رائد علم الطيران والفضاء البروفيسور صالح بوكراع في ذمة الله

برحيل العالم الجزائري الكبير البروفيسور بوكراع صالح بن محمد، تطوي الجزائر صفحة مشرقة من صفحات نُخبتها العلمية الصامتة، التي رفعت راية الوطن عاليًا في المحافل الأكاديمية الدولية، ونسجت مسيرة علمية قلّ نظيرها في مجالات دقيقة كـالرياضيات، الفيزياء، وتكنولوجيا الطيران والفضاء.
ففي صبيحة يوم الخميس 12 جوان 2025م ، فقدت ولاية غرداية، ومدينة بريان، أحد أبنائها البررة، وودعت الأسرة الجامعية في الجزائر والعالم قامة علمية شامخة، عاشت للعلم، وماتت على دربه.
وُلد الفقيد سنة 1958، وفي سن مبكرة، بزغ نجمه حين نال المرتبة الأولى وطنيا في شهادة البكالوريا عام 1977، تكريمًا له منحه الرئيس الراحل هواري بومدين وسام التميز بنفسه، في لحظة مفصلية رسمت معالم مسار علمي استثنائي.
بعدها، توجّه الشاب النابغة بمنحة دراسية إلى الخارج، ثم عاد ليواصل دراسته الجامعية في جامعة هواري بومدين للعلوم والتكنولوجيا بباب الزوار، حيث نال دكتوراه في الرياضيات، وأخرى في الفيزياء، محققًا بذلك إنجازًا فريداً في الجمع بين تخصصين يُعدان من أصعب المسارات الأكاديمية.
لم يكن عالِمًا نظريًا فقط، بل أستاذًا ممارسًا وباحثًا ومحاضرًا في الجزائر وأوروبا، ومديرًا وعميدًا لكلية الطيران بجامعة سعد دحلب بالبليدة، حيث كوّن أجيالًا من المهندسين والدكاترة، وأسهم في بناء صرح التعليم العالي بمنهج علمي صادق، وبتواضع العلماء الحقيقيين.
ألف البروفيسور صالح كتبًا مرجعية في تخصصه، وظل مرجعًا علميًا مهابًا لدى زملائه وطلابه، إلى أن تُوّج مؤخرًا بمرتبة “أستاذ مميّز” بجامعة سعد دحلب 01 بالبليدة (معهد الطيران والدراسات الفضائية)، وهي أعلى درجة في هرم التعليم العالي والبحث العلمي بالجزائر، لا ينالها إلا من كرّس علمه لخدمة الوطن والجامعة والإنسان.
ينحدر الفقيد من أسرة علمية عريقة، إذ يُعد أخًا لكل من د. عمر بوكراع: أستاذ جامعي بجامعة قاصدي مرباح – ورڨلة، ود. فافة بوكراع عميدة كلية الفيزياء بجامعة هواري بومدين، وأ. خديجة بوكراع أستاذة رياضيات بثانوية الشهيد باسليمان سابقًا، وقد شكّل هذا المحيط العلمي بيئة خصبة لنشأته، فكانت قيم التفوق، والانضباط، وخدمة العلم هي البوصلة التي وجهت حياته.
وإننا، إذ نُعزّي أنفسنا بهذا المصاب الجلل، نرفع تعازينا إلى عائلته الكريمة، إلى زملائه وطلابه، إلى كل من عرفه عن قرب، وإلى الأمة الجزائرية التي فقدت برحيله واحدًا من رجالها المخلصين، وعلمًا من أعلامها الذين آثروا العمل على الأضواء، والبناء على الشهرة.
أقيمت جنازته اليوم الخميس بعد صلاة العصر بمقبرة العالية.
رحم الله الفقيد وأسكنه فسيح جناته، وألحقه بالصالحين من عباده، وجعل ما قدّمه في ميزان حسناته.
إنا لله وإنا إليه راجعون.



