من وحي القلمواحة المعرفة

مزاب: مدينةٌ.. ضاعت مفاتيحها وسط السّخام

أجل.. من ينكر بعد كلّ ما حصل أنّ لدينا مدينة منكوبة تعيش محنة كبيرة، لكنها حقًّا سيّدةُ نفسها، حقًّا لدينا شعب مكلوم لكنّه بكرامته، وأزمة ألمت بنا أكلت كلّ شيء لكنّها أبقت لنا ما هو أغلى من كلّ شيء… فلا تحمدي ربّك على المذلّة والعبوديّة، واسألي الله العافية يا أرض مزاب…

انظري فالحيّ فيكِ مدينة، ومدنكِ إن قامت قيامتها، فأيّ يد شر سيردعها؟ أيّ مخربين سيتبعثرون في اتّساعها؟؟ أيّة أداة قمع ستكفيها؟؟ فكّري بعقل ولو لمرّة، ستعلمين أن الأمر باستطاعتك مهما كانت القبضة قويّة.. ومهما كان العدو جبارا. .فأنت مدينة تعدل دولة، مدينة قادرة على حماية كل المدن، ونصرتها، ودعمها… ألست أنت من أنقذت الجزائر من شرّ مستطير ومازال بيدك أن تنقذيها.. لكنّهم لا يريدون ..!!

أنت مدينة باتت تُباهي بأبطال قلّة، طوتهم سجون التّعذيب، وأرهقتهم المعتقلات والتحقيقات وعيون الرّقباء التي باتوا مادتها الرئيسية، لأنهم قلة.. لأن أولئك لا يريدون لهم ولا لنا الخلاص سريعاً… فلا تنكري هذه الحقيقة!!

شباب الإغاثة يتبعثرون كالعادة في كلّ مكان.. الفتيات يتحركن بصمت وفاعليّة، نعم قلت الفتيات كنّ فعلا حاضرات وتجنّدن في جيش العسرة.. سعادتي من الأعماق حين يكون بامكاننا أن نساهم ولو بالتنفيس والسؤال عن العائلات وزيارتها وأخريات يشاركن بمتابعة حالتهم النفسيّة… بينما الجنازات والشّهداء يرسمون ملامح مدينة جديدة حدودها باتت باللون الأحمر، ليس على الخريطة فقط بل على أرض الواقع، رسمتها دماء الشّهادة… وجهُ شابٍ كالوردة يبتسم على ورقة النّعي… ويتيمُ باسم الثّغر رغم فقد أبيه.. خبرٌ يتصدر صفحات أخبارك عن جرحى في مشفاكِ… وجثث أخرى تسلم من نيران التعذيب… بيوتات تهجّر وترحّل بأكملها تحت التهديد والوعيد، وفي أخرى حرق ونهب، بيوتات أخرى تُهاجم هنا، وأخرى تُحاصر هناك، والقصورُ مقالع الحضارة تُهدد بالاغتيال والهدم والتخريب…!!

إنّك المدينة التي أدمنّا البقاء فيها دون خوف… أدمنا هواءها وسماءها.. هذه المدينة التي تمتصّنا امتصاصا كلما ابتعدنا عنها لسفر اخترناه مضطرين، وكأنّنا نخون العهد حين نختار هجر المهد، إلا أنّنا نفشل في الصّمود فنختار العودة إلى واديها راغمين.. مهما كان عنّا بعيدًا “تماما كما يرجع سمك السلمون إلى منبع الماء الذي ولد فيه”.. كما قال عنك كلود بافار يومًا ما..

ها هي حروفي التي أكتبها وأنا أسمع صفارات الإغاثة الآن بل وفي كل يوم قرب باب داري… لأشاركهم اللحظة… لأداوي بعض أشواقي بهتاف الحق في الحياة الكريمة التي نريدها..

أيّا كانت أحوال مدينتي، يبقى الأحرار الذين ولدوا وتربّوا فيها هم زينتها، هم أبرز معالمها… فعلا فقد احترق وخُرّب ودُمرّ كل شيء… لكن يبقى الانسان… ذلك الجوهر الغالي والنّفيس… وتبقى أخلاق وقيم شعب لازال يقاوم ليعيش.. ولتعيش قيمه

عفوًا مزاب…..إن نحن أضعنا مفاتيحك وسط السخام فقد عانيت يومًا ما لتسلّمينا إياها حتى بنينا بها حضارة، وهكذا سنفعل فلا تشكّكي ذرة في وعد الله فيك.. لأنّنا بإذنه سنفعل!

يخلدُ الشعب العظيم، واللعناتُ تطارد الظّالم إلى حيثُ قبره..

بقلم: عائشة نجار

مقالات ذات صلة

‫4 تعليقات

  1. الله أكبر كبيرا الله أكبر.. كلمات مدوية تهز النفوس، تقوي العزائم وترفع الهمم عاليا.. قرأتها بإلقاء ثوري جهوري ينتفض فلمست فيها صدق الكلمات ورفعة الأسلوب، وروحا صادقة قوية جلية لكاتبتها. تستحق الطبع والنشر … والإخراج

  2. منذ زمن طويل لم اقرأ شيئا كهذا.. تظل المحنة ذاتها علينا صعبة إذا لم نغذيها بمثل هذا الأمل !

  3. بارك الله فيك وفي كلماتك التي أعادت الحياة فينا .. تحية لك يا ابنة أبيها، الصحفي البطل الحاج داود نجار … المرابطون في سبيل الحق ..حقا فذلك الشبل من ذاك الأسد

اترك رداً على Bakir Bousnane إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى