سؤال الأزمة… القلق والتّوتر الإيجابي (1)

عنوان غريب يحمل في طيّاته شعورا أغرب، فقد اعتدنا توظيفَ مصطلحيْ القلق والتّوتر توظيفا سلبيّا.. وكثيرا ما نرفُقُهما بصفاتٍ أخرى ملازمةٍ لهما كالغضب والانفعال، ورغم أنّ للدِّلالة الاصطلاحية أبعادها وتأثيرها، إلاّ أنّ هناك من القلق والتّوتر ما يكون محمودا ويساعد على قطع المسافة في الوجهة الايجابية.
نعم، إنّه ذلك القلقُ الذّي يحسّن الأداء ويبعث على العطاء، قلق على تكاسلنا وتقاعسنا وعاداتنا السيّئة… على الانفصام والتناقض المحيطيْن بنا من كلّ جانب، قلق لعدمِ قدرتنا على التّغيير الدّاخلي وعدم الاتّصاف بما نعلم، ولأننا لم نتمكّن من التخلّص من الشوائب والعوالق السّلبية التيّ تكدّست فينا على مدار السّنين، قلق على الأسئلة المؤرّقة التّي تحاصرنا ولم نجد لها جوابا بعدُ… على البرزخ الموجود بين أفكارنا وأفعالنا، إنّه قلق على حال أمّتنا وعلى غيبوبتها الحضارية وسباتها العميق.. باختصار إنّه سؤال الأزمة الذي يطرح نفسه بحثا عن الحقيقة…
إنّ هذا النّوعَ من القلق والتّوتر هو علامة الحياة الأولى، والولادة الجديدة، فكما أنّ الطفل يستبشر أهله بولادته ولادة سليمة حينما يبكي(1)، فكذلك هذا النّوع من القلق والتّوتر يبشّران بولادةِ وعيٍ وإدراكٍ سليميْنِ، ويوحيان ببُزوغِ فجرٍ جديد بعد ظلمة اللّيل الحالكة…
لماذا قَتْلُ السّؤال؟
إنّ المتأمّل المتبصّر في المنظومة التّربوية لَيَلْحَظُ أنّها كثيرا ما تُسهم في تبليد وقتل هذا القلق والتّوتر اللّذيْن يُعيدان للإنسان رشده وإنسانيته، فهي تقتل السّؤال والتّساؤل بصفة أولى، ففي المدرسة حتىّ وإن وجد السؤال فإنّه قد يوأد مباشرة بإجابة “نموذجية” نهائية غير قابلة للنّقاش، وذلك ربما يكون بحجّة ضيق الوقت وإنهاء البرنامج، ليتم بعدها الانتقال إلى سؤال آخر. -وكلّنا يتذكر الإشكالية التّي نكتبها في بداية الدرس ونجيب عنها في آخر الحصّة أو بعد ساعة بالأحرى – وبتكرار تلك الإجابات ترسّخت في العقل اللاّواعي مشكّلة مجموعة من المعلومات التي لا تَصلُح إلاّ في مسابقات من أمثال: “من سيربح المليون”.
وفي العُرف الأسري إن كانت هناك جُرأةُ طرحِ السؤالِ، يُوصف هذا مباشرة بقلّة أدب وعدم احترامِ، وأحيانا قد تكون الحجّة هي “لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم”، وفي أحيانٍ أخرى يُنْصح السّائل بترك السّؤال إلى مرحلةِ التّقدم في العُمُر: “عندما تكبر ستعرف”، فيختلط عليه الأمران بمقصود عمر الإنسان: هل هو العمر البيولوجي أم هو عمر الوعي؟ وبطرحِ السّؤال هل سأصبح متقدّما في العمر؟؟ للأسف، فكثير مما تمت الإشارة إليه هو ضريبةُ وعائنا الحضاري(2) الذّي قدّر الله لنا أن ننشأ ونتعلّم فيه، وأن لا نستسلم بالمقابل لمؤثراته.
أمّا عن القاموس اللّغوي، فهو غنيّ بالأمثال والحكمِ المثبّطة للعزيمة؛ والمساهِمةِ في قتل الإرادة وتبليد الحسّ؛ على غرار: “وَاش أداوْ لي ماتوا”، “كلّ تعطيلة فيها خير”، “ربيّ ورحمته” “tout va bien”.. فكلّ إناء بما فيه ينضح، وكثير من هذه الأمثال دليل على انخفاض في مستوى الوعي العقلي والرشد الحضاري، وجميعها مساهمة في قتل وتبليد السّؤال والتّوتر المعنوي، ومُنْبِتَةٌ لبذور الاسترخاء والتّكاسل واللاّفاعلية في قلب وعقل الإنسان.
الإعلام وتغييب السّؤال
بقتل السؤال، نُمِّطت العقول على استقبال المعلومات وتخزينها مباشرة دون المرور بمرحلة التّحليل والتّأمل، والتفكيك والتّركيب، والتّقديم والتّأخير… وهذا الدّور (التّخزين المباشر للمعلومات) ساهم في تكوينه لدينا وبخبث متميّز: الإعلام -خاصة التّلفاز-، فهو لا يترك مسافة الأمان بين المشاهِد والمعلومة، مسافة التّحليل والتّركيب وطرح السؤال، إنّما يعتمد في جوهره على التراكمية المعلوماتية وعلى الببغائية، إذ يُمطر على المتلقي سيلا غير متناهٍ من التّفاصيل، ويٌغرقه في بحر من المعلومات التي هو في غنى عنها والتّي لا تُسْمِنُ ولا تغني من جوع.. فيتموضع المُتلقي في موقف المستهلِك مسلوبَ العقل مخطوفَ الذّهن، غارقا في المعلومات المتناقضة الخاطئة.. إنها معلومة تلقّاها من “تليفزيون البيتزا” فتمّ استهلاكها وابتلاعها قبل تحليلها والتفكّر فيها!
وفوق كلّ هذا “فإنّ الآلة الإعلامية تراهن على أن لا ينفصل المشاهد لحظة عنها، فيبقى أسير خدمة الخبر العاجل، وشريط الأخبار، ولا تترك له لحظة ليعيد فيها ترتيب أفكاره من جديد، ومعرفةَ المُضْمَرِ من المعلَن، وتمييزَ الخبيث من الطيّب..”(3).
ولذلك فمن يعتقد أنّ الآلة الإعلامية – التلفاز وصفحة الفايسبوك خير ممثّل لها – هي المصدر الرّئيسي للمعرفة فهو مخطئ في تقديره، ذلك أنّ لحظة إغلاقِ صفحة الفايسبوك وإطفاء التّلفاز، والعودة إلى دفء الكتاب هي لحظة ولادةِ إنسانٍ فريد.. إنه إنسان التّمكين والخلافة والتّجديد.
وقد أشار الدّكتور عبد الوهاب المسيري إلى أنّه في مشواره المعرفي وتأليفه لموسوعة اليهود واليهودية واجهته ثلاث معضلات؛ وهي ما أسماه بالذّئاب الثلاث: ذئب الشّهرة، ذئب الثّروة، الذئب الهيجيلي المعلوماتي(4)، وبيّن أنّ أكبر مواجهة له كانت مع الذئب الثالث “الذئب الهيجيلي المعلوماتي” أي تراكم المعلومات، فبعد مُضيّ أكثر من عشر سنوات من بداية تأليف الموسوعة التيّ استغرقت حوالي ربع قرن لترى النّور، اكتشف أنّ طريقة تعامله مع المعلومات هي التّراكم -سواء كان مصدرها الكتاب أو الإعلام- وانتهى إلى أنّ طريقة الزخم المعلوماتي لن تقدّم إضافة علمية ولن تُـنتج موسوعة فكرية متماسكة متّسقة.
وإنّ لهذه الآفة في التّعامل مع المعلومة أثر على عدمِ تقديمنا إضافاتٍ معرفيةٍ جديدة، وعدم اكتشافنا لحقائق كونية.. لأنّ المعرفةَ لا تتطور بعدد المعلومات التّي نراكمها، بل بالعلاقة التي نُوَلِّدُهَا بين تلك المعلومات بعد التأمّل والتّحليل، والتفكيك والتّركيب حسب نموذجٍ إدراكيٍّ يشكّل هوية الإنسان ورؤيته الكونية.
“كما يتّفق المهتمون بنظرية المعرفة والإبستومولوجيا أن الإضافة المعرفية لا تولد إلا من رَحِمِِ عقلٍ غارق في أزمة(5)”، وبديهيّ أنّ العقل الغارق في أزمة سيحلّل ويركّب ويتأمّل ويطرح السّؤال.. للخروج من أزمته.
يتبع…
المراجع
حلقات الفهم، الوعي، العمل.
1- مقال الفعالية، كتاب “تأملات”، مالك بن نبي ص 132.
2- انظر مقال “الوعاء الحضاري”، د. محمد باباعمي.
3- كتاب “شروق وغروب”، الأستاذ طه كوزي، ص 56.
4- كتاب “الثقافة والمنهج”، د.عبد الوهاب المسيري.
5- كتاب “شروق وغروب”، الأستاذ طه كوزي، ص 102.
حمزة موسلمال
المصدر: فييكوس نت



