غزّة تقاوم…هل من سند دائم؟؟!!

عندما شاهدت ما فعله أهل غزّة بإسرائيل، فئة صغيرة غلبت فئة كبيرة بإذن الله. وعندما رأيت الرّعب والهلع والفزع والرّوع الذي أصاب الصّهاينة، كبيرَهم وصغيرَهم، مدنيَّهم وعسكريَّهم، رجالَهم ونساءَهم، تذّكرت قول الله عزّ وجلّ في أسلافهم، وهم الأخلاف في هذا، ولا خلاف بين ماض وحاضر، وبين سابق ولاحق، والآتي أشدّ وأقسى – إن شاء الله – }لأنتمُ أشدُّ رَهبةً في صدُورِهِمْ من الله ذلك بأّنّهم قَوْمٌ لا يفْقَهُونَ لا يقاتلونكُمْ إلاّ في قرًى محصّنة أو منْ وراء جُدُرٍ بأْسُهُمْ بينَهُم شديدٌ تَحْسِبُهُمْ جميعًا وقُلُوبُهُمْ شتَّى ذلك بأّنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُون{ (الحشر/ 13، 14)
عندما نظرت في صمود أهل غزّة، قليلي العدد والعُدد والمدد، أمام جيش عرمرم، مُدْعَمٍ بهالة إعلاميّة، أنّه من أكبر الحيوش العالميّة كثرةَ أسلحة، وأشدّها بأسًا وفتكًا، وأحصنها من الضّربات التي تأتيه من قريب أو بعيد، وأنّه جيش لا يهزم ولا يقهر، وأنّه يفعل ما يشاء ولا ينهر..هو جيش مدجّج بآلات حربيّة متطوّرة، ومزوّد بخطط حربيّة وإجراميّة لا تعدّ، لا تصدّ ولا تردّ. كلّ التّحديّات له لا تجدي، كلّ المحاولات لكسر شوكته لا تغني . لمّا قارنت بين ما تختزنه ذاكرتي من هذا الادّعاء وهذا الاعتداد في صفّ شعب الله المختار, وبين ما يحصل في الميدان من شعب فلسطين المقهور، عرفت أنّ الإيمان بنصر الله مقوّم أساس للمقاومة، وأدركت أنّ الاعتراف بنبل القضيّة وشرعيّتها وقود رئيس للمنازلة. وفهمت أنّ الإرادة قيمة جوهريّة للمرابطة. ووعيت أنّ الثّبات ركن ركين في المجاهدة. وفقهت أنّ الثّقة بالنّفس أسّ متين الممادَّة…
هذه القيم وهذه الرّوح، هي التي هزمت العدوّ وقهرت العتوّ، وأنزلته من علوّ، وقاومت الاستعلاء، وكسرت الكبريّاء، وفضحت الادّعاء. هي التي وفّقت المقاومة الفلسطينيّة أن تلقّن الاستبداد الإسرائيلي دروسًا في عدم الاسنخفاف بالحقوق، وعدم الاستهانة بالشّعوب. وقد صدق في الشّعب الذي تركه أشقّاؤه للشقّاء، وأسلمه ذوو قرباه للعناء، بل تقدّموا به قربانًا للأعداء، وفتحوا عليه كلّ باب للاعتداء.. صدق فيه قول الشّاعر ابن الرّومي:
لا تَحْقِرَنَّ منَ الصّغيرِ سَطْوتَـــــــهُ ***** إِنَّ البَعوضَةَ تُدْمي مُقْلَةَ الأسَد
إسرائيل لست أسدًا أبدًا، هي هرٌّ تحكي انتفاخًا وادّعاء صولته؛ لترهب العالم، وفلسطين لست صغيرة أبدًا، إلاّ في عتادها وعدّتها الماديّة، وفي خذلان بني عمومتها لها، هي كبيرة في إيمانها وإرادتها وقوّتها المعنويّة، ومن هذه الشّيم جاء الشّمم، ومن هذا الكِبريّاءِ جاء الإباء.
في غمرة كلّ ما يحدث في أرض المعركة، وما أحرزه المجاهدون المخلصون من نصر مبين بعون من الله وتوفيقه وتأييده…تذّكرت ما قاله جاحظ زمانه: الشّيخ محمد البشير الإبر اهيمي سنة1948، وهو يضع العرب في ميزان الأقويّاء، ويعلن عن قيمة الصّهاينة.. أنتجت له هذه الموازنة، وأفرزت حقيقة: وهي أنّ تقسيم فلسطين حقٌّ مشروع، وانحياز الغرب إلى إسرائل امر منطقي!! لماذا لأنّ الأقويّاء: “…وازنوا بين ما نملك من قوى ماديّة، نستطيع بها الممادّة في الجهاد، وبين ما يملك الصّهيونيّون من ذلك، ودرسوا وقارنوا واستنتجوا واستخدموا الجمع والطّرح، فأنتجت لهم المقدّمات هذه الحقائق، وهي أنّنا لا نملك مصنعًا للسّلاح، ولا معملاً للكيمياء، ولا رجالاً فنّيّين، كالذي يملكه اليهود من كلّ ذلك، وأنّ ثلاثين سنة مرّت – وكلّها نذر بهذه العاقبة – لم توقظنا من غفلتنا، ولم تدفَعْنا إلى الاستعداد لها، فقالوا: نقسّمها ونربح اليهود؛ لأنّ لنا فيهم فائدة معجّلة، ولا نخشى من العرب؛ لأنّه ليس فيهم مضرّة مؤجّلة.” (من مقال، عنوانه: ” العرب واليهود في ميزان الأقويّاء”، جريدة البصائر الثّانية، عدد: 22 (29/02/1948).
قسّمت فلسطين بهذا الميزان، فانقسمنا على أنفسنا، وتقاسمنا الأدوار في إهانتها وتحطيمها، والتّخلّص منها. لكنّ إرادة سرايا القسّام أقسمت لتهلكنّ الظّالمين، ولتحطمنّ قوّة المستبدّين، ولتحرجنّ العرب والمسلمين جميعًا، حتّى يُفيقوا من غفوتهم، وينهضوا من كبوتهم، ويخرجوا من غفلتهم. للاىتصار لقضيّتهم الجوهريّة، قضيّة فلسطين، التي من دون الظّفر بها والنّصر على العدو المستبدّ لن تقوم لهم قائمة.
شكرًا لصواريخ القسّام، وسقيًا لجهاد سرايا القسّام، وطوبى لرجال القسّام..لقد حقّقوا ما طلبه شيخنا محمد البشير الإبراهميي قبل أكثر من ستّين سنة، فتكوّنوا واستعدّوا وأعدّوا ما أرهبوا به عدوّ الله وعدوّ الإنسانيّة، وجبروا ما كان ناقصًا في الإعداد لإرهاب العدوّ، واستدركوا ما فات من الاستعداد لاسترجاع الحقّ المغصوب..فدكّوا بعلمهم واختراعاتهم وبمعامل الكيمياء البسيطة، وبرجالهم الفنّيّين القلائل..حصون العدوّ، وقذفوا صياصيه بصواريخ مهلكة. وحاصروه في عقر داره جوًّا وبرَّا، وأذلّوه في الآرض: ضربًا وقتلاً وأسرًا.
هكذا يصنع الإيمان، هكذا تفعل الإرادة، هكذا يفلح العلم، هكذا ينتج التّضامن..بهذا يرهب العدوّ، بهذا يندحر العتوّ، بهذا ينحرج القريب، بهذا يفهم اللّبيب. فإلى اتّحاد يرصّ الصّفوف، وإلى تعاون يعيد الحقّ إلى أهله، وإلى تضامن ينهي الوجود الصّيهوني في أرض فلسطين. دعمًا لهذه الدّعوة نثبت فقرة من مقال لشيخ الصّحافة الجزائريّة الشّيخ إبراهيم أبي اليقظان، عنوانه:” من الفرقة والخصام إلى الألفة والوئام”، اسنبشر فيه خيرًا باتّفاق الأحزاب في فلسطين لاتّقاء أخطار المستقبل.: “…حقًّا يجدر بكم وبأمثالكم من الزّعماء، والرّؤساء، والعلماء، وأعيان البلاد أن تأووا إلى ركن من الاتّحاد والوئام شديد، فإنّ الأمر جدّ وليس بالهزل، إذ السّاعة رهيبة، واليوم يوم عبوس قمطرير، فلا ينفع فيه مال ولا بنون، إلاّ من أتاه بقلوب متآلفة، ونفوس متلاحمة، وأفكار متمازجة، وأيدٍ متصافحة، وصفوف متراصّة..”(جريدة الأمّة، العدد: 47، (22/10/1935).
نصر الله المقاومة، وجعل صفوفنا متراصّة، وقلوبنا متآلفة، وعلومنا متطوّرة، وخططنا محكمة، وتوكّلنا على الله كبيرًا، وثقتنا بأنفسنا عاليّة، ويقيننا بنصر الله قويًّا. وكان حقًّا علينا نصر المؤمنين. واهو القائل في محكم كتابه: “وقضَينَا إلى بنِي إسرائيل في الكتابِ لَتُفْسِدَنَّ في الاَرْضِ مرَّتينِ ولتَعْلُّنَّ عُلُوًّا كبيرًا فَإِذَا جاءَ وَعْدُ أولاهُماَ بعَثْنَا عليْكُم عِبادًا لنا أولِي بَأْسٍ شديدٍ فَجاسُوا خلالَ الدِّيارِ وكان وَعْدًا مفعولاً” (الإسراء/5،4)
اللهمّ نصرَك ووعدَك، اللّهم! هؤلاء رجال القسّام يجوسون خلال الدّيّار، ومعهم مجاهدون مخلصون بأنفسهم وأموالهم، وكان وعدًا مفعولاً. فكن لهم نعم المولى ونعم النّصير!!
الجزائر يوم: 26 من رمضان 1435هـ
24 من جويليّة 2014م
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام



