من وحي القلمواحة المعرفة

خطأ الأمس… فأين أنت يا أبتاه؟

خطأ الأمس… فأين أنت يا أبتاه؟

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد:

سوف أقدّم إلى حضرتكم هذه الرسالة باسم طفل تفطّن لخطأ في المعاملات الوالديّة بين الأجيال،وقد كلّفني كاتبها لألقيها، فإليكموها:

أعودُ بالذّاكرة إلى الوراء لأفتّش في ذكريات الماضي، إنّي أفتّش في صدور القوم المحيطين بي عن حبّ لـي وعطف عليّ، فلا أجد إلاّ قلوبا لاهية غافلة… حاجاتهم أهمّ من حاجتي. أعيش لحظات من عمُري كالولهان… إلزام دون نقاش، عقاب دون أخطاء… أتريد أن أعيش في زمن الماضي؟ والحاضر عابر، والمستقبل سائر، إنّني قد خلقت لهذا الزمان… فمتى تخلع عن وجهك قناع الماضي؟ فتراني بصورة الحاضر وتعامِلُني كما أنا الآن، لا كما كُنتَ في ماضي الزمان.

اسمح لي -يا أبتي- أن أقسوَ في العبارة قليلا، يشجّعني على ذلك حِلمك بي وعطفك عليّ، إذ لا يعقل أن تضرب الأمّ وليدها بعد ولادته، وخروجها من مخاض عسير لأنه سبّب لها تلك الآلام، بل تستقبله بكل فرح وابتهاج. إني أريد أن أقول لك بأن تربيَتي تحتاج -أحيانا- إلى شخص غيرك لأنك تحاول التصرف كالأب المتسلط المتهوّر أو الأب الغافل المخادع، فتقع في أخطاء مدمّرة في بعض الأحيان… إنّك قد خلقت في زمان ماضٍ وأنا لهذا الزمن، فهل تجد الفرق؟ سأحتاج إلى مزيد من العبارات لأوضّح لك الفرق. وسأبدأ بمثال -وإن كانت الأمثلة على ذلك كثيرة ووفيرة-

  • إذا تأخّرتُ يوما في تنفيذ أمر كَشغل عارض، قلت: يا كسول…فقد أسأت الظن وعذّبت القلب.
  • وإذا تقدّمت إليك عارضا عليك فرصة للخروج بصحبتك، قلت: لا يمكن.. فهذا غير معقول لأنّي مشغول.
  • وإذا هرعت إليك فرحا بما تحصّلت وما أجدت، قلت: يمكنك أكثر… لقد كتبها المعلمون داخل الدّفاتر والكشوف… فما الذي تغيّر؟
  • ولقد حاولت أختي -مرّة- أن تقول شيئا فتعثّرت كلماتها في فيها، وتبعثرت حروفها على شفتيها… حياء منك وخوفا من بطشك، فما ذنبها؟

 يا أبي… إنّي أرضع منك كل مبدأ تحمله وكل خلق تتحلّى به، وما أنا سوى فرع في شجرة أنت أصلها. وما تقوم به -الآن- هو ما نشأت عليه وتربّيت، وإني لك من الفاهمين الصّابرين… لكن متى يحصل التغيير؟

فتأمّل معي قول الشاعر المؤمَّل الكوفي:

 ينشأ الصّغير على ما كان والده        إن العــــروق عليها ينبت الشّجر

 متى فتحت بوابة الصَّراحة لتمدّ جسور الثّقة بيني وبينك؟

يا أبـتي، لم أتذكر مرّة قبّلتني…

 عفوا عندما كنتُ صغيرا  قبل العامين… كانت سهلة عليك. فما الذي تغيّر؟

 مرة أخرى متى عانقتني؟… لا بأس، لا عليك لم تألفها، ابدأ بابتسامة في وجهي، ومتى تعوّدت عليها ستأتي القبلة دون تحضير أو خجل، وقد تحتاج إلى أيّام حتى تأتي لحظة التغيير. حينها تهون عليك بل تصبح الأفضل والفعل المناسب لإشباع حنانك وحبّك.

أه… إني أرى القبلة صعبة عليك، فدعنا منها ومن أنواعها وأحوالها وما يأتي بعدها.

يا أبتي… إنّني أنتظر ضمّتك. جيّد، ربـّما سأبدأ أنا، فافتح الباب من فضلك. ابدأ عندما تحين لحظة اللقاء بعد عودتك من سفر. أو حاول أن تستغل فرصة الاحتفال اليوم لتحتفل بإنجازاتي على طريقتك… قد تكفيني مأدبة غداء على شرفي أنا وإخوتي، واحذر أن تقع فيما يقع فيه الكثير من الآباء، إنـّهم لا يحتفلون إلا عند النتائج العظام… نعم، هذا صحيح فهؤلاء التلاميذ الذين تحصّلوا على جوائز كما ترى قد احتفي بهم، أمّا غيرهم فهم أحقّ أن تقدّر جهودهم، فتبنى في قلوبهم الثقة بأنفسهم… وإن كنت لا أعرف كيف تستطيع المدارس تقدير الجهود بدلا من النتائج فقط، ولكن لابدّ من التفكير في ذلك.

كلامي موجّه إليك يا أبي وإلى الحاضرين -جميعا- من آباء وأمّهات ومعلمين، وأظنّك موجود بين الحاضرين كنت تترقّب صعودي إلى المنصّة، ومتى صعدتُ تساءلتَ عمّا سوف أقدّمه وفكّرتَ فيه طويلا، فها أنت -الآن- تُصغي إلـيّ في انتباه، فشكرا لحضورك واستماعك إلـيّ لقد جعلتني أشعر بأنّني مهمّ، وسامحني على الجرأة في التّـصريح، فأنا ابنك… قد علّمتني كيف أشارك في مثل هذه المناسبات، بكلمات صادقة نابعة من قلبي بدل أداء الأدوار في المسرحيات وتقديم المجاملات… فتقبّلها منّي كما تقبّلتني بين ذراعيك… أبي ضُمّني إليك.

ربّ اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلا تبارا.

من ابنك البار: بكير بوسنان

خاطرة كتبت بمناسبة احتفالات آخر السنة الدراسية، ألقاها أحد التلاميذ على الحاضرين من آباء وأمّهات ومعلّمين.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى