من وحي القلمواحة المعرفة

حياتنا والقابلية للصدق.. كرة القدم نموذجا

علمتنا الحياة أن الفكر بلا فعل ادعاء وأن الفعل بلا فكر هو خبط عشواء. فالواحد مكمل للآخر في سياقه الزماني والمكاني قد يغلب أحدهما الآخر، لكن لا يمكن أن يفترقا. والانسان متقلب بينهما على حسب مستوى إدراكه وإمكاناته، والواقع يمحص ويفرك والانسان فيه يأتي من الأمر ما يريد ويترك، فهو كذلك في يومياته في مكتبه وملعبه في متجره ومسجده، في كل زاوية من زوايا حياته. ولعل من بين ما يفرك حقيقة معدن الإنسان إن كان من المهتمين بالرياضة هو كرة القدم كمثال.

فالمهتم بهذه الرياضة وخاصة الممارس لها يعيش وتيرة متسارعة من التفاصيل تجعله قد يتخلى عن فكرة كان يدافع عنها قبل دخوله هذا المربع المزدوج. فهي رياضة كل ثانية فيها هي ترسيخ لمبدأ أو فكرة أو تفنيد لهما إن لم يكونا يمدان بخيط إلى قلب وعقل هذا الممارس.

فتقفز إلى الذهن أسئلة تحتاج إلى صدق وجرأة للإجابة عليها من مثل:

  • هل يمكن أن يعترف اللاعب بخطأ اقترفه ولم يعلن عنه الحكم؟ أو أن يبين الحقيقة إن أخطأ الحكم في التقدير ولو كانت لصالحه؟
  • هل يحق للاعب أن يغالط الحكم بالتمويه والتمثيل ليحصل على منحة ليست من حقه من باب أن اللعبة تسمح بذلك؟
  • هل يحق للاعب أن يرتكب خطأ إنسانيا ضد خصمه في غياب رقابة الحكم من باب منطق اللعبة؟

هنا ستبرز الرؤية الكونية لهذا اللاعب فإن كان يرى أن الغاية تبرر الوسيلة وأنه لا توجد رقابة علوية، فسيصبح كل ما لا يقع تحت سيطرة الإنسان فعلا مباحا على اعتبار أن القانون البشري هو المرجعية النهائية، وتم التحايل عليه وتجازوه. لكن ما نتعجب منه هو تصرف الإنسان المسلم الذي يحفظ الحديث “من غش فليس منا ومع ذلك يسمح لنفسه بالعبث والغش لأنه يرى أن هذه الأحكام تطبق في ما حول المسجد وكفى، أليس في هذا علمنة للدين؟

قد يتصور قارئ أن في هذا مغالاة وتطرفا، لأن الدين لم يأمرنا بكل هذا، لأن اللعبة حديثة النشأة، وقوانين اللعبة نفسها تسمح بذلك. هنا نقول أنه علينا تحديد معيار التقييم: هل هو الإنسان بمنظومته المادية أم خالق الإنسان بمكانته العلوية المتجاوزة لحدود الزمان والمكان؟؟

هذه الأسئلة نموذج لأمثلة كثيرة جزئية في حياتنا، نتجاوزها لأننا نستهين بمضاعفاتها، أو لأننا فقدنا القابلية للصدق* ، لأننا لو فعلنا سنسير عكس نفسياتنا التي استساغت الإجابات الجاهزة بدل طرح الأسئلة، فتعلمنا ترداد كلمات من مثل: الغاية تبرر الوسيلة.. الخ

أخي العزيز، أختي الكريمة –بنية العمل- علينا أن نصحب معنا ما نؤمن به من أفكار في كل مكان فنتمثلها فعلا وقولا، وفي هذا يقول هوستن سميث في كتابه: لماذا الدين ضرورة حتمية: “لدى عودتي إلى أمريكا، لأجل الدراسة الجامعية، حملت ذلك الإيمان الراسخ معي، فصارت حياتي الباقية كلها كفاحا متواصلا لأجل الحفاظ على ذلك الإيمان سليما لم يُمسّ في مواجهة رياح الحداثة والعصرنة التي كانت تهاجمه بعنف”–هوستن سميث: لماذا الدين ضرورة حتمية، ص: 7-، فهذا الإنسان وصل أولا إلى درجة الرسوخ (أو لنقل استأنس ووثق في رسالة الإيمان التي يتنفسها) وعاش بها حياته سلوكا وتفاعلا في الواقع.

———————————————————————–

* تعرّف المنظومة القابلية للصدق: هو الإفصاح عن المعايير والمبادئ التي يستند عليها الإنسان ثم محاولة تطبيقها في الواقع وعدم القيام بما يناقضها.

جابر ناصر بوحجام

المصدر: فييكوس نت

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى