انفجار للغاز… أم تفجير للألغاز؟

منذ اللحظة التي انفجرت فيها عبوةُ الغاز، فانهدَّ بيتٌ، وانهدم جزء من بيت آخر، وتوفي طفل، وأصيب أهله… والناس في بلدتي الطيبة يسجن في صدمةٍ شديدةٍ، وحيرة مديدةٍ؛ بخاصة الذين يسكنون قريبا من ساحة السوق، وقد نالهم من الصوت الصرصر، ومن آثار الانفجار الكركر؛ ما جعلهم يحسون بزلزال كبير، أو قنبلة ذات هول خطير.
ولقد حملتُ القلم عدة مرات لأخطَّ كلمةً أو حرفا، غير أنَّ الكتابة لا تواتي المرء دومًا؛ فمن الصدمات ما يحجّر الأنامل، ويجمّد الألسن، ويحنّط العقول، ويصلّب القلوب… إلى حينٍ.
وصدق رسولنا الكريم المعلم، القائل: “إنما الصبر عند الصدمة الأولى”.
ولقد عادت بي الذكرى إلى الصبا، إلى قريب من هذا المكان، يوم انفجرت عبواتٌ أربع للغاز، فتحطم دكان عمنا “سليمان باباعمي” ومات ابنه يومها، وأربعة من المارة سقط عليهم جدار الدكان، ثم سوي الحانوت بالأرض؛ فراح الناس منظَّمين صابرين مقدِمين يزيلون الأنقاض، وفي أقل من يوم تحوَّل المكان ساحةً كأن لم تكن شيئا.
ومن عجيب الأقدار، أنَّ عمنا “سليمان باباعمي” توفي قبل أيامٍ من هذه الحادثة الجديدة، وهو ينيف على المائة، وتوفيت زوجته بعده بيوم أو يومين؛ رحمهما الله برحمته الواسعة.
اليوم، وقد وقع ما وقع؛ وبعد أن انفجرت عبوةُ الغاز، انطلقت النفوس زرافات، وتوزع الناس جماعات، وبسطت الصفوف من محل الانفجار إلى مخرج شاحنات “الردم” (الأنقاض) في ساحة بوجديرة وغيرها… فتفجرت مواهب لا حصر لها لصنع الخير، وفعل البر، وتخفيف المصاب؛ ولا ريب أنَّ الحماية المدنية، وجهات الإغاثة، ومصالح الإدارة، والهيئات الأمنية لم تقصّر في شيء؛ ذلك أنها وجدت مجتمعا مبدعا، وشبابا وأحداثا، وكهولا وشيوخا؛ كلهم يدٌ واحدة، وقلبٌ واحد، وفكرٌ واحد… كأنهم النمل، أو النحل… بل كأنَّ معهم وخلفهم مدد من الملائكة مردفين أو مسوَّمين.
غير بعيدٍ من هذا المكان، كتب قطب الأيمة الشيخ اطفيش (رحمه الله) كتابه البديع “لغز الماء” ونال به وسام الباب العالي، وحاز من خلاله شهرة عالمية مع المقام السامي؛ مما جعلنا نسائل أنفسنا اليومَ:
هل هو انفجار للغاز… أم تفجير للألغاز؟
رحم الله الرضيع الشهيد الوديع… فهو إلى الفردوس مغادر، وإلى رحمة الله مسافر؛ وشفا الله العائلة المصابة كلا باسمه؛ وحفظ الله بلدة، وبلدا، ووطنا، وأمة… تتفجر مكامنُ الخير عندها، كلما أصابها مُصاب جللٌ، ثم لا تستكين؛ فهي بذلك تعرف نفسَها، وتعرف من يحبها، ومن لا يحبها… بل وقبل ذلك تعرف ربها ودينها، وتكتشف جمال توحيدها وإيمانها؛ وللإمام الشافعي أن يُنشد:
جَزَى اللهُ الشَّدَائِدَ كُلَّ خَيْرٍ***وَإنْ كانت تُغصّصُنِي بِرِيقِي
وَمَا شُكْرِي لهَا حمْدا وَلَكِن***عرفت بها عدوي من صديقي
د. محمد موسى باباعمي
ذو الحجة 1444هـ/جويلية 2023م



