون القط ، وفكرة فتح النوافذ، وأخيراً فكرة المجتمع المتناغم، وعند هذه المحطة يرسو قلمي الذى جال فى فضاء عالم الأفكار الكبري التي حركت الرياح فى أشرعة السفنية الصينية، آملاً أن تتاح الفرصة لقلمي أن يبحر معكم نحو شواطىء عالمي العلاقات و المشاريع التي أثرت فى النهضة الصينية.

الموضوع للكاتب: ياسر الغرباوي، من موقع الجزيرة توك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى