Charlie Hebdo / ولسوف تُسألون؟

“أدين عملية القتل في شارلي إيبدو، ولستُ شارلي إيبدو”: هذا هو الموقف الصريح الذي أعلنه طارق رمضان، والذي نتبناه من خلال المنظومة؛ وهو موقف يلج إلى عمق الحدث والحيثيات، ولا يرفرف في سماء الوقائع والمعلومات.
بدايةً، ندين كلَّ اغتيال أو قتل بغير حقٍّ، مهما كان مصدره، ومهما كانت مبرراته؛ وليس ثمة أيُّ دين يرفع من شأن النفس البشرية من الإسلام: “مَن قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا”؛ وحاجتُنا اليوم إلى صناعة الحياة أوكدُ من حاجتنا لصناعة الموت. ثم إنَّ القصاص ليس من مهمَّة الأفراد والجماعات، وإلاَّ تحوَّلت البلاد إلى غابة بها حيواناتٌ فتَّاكة شرسة.
كذلك، ندين أيَّ سبٍّ وتنقيص لأيِّ مقدَّس، من أيِّ ديانة أو حتى فكرةٍ كانت، إذ لم نُتعبَّد بالسبٍّ كما هو مقرَّر في شريعتنا؛ وفي كلام ربنا أمرٌ بيِّن هو: “ولا تسبُّوا الذين يدعون من دون الله فيسبُّوا الله بغير علم”؛ ومن ثمَّ نرفض كلَّ سبٍّ وتهكُّم وتنقيص بمقدَّساتنا: ربِّنا، أو قرآننا، أو نبينا، أو ديننا… وبالتالي فإننا نواجه بكلِّ طاقتنا، وبكلِّ السبل المشروعة، أيَّ فعل من مثل فعل “شارل إيبدو” مع نبيِّنا الكريم، ومع أيِّ مقدَّس آخر، من ديانات السماء.
كذلك، نرفضُ أن يُحمَّل الإسلام، أو تحمَّل الجزائر جريرةَ فشل فرنسا؛ والشباب المذكورون هم “ثمرة ونتيجة” للنظام التربويِّ الفرنسيِّ، الذي لم يستطع أن يُعِدَّ شبابا ملتزماً بقيم التسامح والتعايش في بلده “فرنسا”؛ ثم إنه من خلال القوانين والسياسات، بتوظيف الإعلام المأجور، شحنه بكلِّ أنواع الحقد والتحقير، وقال له بعد ذلك: “كن حَملا وديعا، وكن إنسانا هادئا”. ومِن سخرية الواقع أنه إذا تألق شابٌّ جزائري – في الرياضة مثلا – تحرص فرنسا على نسبته إليها، وتعتبره ابنا لها من دون الجزائر؛ وإذا ما فشل رمته كالجرب إلى بلده الأصل.
تالله إنَّ هذا استخفاف بالناس وبالعقول، ووالله إنَّ ما وقع اليوم مؤذن بالكثير مما لا مفرَّ منه غداً: فإمَّا أن تتقبَّل فرنسا أبناءها المهاجرين، بل المولودين في أرضها، وتعمل على الرقيِّ بهم كمواطنين كاملي الحقوق، وإمَّا أن تواصل في روحها اليمينية المتطرفة، وتزجَّ بهم شاءت أم أبت في خيارات قد لا يكون لها القدرة في التحكم فيها.
ثم إننا لا نلغي العلاقة بين ما وقع في فرنسا، وما يقع في سورية والعراق وليبيا والساحل… وغيرها، مما للمخابرات الغربية والشرقية يدٌ فيه، وللضعف الشرقيِّ مسؤولية أولى عليه؛ فأنت إذا شحذت السكين لتقتل غيرك، قد يتحوَّل إليك فيقتلك. والتلاعب بمصير الناس بدم بارد مما تأنفه القلوب العزيزة والعقول الفحلة.
ولا ريب أنَّ أهمَّ عملين لازمين واجبين تعيَّن علينا الاستعجال بهما:
- أولا- في التربية والتعليم: نعتبر كلَّ تلميذ “إمكانا مستقبليا”، فإمَّا أن يصلح أو يفسد، وإمَّا أن يكون خيِّرا أو شريرا، نافعا أو ضارا؛ والطفل أثر من آثارنا، وبعضٌ مما عملت أيدينا؛ فعوض أن نخوض في معالجة المعلومات والأخبار بعاطفة، لزم أن نحرص على ما نملك أسبابه، ونستعجل تربية من بأيدينا من أبناء وتلاميذ وجيل قادم. ولم تفد سياسة النعام نعامةً، فكيف تفيد بشراً؟
- ثانيا- في المستوى المعرفي: مِن المقرَّر أنَّ “البحث والدراسة”، وأنَّ “مراكز الأبحاث والدراسات” ستمكِّننا من وضع الاستراتيجيات بناءً على معطيات صادقة، وإلاَّ كان ما نأتي به مجرَّد تخمين وضربات لازب؛ وبناءُ مراكز بحوث حول “المغرب الإسلامي”، و”علاقة الإسلام بالغرب”، و”إشكالية الهجرة والتربية”، و”فقه الأزمة”… وما يمتُّ إلى هذه الظواهر البحثية بصلة، كلُّ هذا لنا فيه إمكان، وهو متيسِّر وذو ثمرة طيبة أكيدة. وإلاَّ تركنا المجال بيد مراكز عالمية يعمل بها “مرتزقة” من أبنائنا، أو “خبراء” ممن يكيد لنا، وتجرَّعْنا الويلات من قِبلها ومن قِبلهم، من حيث لا ندري، أو من حيث ندري.
“لكلِّ نبأ مستقرٌّ”، و”لكلّ أجل كتاب”، وسوف تخمُد القضية، ويبرُد الخبر، وتعود الأمور إلى سالف عهدها؛ غير أنها لن تخلِّف سوى بقايا مما “ينفع الناس” أو مما “يضرُّ بالناس”؛ مثل نهر مرَّ من هنا، فترك علاماته ظاهرة فيما أصلح وفيما أفسد؛ أو مثل شمس محرقة زالت من كبد السماء، وقد خلفت حياة في هذه الجهة، وأورثت دمارا واحتراقا في تلك الجهة من العالم.
ها قد مرَّ نهر الزمن، وحلَّ ليلُ العصر، ولا نسمع إلاَّ صرخات من هنا وهنالك: وهي إمَّا للحياة والإحياء، وإمَّا للموات والإماتة “ولسوف تُسألون”.
————————————————————————————————–
Tariq Ramadan: :”Je condamne les attentats, mais je ne suis pas Charlie”
د.محمد باباعمي
المصدر: فييكوس.نت



