صحافة أبي اليقظانواحة المعرفة

شعور الأمة نائم، فماذا ينبهه؟

طال الأمد على بعض الأمم الإسلامية المسكينة فأخمد إحساسها وأنام شعورها وسكن أعصابها حتى ذهلت عن نفسها وضل عليها طريق العمل.

نهضت الأمم من كبواتها ونفضت الغبار عنها وسارت خطوات شاسعة إلى الأمام، وهي تغط في فراش نومها.

زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت أثقالها فهزت العالم هزا عنيفا، وارتج ارتجاجا مخيفا، واضطرب الشرق والغرب والشمال والجنوب، وبقيت هي تتثاءب وتتمطى كأنما لم ينلها ذلك الانقلاب المهول بذرة منه، مع أنها لم تكن في النقطة المركزية من الأرض تحت القطب الشمالي أو الجنوبي، ولكن موقعها كان في المنطقة المعتدلة الشمالية.

صفعت على قفاها من يد الدهر بلطمات، وأصيبت في أعز ما لديها بنكبات، أصيبت في دينها، أصيبت في بلادها، أصيبت في أبنائها، أصيبت في أخلاقها، أصيبت في ثرواتها، وهي لا تبدى حراكا، وإذا تصاعدت منها أنة فسرعان ما يبكم فمها ويخنق نفسها، وربما تحمل على اعتبار تلك المصائب نعما جزيلة يجب عليها أن تقدم شكرها وشواهد إخلاصها عليها، وكأن الدهر تحالف مع أبنائه عليها، حتى على حرمانها من الشجو والبكاء، وخزتها من جميع جوانبها وخزات مسمومة من أيدي أعدائها فتحمل عليها حملاتها المنكرة بالسب والشتم والطعن وسائر الإهانات وأنواع التحقير، يرسل عليها أصدقاؤها المخلصون على أعمدة جرائدهم الصادقة سيالات كهربائية من اللوم والتقريع عسى أن تستفيق من نومها العميق وهي لم تزل غريقة في ضلالها وجهالتها، وهل بعد هذا الوراء وراء؟ وهل بعد هذا الموت موت؟ بربك قل لي أي قارعة تبعثها بعد كل هذه القوارع؟ وأي بوق ينبهها من نومها العميق بعد تلك الأبواق الهائلة التي لا يفوقها إلا بوق إسرافيل عليه السلام؟

وإنما ينبه شعور الأمة:

أولا: المدارس فهي تمزق غشاء النوم وتحل معاقد أجفانها وتنبهها إلى واجبها نحو الحياة، وهذا بكل أسف لا وجود لها عندها بالشكل الذي يؤدي إلى الغاية المطلوبة منها، وإذا ما وجد منها بعض فهو ضئيل الفائدة قليل الجدوى لا يسمن ولا يغني.

ثانيا: الجرائد الوطنية الحرة فإنها تنير أمامها سبيل العمل وتأخذ بيدها إلى ما فيه الخير والصلاح، لكن هذه لا وجود لها أيضا إلا قليلا، وهذا لا يكفي أصلا وزيادة على هذا فالأمة في شغل شاغل عما تنشرها تلك الجرائد الصادقة ولا تستفيد منها شيئا إذا لا تهضمها معدتها التي لم تتعودها.

ثالثا: عقد الجمعيات والشركات على اختلاف الأغراض والمشاريع فهي التي تجمع شتات قواتها المختلفة وتكون من مجموعها قوة عتيدة هائلة، وهذه أيضا لا وجود لها لأن نواتها العلم والاتحاد والمال، ولاوجود لهذه لديها.

رابعا: النوادي الأدبية للقاء المحاضرات والمسامرات في مختلف المواضيع لتقويم الأخلاق وحفظ الصحة واللسان، وهذه إنما هي وليدة المدارس وفرع من فروعها وأين تزهر تلك تنبت هذه، وشأن المدارس كما قلنا سابقا.

خامسا: المجامع العلمية لاستخراج نبوغ الأمة وعبقريتها بمسابقة فرسان العلوم والفنون في ميادينها لاستكناه أغوار العلوم وتحقيق معضلات الفنون، والتوصل إلى الاختراع والاكتشاف، وهذه أيضا مفقودة إذ وجودها إنما هو خلاصة من مجموع وجود المدارس، وانتشار عناصر العلوم المختلفة.

سادسا: انتشار الدعاة والمرشدين في كافة البلاد لدعوة الأمة وإرشادها إلى ما فيها خيرها وسعادتها في الدنيا والآخرة، وهؤلاء إنما تلدهم المدارس والكليات الكبرى وتنبعهم منابع البطولة والتضحية، وهذه لاوجود لها.

لقد تسلطت على الأمة عوامل ثلاثة لو تسلط عامل واحد منها على أمة كبيرة لزعزع ركنها وهد بناءها ألا وهو الجهل والفقر والافتراق.

فالجهل أفقدها الشعور، أفقدها الشعور بوجودها وكيف تذب عليه، والفقر أقعدها عن العمل، وشل أعضاءها عن الحركة، والافتراق أذاب قوتها وذهب بريحها، فبقيت والحالة هذه عرضة للتلف والهلاك والاضمحلال، فاستغراقها في ذلك النوم المطبق نتيجة طبيعية لتلك الحالة المحزنة التي كان منشأ بركانها الظلم والاستبداد.

نعم تنبهت أعصابها قليلا فقامت كما يقوم النائم وقد أغرق في الأحلام ذاهلة مذعورة تتلمس الطريق يمنة ويسرة وقد مضى عليها أمد مديد وهي كذلك لم تهتد إلى وجه الصواب شأن كل أمة إبان قيامها من سباتها.

حاولت تأسيس الشركات فأخفقت، وعقد الجمعيات فخابت، وفتح المدارس فلم تفلح، وفتح النوادي ولم تنجح، وإنشاء الصحف ولم تصلح، فضاعت أثناء ذلك أموال وأوقات وذهبت ضحية التجربة والاختبار، وهو دور كان لابد من اجتيازه لكل شعب يريد النهوض من كبوته، وهذه دروس قاسية وإن كانت كافية لأن يرسم منها خطة للحياتين مستقيمة ومنهاجا للسعادتين قويما، ولكن رغم كل تلك الامتحانات والاختبارات والتجارب بتلك الدروس الهائلة فالأمة لا تزال في حيرتها وشعورها بالوجود الحقيقي لا يزال راكدا خامدا لم ينتبه لواجباتها كما يجب.

خطب الخطباء ونصح الشعراء وكتب الكتاب ونادى المصلحون على الإصلاح والإصلاح ولكن لم تزل الأمة في شغل شاغل عن هذا كله، الجاهل في جهله والمنافق في نفاقه، والمفسد في فساده، والفاسق في تهتكه وانهماكه، بل لم نر للجهل إلا إمعانا وتمكنا، ولا للفساد إلا شيوعا وذيوعا ولا للإلحاد والزندقة إلا تسربا وتغلغلا، ولا للتهتك والانهماك إلا فشوا وانتشارا، كأن ما يبذله المصلحون مواد مفرقعه تزيد الحريق التهابا والعمران خرابا، ولا غرو في ذلك فإزاء تلك القوة الإصلاحية الضئيلة حركة أخرى مضادة لها راسخة الأصول متشبعة الفروع تغذيها وتمدها قوة أخرى وسواعد مختلفة لا يمكن التغلب عليها إلا بتوحيد الجهود وجمع ما تشتت من القوى وما بدد من المواهب ولن يتسنى هذا والمصلحون قليل وهم أنفسهم تنقصهم الكفاءة والمران.

إن معالجة أدواء الأمة لا تكون إلا باكتساح تلك الأصول المبيدة: الجهل والفقر والافتراق وغرس بذور الحياة فيها: العلم والثراء والاتحاد، ولن يحصل شيء من هذا بالأماني والأحلام أو مجرد القول وفوار الفم، ولكنه يحصل بتوجيه العزائم وتحريك الهمم وصدق الطلب والإخلاص والصبر والثبات…

مقال من جريدة وادي ميزاب بقلم الشيخ إبراهيم أبو اليقظان، ع: 42، يوم 19 جويلية 1927م

المصدر: موقع الشيخ أبي اليقظان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى