فتنة غردايةواحة المعرفة

حتى لا يتكرر السقوط في فخ “الاستحمار السياسي”

تعرف اليوم ساكنة غرداية كبرى مدن سهل مزاب بل كبرى الجنوب الجزائري وبعض مدن الولاية منذ عشرية كاملة، أزمة أمنية، إنسانية وسياسية، ممتدة ومتكررة ومتقاربة زمانيا، آخرها أزمة الأسبوع الأخير من عام 2013م، التي جعلت الحلماء حيارى، ومن دون أن أتعب القارئ بطول التوقف التحليلي عند أبعادها، من خلال تحليل أسباب الأزمة والمواقف منها، وبيان سياقاتها المحلية والوطنية والإقليمية والدولية، وحوصلة نتائجها وآثارها القريبة والبعيدة واقتراح الحلول المتوقعة والمطلوبة لها؛ أود أن أضع بين يد العقلاء والعاقلات وأيضا الغافلين والغافلات -من غير جماعات الشباب المخذر المورط والمستخدم في تلك الأزمات- هاتين الحكمتين المعبرتين عن واقع الحال محليا ووطنيا: الأولى صينية والثانية هندية، وهي حكم وردت على لسان حكماء الأمم الحضارية العتيدة سابقا والصاعدة اليوم. ألم يوصنا محمد الرسول العظيم وسيد الحكماء بأن نطلب العلم ولو في الصين.؟؟

بداية تقول القصة الصينية أن: حكيما صينيا سئل، عن الشعب الذي ينقصه الخبز، هل يضمحل وينقرض؟، قال: لا، وعن الشعب الذي ينقصه السلاح، هل يستعمر؟، قال: أيضا لا؛ وأضاف: ولكن إذا افتقد شعب عنصر الثقة بين أفراده كانت نهايته محتومة.

أما الحكمة الهندية القديمة فتقول: “إذا تصارعت الفيلة، فلا تسأل عن حال العشب تحت أقدامها.”

إن أزمات عدم الاستقرار الأمني والاجتماعي -السياسي التي تشهدها مدن ولاية غرداية خلال العشرية الأخيرة، تعبر عن حراك اجتماعي سياسي حقوقي غير مسبوق في تاريخها المعاصر، وفيها من الإيجابيات الكثيرة حتى من سلبياتها، فضلا عن إيجابياتها الصميمة. وإن الأزمة الحالية في غرداية رغم حدتها على مختلف المستويات، إلا أنها أزمة عابرة كسابقاتها، على الأقل في شقها الأمني -السياسي الراهن-، وهي تأتي في سياق وطني وإقليمي ودولي محدد. ولكنها يمكن أن تتكرر طلما لم تحل المشكلات الهيكلية التي تعانيها في نفس الوقت الذهنيات والمؤسسات المحلية والوطنية.
إن من يشاهد منطق الأحداث الأخيرة في بريان ومليكة والقرارة وغرداية ومنطق أحداث مشابهة كثيرة متباعدة ومتزامنة شمال وجنوب البلاد خلال العام الأخير على الأقل، ويحلل كيف بدأت وتطورت وفي أي سياق حدثت، يكتشف أن عنصر الافتعال والقصد والاستثارة والتصعيد للأزمة، موجود من عدة جهات محلية ومركزية ذات مصلحة. ومن سمات هذا السياق أنه سياق منعرج حساس وربما خطير، ففيه تتم الاستعدادات على صفيح ساخن للفوز بالرئاسيات الملغمة القادمة، والتي يبدو أن الطريق يمهد لها بألوان من العنف، ومنه العنف الطائفي، والعروشي والاجتماعي، الذي تشهد عليه عدة أحداث متزامنة حاليا في ربوع الوطن ؛ إنه تصعيد ومواجهة بين الموالين للعهدة الرابعة والمعترضين عليها، وهو يتم -وياللأسف- على حساب أمن المواطن البسيط العادي ؛ وربما غامرت بعض أطرافه باستقرار الوطن كله استجابة لإرواء طمعها في كرسي الحكم. إن هذا المواطن الجزائري البسيط الذي يعاني من العديد من المشكلات الهيكلية في ذهنيته وإمكانياته وظروف عيشه، قد أصبح في هذا السياق محل استقطاب وتجاذبات سياسية وانتخابية، تستعمل فيه سياسة العصا والجزرة، لاستمالته لهذا الفريق أو ذاك، أو لتعبيد الطريق دون هذا الخيار أو ذاك.

إن عملية الاستحمار -اعذروني على الكلمة إخواني المواطنين الغرداويين الأصلاء تحديدا – تظهر كيف أن فئة هامة من سكان مدينة غرداية كبرى مدن سهل مزاب، المتلاصقة عضويا ومصيريا، قد كانت خلال الأزمة الأخيرة المؤلمة، على تعدد أعراشها وتنوع توجهاتها الدينية والمصلحية، في حالة مقاومة ومناعة من السقوط في فخ الاستعداء والاستكراه لفئة ضد فئة من مواطني المنطقة، حتى وإن وجب الإقرار بانخرام جزء هام من الثقة بين فئات من سكان المدن المعنية بفعل حدة المواجهات الأخيرة.

إن التسلسل المنطقي للأزمة الأخيرة، يظهر بأن الأحداث كانت تتطور بشكل يدل على وجود تحكم عن بعد في مجرياتها، وأنها حدثت برغم إبلاغ فاعلين للسلطات المعنية محليا -قبيل تنصيب الوالي الجديد وزيارة رئيس الحكومة للمنطقة- باحتمالات حدوث انفلات أمني قادم، ولكن حدثت الأزمة وسجل الجميع فيها جملة من التجاوزات الخطيرة لحقوق الإنسان والمواطن والرموز والحرمات والخسائر المادية والمعنوية، بسبب التعامل غير المحترف، المقصود أو العفوي من طرف السلطات العمومية الأمنية والإدارية المعنية ؛ حيث يلاحظ أن التدخل الأمني والإداري المحلي والمركزي لإيجاد حل سلمي للأزمات الأمنية المحلية لم يكن يتم في المراحل الأولى لبداية شراراتها، والتي كانت في بريان(2007م)، بذريعة إطلاق مفرقعات، وفي مليكة (2012م)، بذريعة إقامة سور مقبرة، وأخيرا، في القرارة(2013م) بذريعة مباراة كرة قدم، وفي غرداية (2013م) بذريعة سرقة محل تجاري خاص، واحتجاج على توزيع قائمة الاستفادة من السكنات. فقد كان أسهل وممكن جدا في كل جميع تلك الحالات أن تتدخل المصالح المعنية الأمنية والقضائية والإدراية بالتعاون مع فاعلي المجتمع المدني وفي المهد، لحسم الأمر ؛ ولكن واقع الحال يشهد بأن الأحداث تُركت -فيما يبدو عمدا- لتتصاعد مخلفة ضحايا وخسائر مادية ومعنوية معتبرة، وفي الأخير شهدنا ونشهد كيف تتدخل يد أجهزة ممثلة للسلطات العمومية بحسم يؤدي إلى التهدئة، فالتصالح، فبعض التعويض، فالتطبيع للوضع، في سيناريو مكرور وممجوج.

إن المشكلة في جميع الأزمات السابقة أن جزءا متفاوتا من المواطنين المحليين وقعوا -بل بالأحرى أوقعوا- في نفس الفخ مرات عدة، فخ الاستعداء والتكاره والتصارع والتقاتل والتنابز والتقاطع والتدابر بدعوى الانتصار لتنوعاتهم العرقية والإثنية والمذهبية الدينية واللغوية الطبيعية المعترف بها دستوريا ودينيا وحقوقيا، فخرج من تلك الأحداث جزء هام من السكان الأصلاء منهك القوى ومشوه المعنويات ومهشش المواقف سياسيا، ومشهرا به إعلاميا، في وضعية القابلية للاسترجاع والتوظيف والاستحمار السياسي، عبر عمليات المنح والمنع لجزء من الريع النفطي والسياسي قبيل أو بعيد الاستحقاقات المختلفة. كما أن جزءا من المقيمين في تلك المدن وجدها فرصة للنهب والتخريب وتصفية الحسابات وقطع الطريق واهتبال فرصة الانهماك العام في الكر والفر، لتعزيز المواقع واكتساب النقاط على حساب الجميع أو على حساب جزء هام من المجتمع المحلي الأصيل. بينما وجدها جزء من الفاعلين السياسيين فرصة لرفع رصيده السياسي وشعبيته الجماهيرية باعتباره المنافح عن الحقوق والواقف على حمى استرجاع المظالم، ومصائب قوم عند قوم فوائد.

إن العنف الهوياتي المحلي الذي يراد صنعه والعداوات الوهمية المصطنعة المفبركة والمبرمجة محليا ومغذاة مركزيا، تقف وراءه عدة عوامل مفسرة ومحركة، منها: أزمة المشروع الوطني ووقوعه رهينة اللوبيات المالية السياسية المتنافسة على الريع والسلطة، وتهافت الديمقراطية الصورية وفداحة الحداثة المشوهة ومشكلة التدين غير الأصيل والعاطفي ؛ ومنه فشل سياسات الهوية القائمة على مفهوم الهوية والوحدة المنمطة، فضلا عن التأثير غير المراقب والمتفلت للانفجار الاتصالي والإعلامي المتنامي.

وفي هذا السياق وباختصار شديد، ينبغي أن نقرر مسألتين في العلوم السياسية تقف وراء دورية العنف الهوياتي المحلي:
أ)- أن النظم الديمقراطية تحل الأزمات، لأن منطق الصندوق والشرعية بالمرصاد للحكام ؛ بينما النظم التسلطية تعتاش من الأزمات، لأنها لا تحتكم إلى لغة الشرعية الانتخابية الحقة. وقد ظلت أزمة الرئيس أزمة مزمنة في تاريخ الجمهورية الجزائري الحديثة والمعاصرة منذ فجر الحركة الوطنية، مرورا برئاسة الحكومة المؤقتة ومؤتمر طرابلس وأخيرا معضلة الرئاسة وانقلاباتها وشرعيتها المهزوزة في حقبة الاستقلال الخمسينية كلها تقريبا. حيث أن منطق قانون القوة وشرعية القوة الفضة كان دائما الفيصل والغالب لا قوة القانون.

ب)- أن وضعية الرداءة الهيكلية لنوعية المؤسسات المحلية والوطنية، التي تظهر أكثر ما تظهر سوءاتها مع اقتراب جميع الاستحقاقات الرئاسية التي تتسم عادة برهانات مصالحية ضخمة، تتطلب من العصب المتصارعة المافيوية حول كعكة السلطة المركزية، التضحية ببعض “العُشب” المواطني لضمان الانقضاض على حصتها أو التفاوض بشأنها أو الاستمرار في الاستحواذ عليها كلها مرة أخرى. وهكذا يتكرر المسلسل السلطوي المركزي وتتكرر المأساة المجتمعية المحلية، ويسوق الجلادون ضحاياهم السذج إلى نفس المذبح، فداء للشهوات السلطوية والمصالحية المفداة، ثم بعد ذلك تذيع الإذاعة والقناة الوطنية، أحاديث الوعظ والإرشاد المكرورة الممجوجة، تدعو إلى التسامح والفضيلة ونبذ الفرقة والاعتصام بحبل الله وحبل الوطن، ثم تعقبها أغنية رابح درياسة: “أنا جزائري، أنا أصلي واضح…”.

وطالما أن النسق المحلي والوطني بل والكوكبي ظل وسيظل مدى التاريخ السياسي يدار بتحريك أشكال مختلفة من العنف تحقيقا لمزيد من اهتبال السلطة والثروة، فإن الأزمات من أي نوع ستحدث وربما تكررت نفس الأزمات لكن بإخراج جديد، والمشكلة أن المواطن الغلبان سرعان ما ينسى ولا يتذكر الدروس. فلذلك وجب أن يتعلم المواطن البسيط وكافة الفاعلين المسالمين أفرادا ومنظمات وشركات وأمما، كيف يبنون فرديا أو جماعيا استراتيجية البقاء واقفين وبكرامة وبقدرة كافية على النماء والاستمرار ؛ وذلك عبر تعلم واستخدام فن وعلم مقاومة سياسات “الاستحمار المباشر وغير المباشر” بتعبير عالم الاجتماعي الديني الإيراني الشهيد علي شريعتي. وأن يتعلم كيف يُلزم نفسه ومَنْ تحت مسؤوليته بمجموعة من المبادئ المرجعية لسياسة الأزمات والتراجيديات والمآسي أيا كانت، سواء أكانت تهديدا أمنيا(إرهابا أو قلاقل واعتقالات) أو أزمة بيئية (فيضانات) أو اقتصادية(إفلاسات وحرائق وأعمال نهب) أو سياسية (انقسامات وصراعات) أو صحية أو نفسية(سكري أو ضغط دموي)، عامة أو شخصية، بشرط أن تطبق تلك المبادئ المرجعية، وفق منهجية علمية لا تتعامى عن البديهيات والمسلمات التاريخية والمنطقية، ومع التمسك بالحق في اختيار مجموعة من التحالفات والموازنات والتكييفات بما يتماشى وتغيرات موازين القوى ؛ وذلك كله وفق الدليل المعياري الذي اقترحه الخبير الاستراتيجي الفرنسي جاك أتالي في كتيب جدير بالاهتمام بعنوان: “سبع دروس من أجل الحياة، كيف نتغلب على الأزمات”، الصادر بالفرنسية سنة 2009م. وتتمثل تلك المبادئ المرجعية المعيارية السبعة فيما يلي، باختصار ودون شرح:

1)- تقدير الذات وتغليب إرادة الحياة ؛
2)- بلورة صورة مكثفة عن المستقبل المرغوب البعيد المنشود ؛
3)- الشعور بالآخرين مهما كانوا خصوما وتفهم ثقافتهم ومصالحهم ونمط تفكيرهم.. ؛
4)- الاستعداد النفسي والعقلي والجسماني والمادي لمقاومة آثار الأزمة تمهيدا للخروج من نفقها ؛
5)- التمتع بالروح الإيجابية والإبداعية خاصة تجاه الأزمات الهيكلية مثل أزمة مجتمعاتنا المحلية والوطنية والكوكبية الراهنة ؛
6)- الاستعداد للتغير الجذري في حال استفحال واستمرار الأزمة الهيكلية ؛
7)- الأخذ بأسلوب التفكير الثوري في الشكل والوسيلة والمحتوى، لكن من دون التنكر الكامل للذات.

في نهاية الأمر: “كن أنت التغيير الذي ينتظره العالم.” يقول الزعيم الحكيم السياسي المهاتما غاندي، ولكن من دون إراقة دماء وهتك للحرمات. والآن، هل نحفظ الدرس، أم نظل نكرر الخطأ تلو الخطأ، ونقع في الفخ نفس الفخ، يا سكان غرداية الأصلاء ويا مواطني جزائر الأحرار.

د. قاسم حجاج

مقالات ذات صلة

‫4 تعليقات

  1. Thank you Dr Houdjaj for this great article, but the question is who dare to say i'm here to build this strategy, as everybody ask for a real strategy but nobody come with a proposal a real proposal, i think Mrd Mahather in Malaysia and Med Khatoun In Bangladesh and other great leader, come with a strategy~We really need to some great leader sacrifice for our new generation.

  2. إن العنف الهوياتي المحلي الذي يراد صنعه والعداوات الوهمية المصطنعة المفبركة والمبرمجة محليا ومغذاة مركزيا، تقف وراءه عدة عوامل مفسرة ومحركة، منها: أزمة المشروع الوطني ووقوعه رهينة اللوبيات المالية السياسية المتنافسة على الريع والسلطة، وتهافت الديمقراطية الصورية وفداحة الحداثة المشوهة ومشكلة التدين غير الأصيل والعاطفي ؛ ومنه فشل سياسات الهوية القائمة على مفهوم الهوية والوحدة المنمطة، فضلا عن التأثير غير المراقب والمتفلت للانفجار الاتصالي والإعلامي المتنامي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى