سلوايَ ونجوايَ… (2) : عيد سعيد من بورصة الخضراء…

خداوندكار) اسمٌ قديم لمدينة بورصة، وهي تعني “هدية الله”، وتعرف حاليا بـ”بورصة الخضراء”، يصدق فيها المثل السائر: “لكلٍّ من اسمه نصيب”؛ تترامى حواليها بلا حصر حدائق غناء مدهامَّة وذواتا أفنان؛ يقف جبل “أولوداغ” بكبريائه حارسا ومراقبا فوق المدينة المدلَّلة. وفي كلِّ جانب منها قبر من قبور السلاطين العثمانيين الأفذاذ، بخاصَّة أنها كانت أوَّل عاصمة لهم، وعاصمة رسمية ما بين عام 1326 و1365 للميلاد. فتحها أوران غازي، وهي اليوم رابع أكبر مدينة تركية، لها الريادة في نشاط الصناعة والسياحة.
هنالك كان العيد سعيدا، بحمد الله تعالى، حيث الطريق من استانبول عبر البرِّ، من خلال “إزميت”، و”يالوفا”… وحيث يسَّر الله تعالى إقامة لثلاثة أيام، كان لنا فيها أهل وأحبَّة؛ ففتح الله صلاة العيد في “أولوجامع” الراسخ مثل ملك على عرشه، وسط المدينة العتيقة؛ والغريب هو كثرة السياح الوافدين، بخاصَّة من العالم العربي، وقد ذُكر لنا أنَّ لفظ السائح مرادف للفظ العربي هنا؛ فمثلا يقولون: “هذا موسم العرب”، ولا يعنون إلاَّ أنه “موسم السياحة”.
ولقد كان الدرس، ثم الصلاة، ثم الخطبة.. مع تكبيرات متناغمة، بلكنة أعجمية في حرف الهاء بخاصَّة، تضفي هيبة للموقف، وتذكرنا بعالمية الإسلام، وأنه لم ينزل على قوم محصورا، وإنما هو للعالمين وللعالم أجمع.
ثم انتشرت العائلات عبر المذابح، لأداء “واجب القربان”، أي “الأضحية”، وغمرت الساحات ابتسامات وقبلات ومظاهر تُنسيك أنك هناك غريب، لتذكرك أنك بين أهلك وأحبتك، لم يجمعكم العرق ولا اللون ولا المصلحة، ولكن الذي جمع بينكم هو رابطة الدين، وآصرة الأخوة، والحب في الله ولله وبالله.
أمَّا حديقة النباتات، التي التقينا فيها نحن الجزائريون، ممن عيَّد في بورصة، وهم قلَّة، فكانت لنا مرتعا خصبا، وللأطفال ملعبا وفسحة وفرجة… ولا يغيب كأس الشاي الأخضر من مجالسنا، ولكم ذكرنا بالخير وطننا، ودعونا الله تعالى له ولسائر بلاد المسلمين بالعافية والرفاه والتمكين.
وغاية المنى كانت زورةً إلى حديقة الحيوانات البديعة، والمتنوعة، والمتقنة…
هنالك، بين أسراب الطيور الزهية الطليقة القادرة على السفر بلا تأشيرة… هنالك طار الفؤاد جواً، وتفتت القلب شوقا… إلى الأهل ، والأحبة، والأقربين… ثم اصَّعدت مع الزفرات دعوةٌ ملحاح، ونداء مفصاح: أن عيدكم مبارك، وكلُّ عام وأنتم بخير.
محمد باباعمي



