من وحي الأحداث (3)

وفي وسط الصفحة خط العنوان:
ثقافة الإعتذار
إن أحداث اليوم هي تجربة جديدة لنا نضيفها في صفحات مذكراتنا اليومية… وكل كلمة تخطها أناملنا وكل لقطة تشهدها أعيننا وكل همسة تسمعها أذاننا لها ميزان خاص في صفحات تاريخنا… حيث إن تدوين ألفاظها يكون بخط غليظ… ورسم معالمها في لوحة جميلة ومعبرة تكون بريشة الفنان الخبير الذي يختار مكانًا بعيداً عن ميدان الأحداث سعيًا لأن تشمل نظرته كل الزوايا وبعدها يختار الألوان المناسبة التي ستبقى عمرا مديدا ولا يستطيع تقلب الزمان والمكان أن يغيّر نضاراتها ورونقها… لتتشكل في الأخير لوحة نعلقها في غرفة الاستقبال عند كل بيت… أو نجعلها رمزًا في وسام يعلق في صدر كل فرد قد عايش الأحداث…
وفي هذه اللحظات التي لا تنسى سندخل في كل بيت في بلدتنا الحبيبة لنجد شابًا أو أبًا أو أمًّا أو بنتًا قد شاركوا بأيديهم البيضاء في الدراما التي مرت قبل أيام، وسندخل قلوبهم لنجد نقوشًا ونحتًا لصور الحزن والأسى لما آلت إليه تلك الدقائق والساعات ونجد اعتصارًا شديدًا من الغيض الذي نتج عن تحمل الظلم ورؤية المنكر مع عدم القدرة على فعل الكثير، وهذا نتيجة الحقيقة التي حوّلت معالم الأمن والطمأنينة إلى أشباح زرقاء تغطي رؤوسها بقبعات رمادية وتحمل في أيديها دروعًا ترد عنها قذائف الحق… ويصدر منها أشعة سوداء أرادت تلطيخ اللون الأبيض الناصع في اللباس… (توقف محمد عن الكتابة وحدّث نفسه: ما الذي جرّني إلى كتابة هذه الأفكار التي خرجت بها عن موضوع العنوان… آه نعم… إنها أناملي تكتب من دون استئذاني وأظنها قد استأذنت قلبي فأخبرها عن كل هذا… دعنا نعود إلى موضوعنا)
سأرفع قلمي لأكتب باسم كل من شارك من قريب وبعيد في هذه اللحظات التاريخية وأقول: عذرًا… آسف… عفوًا… ولكن لمن؟
آسف… لك يا رب على كل موقف جعلني أخون به العهد الذي أبرمته معك في تحمل مسؤولية الإنسان الخليفة… آسف لك ربي على كل ثانية ودقيقة قادتني فيها حميّتي القومية لأدافع عن انتمائي ونسيت أساس المعادلة الصحيحة وهو إخلاص العمل لوجهك الكريم خاصة خلال هذه اللحظات التاريخية… أعتذر عن كل حجارة رمتها يدي وأصابت وليًا من أوليائك في الأرض… وأشكو إليك ربي بثّي وحزني قصد أن توجهني نحو صراطك المستقيم… وأسألك ربي أن تلطف بنا فنخشى أن تهِدَّ السماء علينا إن كانت أخلاقنا وضمائرنا قد أصابها الرّان فانحرفنا عن كتابك ونهجك…
يا رب ألطف بنا فنخشى من ملك الجبال أن يطيع أمرك فيُطْبقَ علينا الأخشبين وهذا خشية أننا اتسمنا بسمات مجتمع الطائف الذي رمى نبي الرحمة بالحجارة… فنقول ربما نكون قد رمينا نهج نبينا بقذائف الهجران قبل أن نرمي الحجارة تجاه من اعتدى علينا… فاللهم اجعل هذه الأحداث سببا ليلتقي الأخ مع أخيه والأب مع ابنه بعد سنوات من الفراق… سببًا لتتصافح أيدينا من جديد… سببًا لتسمع أذاننا نداءً واحدًا للصلاة… سببًا لنجتمع حول مائدة إفطار واحدة في رمضان… سببًا ليجمعنا مصلى واحد في صلاة العيد… سبباً لنحتوي كل شاب قد رام فكرة جديدة علينا قصد أن نوجهه ليكون ساقية فرعية تلقي بمائها في نهرنا الواحد ولكي لا يكون نهرًا موازيًا، لأن علماء الرياضيات قد أثبتوا أن الخطّان المتوازيان لن يلتقيا أبدًا… سبباً ليتحقق المشهد الذي راود أحلامنا وهو ذلك المنجنيق المثبّت في أعالي بلدتنا حاملًا قذائف الحق الدامغ يلقي بها نحو الباطل وأهله… وأقول آسف مرة أخرى لتأخر استفاقتي من غيبوبتي التي قضيتها في غرفة الإنعاش (غرفة المُتع الزائلة )…
آسف… لأمي التي تألمت في فترة غيابي عن حجرها الدافئ… واعتصر قلبها حزنا لما سيؤول إليه حالي… عفوًا أمي على أني كنت سببًا في جفاف دموعك الغالية شوقا وحيرة علي… واعلمي أيتها الغالية أن الساعات التي قضيتها بعيدًأ عنك إنما من أجل أمٍ أخرى… هي من نوع آخر… وأنت التي علمتني ونصحتني أن أعتني بها وأن لا أفارقها… وأعلم أنك قد عرفتها… إنها أمي الثانية… بلدتي القرارة الحبيبة… ومرة أخرى أقول عذرًا لما سببته لك من حزن في سويداء قلبك… والآن أعود إليك مع نسمات بلدتي العليلة وقد تزينت سماؤها بحلة من نجوم كانت غير بارزة من قبل واليوم ظهرت لتلبي النداء وتعطي شكلا هندسيًا جميلاً…
آسف… لأبي الذي جاهد طيلة حياته ليراني لبنة ذهبية في صرح بلدتي الطيبة وانتظر مني أن أمنح لها الطمأنينة والأمان… فأقول: عفوًا لأنني قد قدمت القليل فقط… ولكن هذه صفحة في حياتي لن أنساها أبدًا لأنني تعلمت منها الكثير… ولكن أعدك وأعد ضميري أن أكون في مستقبلي فرعًا محلقًا في السماء مستقيا عصارة التجربة وبُعد الرؤية من الأصل الثابت وهو أنت… لنشكّل حينها شجرة طيبة في بستان بلدتي العامر بالأشجار الطيبة والمثمرة…
آسف… للتاريخ الذي حاك خيوطًا ذهبية في بلدتي لا يستطيع أن يضعفها إلا من جهل مهنة الحياكة المتوارثة منذ القْدم… وأنا منهم فأقول: عفوًا لك أيها التاريخ لأنني جهلتك فأكسبني تزعزعًا في عزتي وتذبذبًا في هويتي فكنت سببًا في أن تضيع مني خارطة الطريق… ولكن والحمد لله سأعاهدك على أن أستدرك ما فاتني وأدخل قاعاتك لأتعلم وأزيل الغبار عن ذاكرتي وأهيئ أكتافي لتكون قوية وقادرة على حمل الجيل الذي سيأتي بعدي…
آسف… لكل شاب قد احتقرته عيني وفقدت الأمل في مستقبله وعاتبته لأنه لم يبدو لي أنه قدّم شيئا تجاه بلدته ووطنه وكنت أظن أنه أناني التفكير مصلحي الغاية… ولكني أجد لساني وقلبي يعتذران… لأن هذا الشاب قد علمني حكمة مفادها أن “الصمت حكمة” و”ليس كل ما يعلم يقال” وأقول: عفوًا لأن عمله وإخلاصه وجهاده كانوا بديلاً عن لسانه… وميدان الأحداث قد أبرز مواهبهم الكامنة وطاقات الحب التي يحملونها تجاه بلدتنا الطاهرة… وبصراحة أقول أن بروز هؤلاء النجوم من أبناء جيلي بعث رسائل الطمأنينة والتفاؤل نحو محطات التاريخ القادمة… وبروزهم قد كشف عن معالم كثيرة كنّا نفتقدها في مسارنا… فأقول: شكرا على ظهوركم…
آسف… للتلميذ الذي احترقت كررايسه وكتبه… واحترقت محفظته وضاعت أقلامه… أقول لك عفوًا لأنك صُدمتَ بعدم عودتك إلى المدرسة صبيحة يوم الأحد… عفوًا لأنك لم تنجز التمارين، وهذا نتيجة الخوف الذي أصاب أناملك فلم تستطع أن تخط الكلمات… ولكني أغبطك لأنك شهدت هذه اللحظات التاريخية وأنت مازلت صغيرًا فذاكرتك تسجل الأحداث وعقلك سيبقى يمحصها ويخلص إلى النتائج إلى أن تكبر… وحينها تمنحنا هدية غالية هي نتاج عصارة جهدك طوال السنوات… وقبل أن أنسى اسمح لي أن أنوب عنك في شكر كل من سعى جاهدا ليوفّر لك كل ماتحتاجه لتعود إلى مقعدك في القسم وهم يقولون لك: نحن رهن إشارتك وفي خدمتك إلى غاية اليوم الذي تصل فيه إلى مقام العنصر الفعّال في بلدتنا الحبيية… فتكون حينها مصدرًا للخدمات…
آسف… لكل عاجز في ركن البيت منذ سنوات… آسف لأننا نسيناك ولم نكتشف معاناتك إلا حين مجيئنا لإنقاذك من الحريق…
آسف… لكل أرملة أجهدتها الأيام سعيًا وراء لقمة تضعها في فم أبنائها… آسف لأننا سألناك عن مجوهرات عرسك: هل سرقت في الأحداث؟ فقلت: كل مجوهراتي قد تزيّنت بها نساءٌ أخريات وذلك لأنني بِعتُها لأشتري بثمنها الخبز والحليب….
آسف… لكل شاب رأيناه أول مرة حين نصب طاولته ليبيع الخضروات والفواكه في ساحة إينورار… آسف لأننا لم نأتي لنزورك عندما كنت تعاني بعيدًا… آسف لأننا فقدنا الأمل في مستقبلك… والآن تفاجئنا وأنت في الصفوف الأولى في ساحة الأحداث… ولا نخفيك سرًا أننا متشوقين ليتحقق حلمنا في أن تعود إلى ذكرياتك الجميلة عندما كنت تتسابق مع أصدقائك نحو الصفوف الأولى في مساجد بلدتنا الحبيبة…
آسف… إليك أخي القارئ لأنني أخذت من وقتك الكثير لأنقل إليك كلماتٍ خطتها أناملي بارتجالية وفوضى في الأفكار… فاقبلها مني لأنها صدرت من قلبٍ يريد أن يوصل رسالة إليك عنوانها “لغة العقل…دائمًا أقوى من لغة العاطفة”
آسف… وآسف… وآسف… أحيل إليك صديقي منبر الخطاب لتكمل خط أشجانك
وفي الأخير أقول: “الاعتذار ثقافة عالمية” تجعلنا نعيد إنارة الأضواء الكاشفة نحو جهودنا ومسيرتنا… والأحداث الأخيرة بثت الكهرباء من جديد في أضوائنا… وبكل اختصار: “هذه الأحداث جذبتنا بقوة إلى الوراء لتدفع بنا من جديد نحو المستقبل لأن الجذبة القوية تنتج ردة فعل أقوى وهي الانطلاق من جديد وبخطى ثابتة نحو الغد المشرق”.
ياسين بن محمد سليمان بوعصبانة



