من وحي القلمواحة المعرفة

ولا يكون إلا ما أريد…

يحكى أن بحَّارا عصفت به الريح في عرض البحر وألقت به وبسفينته على شاطئ جزيرة قصيَّة خالية من مظاهر الحياة… سُقِط في يد البحَّار ولم يعرف إلى النجاة من محنته هذه إلا أن يستسلم لمصيره، ويستكين إلى مآله، فلا زورق يقلُّه، ولا روح تنصت لبكائه وتتأثر لأنينه. من أمامه يرتمي اليمُّ ومن خلفه يسكُن المجهول…

تعاقَب الليل والنهار وتوالت الأيام، والبحَّار المسكين لايزال على حاله هائما، حائرا، يفكِّر في اللاشيء، وفي كل شيء، يتمزق قلبه قطعا كلما حاصره السؤال عن عائلته وعن أولاده المساكين الذين يُتِّموا وأبوهم لازال حيا يرزق… ما العمل وهو في نظر العالمين في عداد الموتى…

حاول البحَّار أن يُبقي على الحياة تدب في أحشائه، فما عرف للأكل والشرب سبيلا إلا ما تبقى من مؤونة السفينة المترامي حطامها على الشاطئ، ومن خشاش الأرض هنا وهناك ما يسد به رمقه.

بنى البحَّار لنفسه من ورق وأغصان الشجر مأوى يصرفه عن أهوال العواصف ويعصمه من لفيح الشمس وحرِّها، فكان مؤنِسه الوحيد الذي يلوذ إليه ليحس بالأمان في مكان غابت فيه معالم الإنسان وانعدمت فيه أسباب الحياة، فغدا حيا ميتا في آن.

في إحدى الليالي الباردة حاول البحار أن يشعل نارا ليستدفئ بها، فما عاد جسمه النحيل المنهَك بهمِّ مصيبته يتحمَّل لسعات البرد… وبعد عدة محاولات نجح في إضرام نار لطيفة، توثّب لها قلبه فرحا وسرورا، ولمعت عيناه الغائرتان فخرا وحبورا، لكن، هيهات فسرعان ما تحولت تلك النار الدافئة إلى حريق مهول أتى على بيته الصغير بالكامل وتركه وحيدا باكيا يصارع البرد وأهوال الظلام… في تلك اللحظات نظر إلى السماء نظرة ممتزجة باليأس والقنوط، وقال ببؤس شديد: “يارب ها قد انتهى كل شيء، وحتى البيت الصغير الذي كان مأواي من فتك الوحوش و عزائي عن غربة الأيام قد أُحرِق، يارب ماذا فعلت كي أستحق كل هذا، ماذا فعلت… لم يكد ينهي عباراته ويفرغ من نحيبه حتى سقط على الأرض مغشيًّا عليه من فرط الإعياء والمرض.

استفاق الرجل المسكين على وقع صفعات خفيفة على وجهه، فإذا برَجلين فوق رأسه يحاولان إيقاظه، وباخرة عظيمة جاثمة على مقربة من الشاطئ، نظر البحَّار في وجه منقذيه غير مصدّق بأنه قد عاد من حافة الموت، فقد ظن أنه فقد كل شيء في الحياة، فقال لصاحبيه بصوت مثقل أنهكه الهمّ: “بالله عليكم كيف عرفتم مكاني” أجاباه: “لقد شاهدنا في الليلة الماضية من بعيد نارا مشتعلة، فعلمنا بأنها إشارة نجدة، لأننا على علم بأن هذه الجزيرة غير آهلة بالحياة… وقبل أن يتمَّا كلامهما رفع البحَّار رأسه إلى كبد السماء وأجهش بالبكاء قائلا: “يارب سامحني… يارب سامحني فقد أسأت الظنَّ بك، وتوهَّمت بأن إرادتي أفضل من إرادتك، يارب غفرانك، يارب لك أسلمت أمري، لا إله إلا أنت إني كنت من الظالمين…”.

حياة الإنسان وما يعتريها من محنٍ وإحن هي في جوهرها لا تخرج عن إرادة الله المقرِّر، المريد، العليم بشؤون عباده، وما تصاريف الزمان وتقلبات الدهر إلا وسائل لتحقيق تلك الإرادة الإلهية، وممحِّصات لإيمان الفرد وثباته أوان الهزات والفواجع، والإسلام بهذا المعنى هو استسلام لأمر الله عند اشتداد النوائب، وحين تنزُّل الألطاف، فالمسلم مع اتخاذه لأسباب الحياة، ومكابدته في تتبع مسالك الخير، مدرك بأن إرادته جزئية منطوية تحت إرادة الله المطلقة، وأن تدبيره مهما بلغ من حكمة، فهو قاصر عن إدراك التدبير الإلهي لأمور الكون وشؤون الحياة، يقول سبحانه وتعالى في الحديث القدسي: “عبدي تريد وأريد ولا يكون إلا ما أريد”.

بهذا المنطق الرباني تستحيل الأزمات مخاضا يتولد عنها عهد جديد، وتصير الليالي المدلهمة إيذانا لفجر وليد. فبالتسليم لله يتجاوز الإنسان الحياة المأساوية التي لا حل لها و لا معنى*، قال تعالى: {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون} أي سلَّمنا كل أمرنا له جل وعلا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* الإسلام بين الشرق والغرب، علي عزت بيجوفيتش.

محمد باحريز

المصدر: فييكوس نت

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى