فتنة غرداية

قراءة في أحداث القرارة… وخطوة نحو الحل

بسم الله الرحمن الرحيم

 بلدية القرارة بولاية غرداية مدينة ذات أصول عريقة وتاريخ مجيد في وطننا العزيز الجزائر، قدم أبناؤها بطولات عظيمة وأعمالا جليلة في خدمة الدين والوطن، فهي رائدة الإصلاح في وادي مزاب خلال القرن العشرين، وهي مسقط رأس العديد من الأسماء اللامعة في تاريخ الجزائر المعاصرة، من أمثال الشيخ بيوض والشيخ أبي اليقظان والشيخ عدون والدكتور صالح خرفي وغيرهم كثير.

كما توجد على ترابها الطاهر قلعة من قلاع العلم والوطنية؛ إنها معهد الحياة الذي خرج للجزائر وللعالم الإسلامي فيما يناهز القرن من الزمن أجيالا متلاحقة من خيرة الرجال الذين جمعوا بين الخلق والعلم والعمل، فعمروا الأرض نفعا وصلاحا في مجالات الحياة المختلفة.

استطاعت بلدية القرارة طوال تاريخها أن تحقق التعايش بين سكانها، وتجسد قيم المواطنة بين أفرادها، وترسم أجمل صورة للبلدة الآمنة المطمئنة، وتعطي أروع نموذج للبلدة التي تجمع مقومات الشخصية الجزائرية المتمثلة في الإسلام والعروبة والأمازيغية في تناغم وتناسق وتوافق.

دعمت بلدة القرارة صورتها الحضارية الجميلة هذه بنشاط أبنائها وجهودهم في عمارة الأرض وتفعيل الاقتصاد وإقامة مشاريع استصلاحية فلاحية هامة وفروا فيها للمنطقة وللجزائر جزءا من أمنها الغذائي المتمثل في التمور والحليب والزيتون وزيت الزيتون والعسل والقمح وغيرها من المواد الغذائية الأساسية في قوت الجزائريين.

إن هذه الصورة الحضارية النموذجية التي حققتها بلدة القرارة هي مفخرة للجزائر ومكسب من مكاسبها التي يحق لها أن تتباهي بها بين الأمم والشعوب.

******

لكن للأسف الشديد، فإن أيادي الفتنة والسوء التي تسعى للفساد والإفساد ولا تريد الخير لهذا الوطن امتدت إلى هذه المدينة الآمنة وأرادت لصورتها أن تتلطخ وأن تتشوه.

في وقت تتطلع فيها الجزائر لبناء مؤسسات قوية ذات سيادة، وتحقيق هيبة الدولة بنشر العدل الأمن، وتجسيد حقوق الإنسان، وتكريس دولة القانون، لتكون في مصاف الدول العربية والإسلامية الكبيرة.

وفي ظروف تحذق بالجزائر مخاطر من مختلف حدودها، تحاول النيل من استقرارها وزجها في أتون الفوضى واللاأمن واللااستقرار، خدمة لمصالح خارجية وأفكار فاسدة قادمة من الشرق والغرب، وفي وقت تتهيأ فيه لخوض استحقاقات انتخابية هامة في مطلع السنة القادمة.

إن ما وقع في بلدة القرارة من فتنة عمياء هوجاء صدرت من فصيل من السكان ضد فصيل آخر، أقل ما يمكن أن توصف به بأنها أعمال إرهابية دنيئة لم يرقب فيها إل ولا ذمة، وتعدي فيها على كل مبادئ الإنسانية وتعاليم الرسائل السماوية وقيم المواطنة وحقوق المجاورة.

هزت هذه الأعمال التخريبية البلدة وزلزلت أركانها، وأدخلت أهاليها في دوامة من الخوف والرعب والذهول جراء ما لحقهم من أذى، وما مسهم من أضرار في أعز وأغلى ما يملكون من حرمات وأعراض وأملاك.

عبرت هذه التصرفات الحقيرة عن همجيتها ودناءتها وسفالتها وإرهابيتها وجهلها وعدوانها وكفرها بكل القيم الإنسانية والحضارية والتعايشية.

امتدت هذه الأيادي الحقيرة والأنفس الخبيثة إلى الحرمات فانتهكتها وإلى الديار فأحرقتها وإلى الأنفس فروعتها وإلى الأجساد فجرحتها وإلى الممتلكات فسرقتها وإلى المحلات فخربتها، وإلى المقدسات فسبتها ودنستها.

لم يسلم من هذه الأفعال الوحشية حتى أولوا الضرر من العجزة والقصر والمعوقين.

إن هذه الأفعال الشنيعة لتكشف عن حقد دفين، وحسد مقيت، وغيرة مذمومة، وصورة نمطية فاسدة، وعصبية جاهلية مخزية؛ تعبر عن كل مظاهر التخلف الحضاري والهمجية البدائية والتنصل من كل قيم الأخلاق والدين والعرف والوطن.

لقد كان هؤلاء الظالمون المعتدون أحرص الناس على الاستفادة من مختلف الخدمات والمساعدات والصدقات والزكوات في سائر أيام السنة وفي مختلف المناسبات الدينية والوطنية، التي كان يقدمها لهم هؤلاء الذين أغاروا عليهم. وذلك تجسيدا لمبادئ الإسلام وإيمانا بأخوة الدين وحق الجوار وروح المواطنة.

إن الناظر والمتأمل فيما حل ببلدة القرارة من إرهاب وخراب ودمار ليذهل لما جرى ويبقى حائرا متسائلا عن دوافع هؤلاء القوم المخربين للحضارات التي تجعلهم يتصرفون هذه التصرفات الشيطانية على الرغم من كل الإحسان المقدم لهم.

إن هذه الفتنة الملعونة من الله والملائكة والناس أجمعين قد أحدثت جرحا غائرا في جسد هذه البلدة الطيبة، وفي نفوس كل أبنائها صغارا وكبارا؛ رجالا ونساء، وبالذات في جيل الشباب والناشئة؛ مما يصعب تناسيه بسهولة، ومما يصعب معالجة آثاره في المستقبل القريب.

إن تدارك مخلفات هذه الفتنة ومضارها الجسيمة على الأفراد والمجتمع ليس بالأمر الهين، ومما يستلزم تظافر جهود الجميع، وتعاون الهيئات العرفية مع الجهات الرسمية.

******

إن العلاج الحقيقي لهذه الأزمة الشديدة يكون وفق خطة واضحة المعالم يمكن تحديد نقاطها فيما يلي:

ـ القيام بتحقيق جاد وعميق لمعرفة الأسباب الحقيقية وكشف رؤوس الفتنة، والأيادي الخفية التي تقف وراء الفتنة.

ـ التعامل الحازم والصارم مع الوضع الأمني في البلدة واستتبابه.

ـ التعامل الحازم والصارم مع المتسببين الفعليين في إشعال نار الفتنة.

ـ التعامل الحازم والصارم مع المشاركين في أعمال الحرق والنهب والسرقة والتعدي على الحرمات.

ـ إطلاق صراح كل الأبرياء الذين ألقي عليهم القبض وهم في حالة دفاع عن أهاليهم وحرماتهم.

ـ تعويض كل المتضررين في ممتلكاتهم وتجاراتهم.

ـ قيام أيمة المساجد والدعاة باستنكار هذه الأفعال الشنيعة والتبرئ من فاعليها، والدعوة إلى التعايش ونبذ الفتن والظلم والعدوان.

ـ تعاون المجتمع المدني على علاج المخلفات النفسية والاجتماعية والمعنوية للأزمة من خلال التوعية والإرشاد والنصح.

ـ تعاون المجتمع المدني على نشر ثقافة التعايش والمواطنة وتنمية الوعي المدني والحس الوطني، والحفاظ على السلم والأمن.

ـ تعاون الجميع على محاربة مظاهر العنصرية والطائفية في كل مؤسسات الدولة الإدارية والتربوية والصحية.

******

بتحرك جميع الخيرين في هذه البلدة مع السلطات الرسمية على كافة المستويات يمكن تجاوز هذه الأزمة، وعدم تكرارها في المستقبل، والوصول إلى سلم اجتماعي حقيقي ينعم فيه الجميع بالهناء والطمأنينة والسعادة.

نعوذ بالله تعالى من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وندعو الله أن يحفظ بلدتنا القرارة وسائر بلاد الجزائر وبلاد المسلمين من كل مكروه وسوء.

وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

 الدكتور  قاسم الشيخ بالحاج

الجزائر: 12/02 /2013

مقالات ذات صلة

‫6 تعليقات

  1. السلام عليكم، نشكر الأستاذ على هذا المقال الذي أراد من خلاله الكشف عن الأسباب التي كانت وراء هذه الأحداث بكل وضوح ودون مداراة ولا مواراة وهي أسباب يصعب معالجتها في المدى المنظور, وفق الله مساعي العاملين على استتباب الأمن وعودة الهدوء والطمأنينة إلى بلدتنا العزيزة وإلى وطننا الغالي وسائر البلاد الإسلامية.
    ملاحظة بسيطة أقدمها إلى المشرفين على الموقع – بعد شكرهم على المجهودات التي يقومون بها في سبيل إعلام راق وهادف – يتعلق بخطإ في تاريخ كتابة المقال 12 . 02 . 2013 بدلا من 02 . 12 . 2013 حيث سيبقى مرجعا للتأريخ في المستقبل.

  2. on a été avertis à plusieurs reprises du "complot": Berriane, Beni-Isguen, Melika, Ghardaia et ce n'est pas fini, je suis convaincu.
    il ne faut pas dormir sur ses deux oreilles et fermer les yeux. la prochaine catastrophe n'est pas a écarter.
    puisque le football divise les Musulmans: Algérie-Egypte, Algérie-Tunisie, El Askendaria-El Ahli (Egypte 2013), Beni-Isguen, Guerrara (aussi à cause du football), je propose تحـريمه ـ – HARAM, comme le vin et la cigarette.

  3. إنها كلمات في الصميم لكن لن تجد لها آذانا صاغية لأننا في دولة الظلم والعدوان ,,,فكيف ترجو من السلطات التي ساهمت بشكل كبير في اثارة الفتنة أن تحقق في من أشعل الفتنة وهي لم تقم بواجبها وحتى أنها أنكرت على الملأ (الصحافة) الأدلة البينة من الفيديوهات على الانترنت مشاركة بعض من قوات الأمن في أعمال التخريب و الشغب فهذا الدور لن يقوم به إلا المسؤولون المنتخبون على المستوى الرئاسي والبرلمان ومجلس الأمة وعسى بعد ذلك أن تحقق المبتغى ولاحول ولا قوة إلا بالله وحسبنا الله ونعم الوكيل.

  4. بارك الله فيكم أستاذنا على هذا التحليل المستفيض والواقعي لهذه الفتنة الملعون موقدها، وبصراحة لقد تميزتم بواقعيتكم في تحليل الحادثة مقارنة ببعض الأصوات التي لا تزال تنعق هنا وهناك منادية بضرورة الاندماج مع هؤلاء القوم المخربين والظالمين المعتدين كما وصفتموهم، لكن أرى في النهاية حينما تطرقتم إلى الحلول ركزتم خاصة عاى جانب المخالفات التي ارتكبها الأمن كممثل للسلطة العمومية، لكن لم تتطرقوا إلى الدرس الذي نأخذه من هذه الحادثة وغيرها في كيفية التعامل مع هؤلاء القوم الهمج في مستقبل الأيام، مثلا تطرقتم إلى توزيع الزكوات والأضاحي عليهم، هل يستحقون هذا أو علينا أن نستبدل طريقة أخرى كما نقول بالعامية “لَزْرَقْ”؟ وبارك الله فيكم

    1. les anciens disent à l’epoque: ydirouha el firanes et ikhalsouha thitain.
      mais ce qu’il passe à ghardaia c’est. l’inverce.
      des quistions qui se poses est:
      1- pourquoi les forces publique”bleu” avec les arabes????
      2- pourquoi le silonce arrive avec les forces publique vert ?????

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى