ملف خاص بالشيخ الناصر المرموري رحمه الله

تأبين الشيخ الناصر المرموري من أ.عيسى بن محمد الشيخ بالحاج

كلمة الشيخ عيسى في تأبين المرحوم الشيخ الشيخ الناصر المرموري المغفور له وأدخله فسيح جنانه آمين

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيـم

 ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُوتِي الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىا كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ نحمده جلَّ في علاه أن جعل الأيام في هذه الدنيا دولا، وحدَّ للأنام في هذه الحياة أجلا، وعد المؤمنين الذين يعملون الصالحات جنَّات تجري من تحتها الأنهار لا يبغون عنها حولا، وتوعَّد الكافرين الذين يقترفون السيئات موعدًا لن يجدوا من دونه موئلا، وأصلِّي وأسلِّم على حبيب الحقِّ، وأفضل الخلق محمد بن عبد الله ما اغرورقت عيون العارفين بالدموع، واحدودبت ظهور العابدين بالركوع، وانشرحت صدور القانتين بالخشوع، وأثنيِّ على الثلَّة السابقين، من الأنصار والمهاجرين، الذين اصطفاهم ربُّ الخلائق لآخر رسله صحبةً وبناةً، واختارهم لخير أممه نجومًا وهداةً. فكانوا خيَرة من ابتغوا إلى ربِّهم الوسيلة، وصفوةَ من زيَّنوا سماء الفضيلة، وثلَّة من جاؤوا من الخيرات بكل جليلة، الذين لو أنفق أحدنا ملء الأرض ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا قليله. فاللَّهمَّ صلِّ وسلّْم على خير من دعا ربَّه واستخار، وعلى القُلَّة من آل بيته الأطهار، والثلَّة من جلَّة صحبه الأخيار، و على من سلك دربه راشدًا إلى يوم تشخص فيه الأبصار.

معالي وزير الشؤون الدينية الدكتور أبو عبد الله غلام الله، سعادة والي ولاية غرداية السيد أحمد عدلي، سعادة سفير سلطنة عمان عليِّ بن عبد الله العلوي، أيُّها السادة المنتخبون في المجالس الوطنية والولائية والبلدية، أيها السادة الأفاضل أعضاء حلقات العزابة الموقرة، أيتها السلطات الوطنيية والولائية والمحلية من أسلاك الأمن والإدارة، أيها الوافدون علينا رجالا وعلى كلِّ ضامر من خارج القرارة، أيتها النفوس المطمئنة الحاشدة في هذا الجمع المبين، ويا أيتها القلوب الراضية بقضاء الله ربِّ العالمين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، صانكم البرُّ الكريم من كلِّ بليَّة، ووقاكم من كل رزيَّة، ومتَّعكم الوليُّ الرحيم بكلِّ سنية، وجعل خطواتك هذه إلى جنات النعيم مطية.

نلتقي بعيون دامعة في هذه الساعة المباركة من هذا اليوم الخالد مساء الاثنين 12 جمادى الثانية 1432هـ الموافق لـ 16 ماي 2011 م، ونحتشد بقلوب خاشعة في ربوع هذا المكان المقدس الطاهر، أحضانِ بيت من بيوت الله تعالى التي أمر أن ترفع ويذكر فيها اسمه لنقتبس من نور الخالق المعبود ما ينير لنا درب النجاة في اليوم الموعود، ونجتمع بهذا الحشد الهائل المنقطع النظير في المسجد الكبير لتوديع الرجل الصالح والولي الفالح الشيخ الناصر بن محمد بن الحاج عمر المرموري إلى مثواه الأخير، حيث الأحبةُ، محمدٌ وصحبُه، ينعمون بجوار الرفيق الأعلى، في رياض جنة المأوى. لقد انتابت فقيدَنا رحمه الله فترةٌ قصيرة من الضعف والشيبة، لم تشتعل به رأسه وقد أحفاها حلقا حاجًّا معتمرًا، بقدر ما تبدَّت وهنًا في عظمه الذي أرهقه في الدعوة إلى ربِّه داعيا منتصرًا، فكانت سببا في استشهاده، ومغادرته هذه الدنيا الفانية، ولحاقه بدار الخلد الباقية، بعد عمر حافل بالمكرمات قارب التسعين، ودهر كامل بالمنجزات حتى أتاه اليقين، قضى صباه في ميدان التعلُّم والتَّحصيل، وأفنى سواده وبياضه في التعليم والتبليغ والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة في كل مسلك وسبيل. وإنه لمصاب بنا حلَّ، و خطب علينا جلَّ، وإنه لمن البلية العظمى حقًّا أن تتوفَّى نفس مؤمنة، وأشد من ذلك أن تكون النفس المتوفاة رجلا مخلصًا يسمى ناصرًا، وقف عمره كلَّه في سبيل إعلاء كلمة الله ناصرًا، يذود عن حمى دينه في كلِّ ناد، ويرفع بناءه في كل واد، و يدفع بنيه إلى العمل بحزم في ميدان الجهاد، والتضحيةِ بعزم في خدمة العباد، والتفاني بصدق في سبيل مجد البلاد، والإخلاص التام لربِّ العباد، في أصعب الأوقات، وأشظف الأقوات، وأحلك الأزمات، وأوهن العزمات، مبتغيا الفوزَ بالجنان والحظوةَ بالرضوان، ورضوان من الله أكبر.

أيها الإخوة الأفاضل إنَّنا لعلى يقين تامٍّ بهول الصدمة التيِّ أنزلتها على قلوبكم هذه الوفاة، وبشدة البطشة التي أحلَّها على نفوسكم خالق الموت والحياة، ولكنَّني أقول – حضراتِ السادةِ المطمئنة قلوبهم – إنَّكم لن تبلغوا مدى الهول الذي أصابنا، وصدى الجزع الذي انتابنا – نحن معشر الذين جلسنا إلى فقيدنا قبل خمس ساعات من وفاته في رحاب معهد الحياة، لاستقبال سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي مفتي عام سلطنة عمان، الذي زار الجزائر لحضور ملتقى ضوابط الفتوى في عاصمة الثقافة الإسلامية تلمسان، وأصر على الحضور إلى ميزاب لملاقاة صديقه الحميم الشيخ الناصر المرموري وقد سمع بمرضه، وما كان يخطر ببال من حضر أنَّ اللقاء سيكون وداعا لا لقاءَ بعده إلى يوم يقوم الأشهاد، ولو شهدتم معنا معشر الإخوة الطيبين الكلمة التيِّ ألقاها فضيلة الشيخ الناصر ترحيبا بضيفه العزيز لازداد عجبكم بتصرفات الذي يعلم السر وأخفى، ولازددتم ألما وحسرة بفراق من تحدَّث وأوفى، فقد خاطب سماحة الشيخ بنبرته الهادئة وأسلوبه المتَّزن، ومنطقه المرح قائلا: إنَّنا نحن معاشر المغاربة نستبشر باستقبال علماء المشرق في بلاد المغرب، ولكنَّنا نستاء بانتقال علماء المغرب إلى المشرق لأنَّ ذلك سيكون بمثابة طلوع للشمس من مغربها، فاستشهد ببيتين قيلا لعالم من علماء المغرب عزم على التنقل إلى بلاد المشرق

أشمس الغرب حقًّا ما سمعنا***** بأنَّك قد سئمت بنا الإقامة

وأنَّك عازم على الرحيل *****لا تفعل فقد تقم القيـامة

فضج الشيخ ومن في القاعة أنسًا بهذا الكلام، ولكنَّ القدر قال لشيخنا المرحوم: إنَّ القيامة ستقوم عليك أنت، وأنت في بلاد المغرب، ومن مات فقد قامت قيامته. ثمَّ استأذن الشيخ في عدم متابعة الرحلة معه في القرارة لأنَّه سينتقل إلى غرداية لملاقاة طبيبه الذي يتابع فحصه غدًا، ولقد صدق الشيخ في كلامه حقًّا، ولكن كان اللِّقاء بعد خمس ساعات مع طبيب الأطباء خالق الداء والدواء، الذي قال له: إنَّه ليس لك من دائك شفاء في الفناء، وإنَّما دواؤك سيتناوله سائغا في دار البقاء. فيا مقلِّب القلوب ثيِّت قلوبنا على دينك. ومقدِّر الأمر إنَّا لا نسألك ردَّ قضائك ولكن نسألك اللطف فيه.

لقد كان شيخنا ناصر بن محمد المرموري منبعَ الصبر، وينبوعَ الصدق، ومعينَ الرضا، وبلسمَ الأذى، ورمزَ الفدا، ودليلَ الهدى، وكان المعزيَ عند حلول الكروب، والمسليَ عند نزول الخطوب، والمؤنسَ عند وحشة القلوب فلو قدِّر له أن يبعث ليعزي نفسه اليوم لما عزاها إلا بقوله محتسبا آمنا، إنا لله و إنا إليه راجعون. وإن رحيل الشيخ الكريم عنا كان أمرا مختوما، و قدرا محتوما، غير أنَّا لا نراه قد فارقنا إلا بجسده لا بحدثه، و بشبحه لا بروحه، لقد ترك فينا وفيكم سنيَّ خلاله، ورضيَّ خصاله، وجنيَّ فعاله، وهذا الذي يعزيه فينا، ولا يرضيه منَّا كثرة البكاء، أو ترديد العزاء بقدر ما يسرُّه أن نكون من بعده على سوي صراطه مهتدين، ولآثاره مقتفين، ولذكره صادقين. وما هذا الحشد الماثل، ولا هذا الوفد الحافل، ولا هذا المشهد الهائل إلا شهاداتُ صدق عند الكبير المتعال، لجهاد الرجل الصبور المثال، وألسنة الخلق أقلام الحق، فاسألوا عنه المحافل التي عمرها، والمنابر التي صعدها، والمدارس التي غشيها، والأيادي التي صنعها، والمكارم التي نشرها، والمغانم التي حررها، وَمَا شَهِدْنـَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنـَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ ، فرحماك رحماك شيخنا الفاضل، وسعداك سعداك محتفانا الماثل

أمَّا القبور فأنَّهنَّ أوانس *****بجوار قبرك والديار قبور

عمَّت فواضلُه فعَّم مصابه***** و الناس فيه كلُّهم مأزور

ردَّت صنائعه إليه حياتـه***** فكأنَّه من نشرها منشور

فيا أهل الفقيد وكلُّنا أهله، لتكن لنا ولكم في رسول الله، أسوة حسنة في وفاة أعز أهله وصحبه، لقد صبر واصطبر ابتغاء وجه الله، مسليا نفسه بالسعادة معهم في دار الخلد بجوار الله، فثقوا أعزاءنا الأفاضل بأنا وإياكم على خطى الدرب سائرون, و إلى نفس المعاد صائرون، فعزاؤنا فيكم أنكم أهل للعزاء، دأبنا فيكم أنكم أهل للوفاء، و ديددننا فيكم أنكم أهل للولاء، فطيبوا نفسا، وقروا عينا، فالمولى جل في علاه يحرصكم، وعلى عينه يصنعكم، وحسبنا لكم عزاء مقولة المولى الكريم وَلاَ تَحْسِبَنَّ الذِينَ قُتِلُواْ فيِ سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاَم بَلَ اَحْيَآءٌ عِندَ رَبـِّهِمْ يُرْزَقُون فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمُ, أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُومِنِين.

أيها الاخوة الأفاضل لن نستطيع في هذه العجالة أن نرثي الفقيد بما هو أهل له، ولا نودُّ أن نبخس الرجل حقه فيها أمجاده و أفضاله، وإن هي إلاَّ محطات جليلة، وومضات قليلة نَلفِت إليها الناشئة من أبنائنا، ونذكِّر بها الحاضرين من إخواننا، ولمزيد من الحديث المبين وقت سيحلُّ بعد حين. فإليكم نبذة عن حياته الحافلة:

في 1 رجب سنة 1345هـ/ 7جانفي 1927 م ولد الشيخ الناصر بن محمد بن الحاج عمر المرموري بمدينة القرارة، ولاية غرداية، الجزائر.

تلقى مبادئ التعليم الابتدائي في مسقط رأسه بمدرسة الحياة

في سنة 1942 استظهركتاب الله العزيز ثم التحق بمعهد الحياة، فتلقى تعليمه على جملة من الأساتذة وبخاصة العلمين الفذين الشيخ بيوض والشيخ عدون رحمهم الله. ولم يتلق شيئًا من العلم عن غيرهم، إلاَّ من عصاميته التيِّ سوَّدته علما بين الأعلام، وعلَّمته الكرَّ والإقدام.

في 1 أكتوبر سنة 1947رشَّحه شيخه الشيخ بيوض رحمه الله للتدريس في معهد الحياة، واستمرَّ في تحمَّل هذه الرسالة النبيلة والشاقة إلى يوم وفاته طيلة 65 سنة كاملة، فكان بذلك أقدم أستاذ في معهد الحياة.

في سنة 1962 انتدبه الشيح بيوض رحمه لرئاسة البعثة العلمية العمانية في القاهرة، التي استمرت ثلاث سنوات، عاد بعدها إلى رحاب معهد الحياة ليواصل رسالته مع ثلَّة مباركة من الأساتذة

في سنة 1971 انضمَّ إلى حلقة العزابة في القرارة فكان مثالا للنشاط والتضحية والقيام بأعظم أعباء المسجد الجسام وأجلُِها، مسؤولية الوعظ والتوجيه الإرشاد.

في سنة 1979 عيَّنه الشيخ بيوض رحمه الله خلفًا له على منبر الوعظ في المسجد فقام به أحسن قيام، عمَر بصوته الشجي كلَّ ناد، وغمر بنصحه النديِّ كل واد.

في سنة 2004 عيِّن شيخًا لحلقة العزابة ورئيسا لها بعد وفاة الشيخ عدون باعتباره أعلم وأفقه عضو فيها.

عضو حيوي في مجلس عمِّي سعيد الهيئة الدينية العليا المشرفة على مساجد الإباضية في وادي ميزاب ووارجلان، مرجع من مراجع الإفتاء في القرارة، ووادي ميزاب، والجزائر، والعالم الإسلامي.

شيخ لندوة الشيخ عبد الرحمن البكري وعمدة الفتوى فيها بعد وفاة مؤسسها 1986م

شارك في عدة ملتقيات علمية، محلية ووطنية ودولية.

حريص على متابعة العمرة والحج، وربما قاربت حجاته الأربعين حجة، وكان المرشد الديني لبعثات الحجِّ.

رئيس لعشيرة أولاد جهلان وعضو نشيط وفعال وأساسي في إدارتها.

عرف الشيخ الناصر المرموري رحمه الله بخصال عزَّ لها نظير في أبناء عصره، فقد تميَّز برحابة الصدر، وحسن المعشر، وسلامة المخبر، فكان من أحب الناس إلى الله، وأقربهم منازل يوم القيامة إلى رسول الله، إذ كان من أحاسن الناس أخلاقا الموطئين أكنافا الذين يألفون و يؤلفون، فلا يلقى أحدا إلا بوجه ضاحك، و لسان مازح، تسبق البسمة حديثه، ويسود الأنس مجلسه فلا تكاد تشعر إلاَّ وهو يغمرك بلطفه، ويعمرك بفضله، ويأسرك بحسن طويته، ويسلبك بصدق لهجته، فتلين له القلوب مهما تصلَّبت، و تسلس له العقول مهما تشعبت، وتخضع له النفوس مهما تقلبت، وأحسبه ممَّن يصدق فيهم قوله  إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَبْدَ نَادَى جِبْرِيلَ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحْبِبْهُ فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ.

ذاع للشيخ الناصر رحمه الله صيت في الأنام بأنه يملك قلبا سليما لا يجد فيه شيئا على أحد، إذ لا يعرف تمييزا بين الإخوان، ولا تفريقا بين الأديان، ديدنه جمع الشمل، ودأبه وحدة الكلمة، ومذهبه التعايش في وئام مهما اختلفت الأفهام، وتقلبت الأيام، فمصير البلد واحد أن يعيش في أخوة ووئام، و هذا الذي أعلى ذكره، وأجل قدره، وآضاء قبره، وأعظم أجره. مردِّدا قوبة الحكيم.

إنَّا لنرجو وفاقاً غيرَ منقطـع منَّا***** ومنكم وهذا منتهى الأمل

دع التحيُّز واصنع كلَّ صالحة ******تنج البلاد وحاذر سقطة الزلل

عرف شيخنا بتواضعه الجمِّ، يجلس إلى ذي الحاجة والفقير، كما يجلس إلى ذي المقام والوزير، يملك نفسا طموحة، ويعرك عزيمة طفوحة، لا تستهويه المناصب، ولا تغريه المراتب، ولا تغره الألقاب، تكفيه شهادةً شهادةُ ربِّ الأرباب بين العباد، ويُجزيه تكريما كرامة العزيز الوهاب له يوم المعاد، عرف قدر ربِّه فعرف له قدره، تواضع لله افتقارا، فرفع شأنه افتخارا، هيبته بادية من هيئته، وقدره بارز من نظرته، حبِّب إليه الحياء، و بغِّض إليه الرياء، يعدُّ المرء مخبوءا تحت طيِّ لسانه لا تحت طيلسانه، طوَّح الشيخ مشارق الدنيا ومغاربها حكمة علما، وربط أوصال الأمة ورحمة وحلما، أهَّلته إلى ذلك مؤهلات إلهه، ودعوات مشايخه، وصالحات أعماله، وخالصات مقاصده، فهو بين العلماء عالم، وبين الأدباء أديب، وبين الظرفاء ظريف، وبين العامة عامة، وبين الخاصة خاصة.

أوجده الله فما مثله ***** لطالب ذاك ولا ناشد

وليس الله بمستنكر***** أن يجمع العالم في واحد

خلَّف تراثًا فكريًّا بشريًّا يتمثَّل في آلاف الطلبة الذين تخرجوا من مدرسته، وكرعوا من علمه، وتراثا فكريا نثريًّا يتمثَّل في مئات الفتاوى المبثوثة في مختلف الجهات، ومختصر تفسير الشيخ بيوض في ثمانية أجزاء، وفي تفسير الجامع الصحيح في الحديث، وتراثا مسموعا يتمثل في مئات الدروس المسجلة في مختلف مساجد وادي ميزاب والجزائر وتونس وليبيا وعمان وزنجبار …

فها قد اختاره ربُّ البرايا إلى جواره شهيدا، بعد أن منحه عمرا صالحا مديدًا، وجعله رجلا في زمانه فريدًا، وترك له ذكرا في الآخرين تليدًا ﴿ أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَىا كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ ولقد استقصيت مناقبه فلم أجد له عيبا إلا أن النساء عجزن أن يلدن مثله، وتتبعت مآثره فلم أجد له نقصا إلا أنَّه لم يدع أحدا بعده أن يبلغ فضله، وإن أعظم شهادة يحوزها الرجل هي شهادة الزمن له بلسان صدق بين الأجيال، و شهادة الحقِّ له بالرضوان يوم المآل. يوم يدعوه شديد المحال:﴿ يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَىا رَبـِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي ﴾.

أيها الإخوة الأعزاء باسم حلقة العزابة الموقرة، باسم الجمعيات الخيرية الحرة، باسم القرارة جمعاء، ممن أقلَّتهم الغبراء وأظلَّتهم الخضراء نقدم خالص تعازينا لأنفسنا أوَّلا، ثم لآل الفقيد المحتفى به ثانيًا، وقبل ذلك لكم معاشر السادة الوافدين، فأنتم أولى بالعزاء منَّا نحن أبناءَ القرارة، لأنَّ إقامة الشيخ رحمه الله خارجها – داعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا – كانت أكثر من إقامته فيها، حتى كنَّا نقول للشيخ عليك أن تصلي السفر في القرارة.

ترفع أكفَّ الضراعة لمن يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور أن يحقق في فقيدنا ومحتفانا قوله: لِّلذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الاَخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ جَنَّاتُ عَدْنٍ يـَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِن تَـحْتِهَا الاَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ كَذَالِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ الذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآَئِـكَةُ طَيـِّبِينَ يَقُولُونَ سَلاَمٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ. وأن يجعله في مقعد صدق مَعَ الذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيئِينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا ذَالِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَىا بِاللَّهِ عَلِيمًا.

كما نشكر لكلِّ الوافدين إلينا من كل حدب وصوب تحمَّلهم مشاق التنقل في هذا الحرِّ وفاء بالعهود لرجال أخلصوا الجهود، وفي ذلك تخفيف من عزائنا، وتفتيت لمصابنا، فحفظكم المولى الرحيم يوم ظعنكم ويوم إقامتكم، وصلَّى عليكم البر الكريم طرفي النهار وزلفا من الليل، فلا أراكم مكروها فيمن تحبون، ولا أجزع نفوسكم فيما تأملون. كما لا ننسى في هذه الساعة المباركة الغامرة بالنفحات، وعند ذكر الصالحين تتنزل الرحمات أن نسأل الرحمة لموتانا، والشفاء لمرضانا، والصلاح لأبنائنا، والرخاء لأوطاننا، كما نلتجئ بقلوب ضارعة وأدعية خالصة إلى الولي الرحيم، والقاهر فوق عباده، أن يأخذ بأيدي المستضعفين وينظر إليهم بعين رضاه فيكلؤهم برحمته، وأن ينصر إخواننا في فلسطين نصرا مؤزَّرا على عدو البشرية وحثالة الإنسانية اليهود الذين جعل منهم القردة و الخنازير، وكلِّ من ساندهم و سار في ركابهم. ﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الذِينَ سَبَقُونَا بِالاِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ ﴿ رَبـَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُومِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ﴾ آمين و الحمد للــه رب العالميــن.

عيسى بن محمد الشيخ بالحاج أستاذ بمعهد الحياة القـرارة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى