عبر مستفادة من محنة القرارة (2)

بسم الله الرحمن الرحيم
عبر مستفادة من محنة القرارة (الجزء الثاني)
عاقبة الظالمين في كلام ربّ العالمين
شدّني من خلال ما قيل عند أحداث القرارة الأليمة أغلب المتحدثين عنها ولا سيما القنوات الرسمية يذهبون مباشرة إلى البحث عن الأسباب والعلل المؤدية إلى تلك الأحداث التي تجاوزت الأعراف الشرعية والاجتماعية والإنسانية، بما يوحي إلى المتتبّع المهتمّ بأنّ الحرص على ذكر المبررات واستخلاص الأسباب كاد يطغى على تجريم الفعل والفاعلين، والضرب على أيدي البغاة الظالمين، وكان الأولى بنا أن نعود إلى كتاب ربّنا باعتبارنا مسلمين، نستلهم منه الرُّشد، ونستضيئ به للوصول إلى القصد ونبحث في آياته عن الحلول التي شرعها ربّ العالمين، لأنّ معالجة هذه الآفات هو الرجوع إلى الحكَم العدل الذي هو كتاب الله وسنة رسوله، فهو الثابت الذي لا يتغير بتغيّر الظروف والأحوال، وتقلّب الأقوال والأفعال.
وقد جاء في كتاب الله أن من أفظع الظلم إعراض المؤمن عما جاء في كتاب الله من الهدى والشـرع المبين بصيغة أفعل التفضيل للدلالة على خطر هذا الإعراض والابتعاد عنه في قوله: {وَمَنَ اَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِئَايَاتِ رَبـِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا} [الكهف: 57] وفي قوله تعالى: {وَمَنَ اَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ} [البقرة: 140] من هنا جاء حرصي على معالجة هذا الحدث الخطير من هذا الجانب الأهم راجيا أن يكون عبرة وذكرى للمؤمنين، فقد أمر الله رسوله وأمرنا بالتالي بالتذكير {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُومِنِينَ} [الذاريات:55]، {فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمينَ} [الأنعام: 68].
إنّ المتأمل في القرآن الكريم يلحظ بجلاء كثرة ورود كلمة الظلم وما اشتق منها من الأفعال، الماضي (ظلم) والمضارع (يظلم) منسوبا في كلّ حالة إلى ضمائر المفرد والجمع المذكر والمؤنث، كما جاء الفعل على صيغة المبني للمعلوم (ظَلَمَ) والمبني للمجهول (ظُلِم) وجاء في صيغة المبالغة فعّال (ظلاّم) وفعول (ظلوم)، مما يدلّ دلالة قاطعة على اهتمام شديد في كتاب الله بهذا الموضوع الخطير، ولعل ذلك إيحاء من الله لعباده المؤمنين ليحذروا من الاتصاف بخلّة الظلم في جميع أعمالهم وكلّ تصرفاتهم لأنّ الاتصاف بالظلم مهما يكن نوعه سبيل إلى القضاء على الحضارة والعمران، وقد أباد الله حضارات سادت قرونا عندما اتصفت بهذه الصفات فأصبحت عبرة للمعتبرين، وآية للعالمين.
إنّ من صفات المؤمن الأساسية أن يتحلى بالوداعة والأمان وينأى بنفسه عن كلّ ما يُشين أخلاقه بل عقيدته الإيمانية التي من أهمّ ركائزها حبه لأخيه المسلم لا يظلمه ولا يحقره، وأنّ إيمانه لا يكمل إلاّ إن أحبَّ لأخيه ما يحبّ لنفسه، ومن سمات هذا الحبّ الربّاني تورّعه وحرصه على ألا يسيء لإخوة الإيمان بشيء، إذ كل المسلم على المسلم حرام دمه، وماله، وعرضه كما جاء في الحديث الشريف.
ومن ثَمّ فإن من أهم صفات الذين آمنوا: الأمن والأمان لأنفسهم، ولأهليهم، ولإخوانهم، وجيرانهم، ولمواطنيهم ولإخوانهم المسلمين في كل أصقاع الأرض، بل يتسع ذلك ليشمل إخوانهم في الانسانية جميعهم، فعلى قارئ القرآن أن يتدبر قوله تعالى في سورة الأنعام النيرة التي نزلت يشيعها سبعون ألف ملك لمكانتها العظيمة في تأكيد ما ينبغي أن يكون عليه المؤمن الموحد عقيدة وسلوكا، واقرأ قوله تعالى: {الذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ اُوْلَئِكَ لَهُمُ الاَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} [الأنعام: 82].
وأحسب أن أول وقفة مع هذه الآية الشريفة ربطها بين الأمان والإيمان ربطا محكما، فالخطاب يعين أول ما يعني “الذين آمنوا” الذين أخلصوا عبادتهم وإيمانهم لله لا يشركون به أحدا من خلقه مهما يكن شأنه، ولم تشب عقيدتهم هذه شائبة من شرك، وهو ما عبرت عنه الآية “بظلم” كما حدد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووضحه عندما احتار الصحابة رضوان الله عليهم في فهم كلمة الظلم هنا وما المقصود بها، مشفقين على أنفسهم من أن يكون الظلم الذي فهموه هو ظلم العباد صغيرا كان أم كبيرا، هينا أم خطيرا، فأوضح لهم رسول الله بأن الظلم الذي يعنيه الله هنا هو الشرك الذي وصفه في آيات أخرى بأنه “ظلم عظيم”، {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13]، فمن سمات العقيدة الصحيحة إذَا الابتعاد عن الظلم في كل مستوياته وكل مجالاته، كما وضح القرآن ذلك في الكثير من سور القرآن الكريم على النحو الذي سنوضحه في هذا البحث إن شاء الله.
الظلم لغة واصطلحا:
جاء في لسان العرب في مادة “ظلم” ما يلي: ظلم، الظُّلْمُ: وضع الشيء في غير موضعه، ومن أمثال العرب: من أشبه أباه فما ظلم، وفي المثل أيضا: من استرعى الذئب فقد ظلم، فوي حديث ابن زمل لزموا الطريق فلم يظلموه أي لم يعدلوا عنه، يقال أخذني لطريق فما ظلم يمينا ولا شمالا.
وأصل الظلم: الجُورُ ومجاوزة الحد، ومنه حديث الوضوء: فمن زاد أو نقص فقد أساء وظلم، أي أساء الأدب بتركه السنة والتأدب بأدب الشرع،.. وفي التنزيل العزيز: {الذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ} [الأنعام: 82]، قال أهل التفسير: لم يخلطوا إيمانهم بشـرك.. والظلم مصدر حقيقي، والظلم الاسم يقوم مقام المصدر كذلك.
والذي يعنينا هنا هو استخدام القرآن الكريم لهذه المفردة “الظلم” نتملاها من خلال آياته، ونبحث عنها في جميع صيغه وصولا إلى معانيها الشريفة من كلام رب العالمين.
وأول المعاني وأكثرها تداولا لمعنى الظلم في القرآن هو مجاوزة الحد والتعدي على حقوق الآخرين وبذلك ربط القرآن بين الظلم وتعدي الحدود في آية محكمة صريحة حيث قال: {وَمَنْ يَّتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: 229]، وقال في آية أخرى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة: 45]، ونفى عنهم الفلاح والرشد في أكثر آيات القرآن، {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [الأنعام: 135]، كما نفى عنهم الولاية والنصرة في الدنيا قبل الآخرة: {وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُم مِّنْ وَّلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} [الشورى: 8]، {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنَ اَنصَارٍ} [البقرة: 270]، ونفى عنهم الهداية في أكثر من آية من آيات القرآن، وأنهم في ضلال مبين {وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [آل عمران: 86]، {وَيـُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَآءُ}[إبراهيم: 27]، {وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا} [الإسراء: 82].
وحرَّم عليهم حبَّه وحكم عليهم بالسخط واللعنة المؤبدة في قوله تعالى: {وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [آل عمران: 57]، وفي قوله {وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [آل عمران: 86]، وفي قوله تعالى: {فَأَذَّنَ مُؤَذِّنُم بَيْنَهُمُ أَن لَّعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [الأعراف: 44]، فما هي مستويات الظلم الواردة في القرآن الكريم؟
المتأمل في كلام رب العالمين يلحظ أن معاني الظلم جاءت على مستويات ثلاثة:
–المستوى الأول: ظلم الإنسان لربه بأن يشرك به شيئا من مخلوقاته.
وهذا من أفظع الظلم وأخسِّه على الإطلاق والذي حكم الله فيه بأنه لا يغفره أبدا، {يَا بُـنَيِّ لاَ تُشْـرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشّـِرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13]، {اِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُّشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَالِكَ لِمَنْ يَّشَآءُ} [النساء: 48]، فأي الظلم أعتى من أن يكفُر هذا المخلوق الضعيف بربه الذي خلقه ورزقه وسواه في أحسن تقويم فيجحد نعمه عليه بأن يشرك بربه أحدا من مخلوقاته أكان ذلك من الجمادات أم من الأناسي أم من الجن؟ لذا فإننا نلحظ بأن القرآن الكريم وصف هذا النوع من الكفر بالظلم الشديد ، وجعله سببا لإلحاق الهلاك بالأفراد والأمم، {وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَىآ إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} [القصص: 51] {فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ} [العنكبوت: 14]، {وَمَا يَجْحَدُ بِئَايَاتِنَآ إِلاَّ الظَّالِمُونَ} [العنكبوت: 49]، {فَبُهِتَ الذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: 258]، فنفى عنهم الهدى نفيا قاطعا، كما نفى عنهم محبته ورضاه فذيَّل أكثر من آية من آيات القرآن بقوله: {وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ}، ووصفهم بأنهم ملعونون دوما وفي النار هم خالدون {هَؤُلآَءِ الذِينَ كَذَبُوا عَلَىا رَبـِّهِمُ أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [هود 18].
وعندما نتتبع قصص الأمم التي أهلكها الله فأبادها وسوى بها الأرض نجد أن إهلاكها على ذلك النحو الفظيع الذي قضى على حضاراتها إنما سببه هو كفران نعم الله عليهم بأن أشركوا به، ثم لأنهم كذَّبوا الأنبياء المرسلين إليهم الذين دعوهم إلى توحيد الله ونفي كل أنواع الشرك عنه، واتخذوا آيات الله المنزلة إليهم هزؤا عتوا منهم واستكبارا. فقوم نوح مثلا عاقبهم الله بالطوفان بعد أن أرسل إليهم نوحا يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عاما، لأنهم ظلموا بشركهم كما جاء ذلك في العديد من الآيات التي تحكي قصتهم ومن ذلك قوله تعالى وهو يحكي لنا نهايتهم بعد استواء سفينة نوح على الجودي: واستوت على الجودي: {وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } [هود 44] فوصفهم بالسحق والهلاك الأبدي لأنهم قوم ظالمون.
وجاء بعدهم قوم عاد الذين قال فيهم رسولهم هود {وَاشْهَدُوا أَنـِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْـرِكُونَ} [هود: 54]، فكذَّبوا هودا وأنكروا رسالته، بل إنهم أنكروا البعث {إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} [المؤمنون 37].
ولما أعياهم أمرهم، وأيس من رجوعهم إلى جادة الحق المبين رفع يديه داعيا {قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ * قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ} [المومنون: 39، 40]، فكيف كان الجزاء؟ إنه المحق الكامل والإبادة التي لم تبق من هذه الحضارة العظيمة إلا الغثاء كما وصفه القرآن نفسه {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَآءً فَبُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [المومنون: 41].
ويحدد لنا القرآن القرى الظالمة بشركها وهي كثيرة حين جعلها عبرة لبني آدم في أطراف الأرض كلها، وهي آيات بينات تتحدث عن عاقبة القوم الظالمين المشركين {وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَّالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا اخَرِينَ * فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ إِذَا هُمْ مِّنْهَا يَرْكُضُونَ * لاَ تَرْكُضُواْ وَارْجِعُواْ إِلَىا مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ} [المومنون: 11- 13]، فما كان جواب هؤلاء الذين لم يتعظوا بمن سبقهم من الأمم الكافرة الظالمة البائدة؟ {قَالُواْ يَاوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَمَا زَالَتْ تِّلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّىا جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ} [الأنبياء 14- 15]، وهذا الحكم يشمل كل من أشرك بالله ولم يخلص له العبادة والتوحيد مهما يكن العصر والزمان أكان الشرك خفيا أم ظاهرا، ووصفهم بالصفة نفسها، وذلك ما جاء صريحا في آية أخرى {وَمَنْ يَّقُلْ مِنْهُمُ إِنِّيَ إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَالِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَالِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 29].
–المستوى الثاني: ظلم الانسان لأخيه الانسان.
لعل أول صورة يذكرها القرآن من ظلم الإنسان لأخيه الإنسان هي صورة قابيل في اعتدائه على أخيه هابيل بقتله حسدا منه وطغيانا، وكانت أول جريمة تنتهك حرمة الإنسان الذي حرم الله دمه، وذلك كما جاء في سورة المائدة حيث يقول هابيل مخاطبا أخاه قابيل الظالم {لَئِنم بَسَطْتَّ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْـتُلَنيِ مَآ أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْـتُلَكَ إِنِّيَ أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ(28) إِنِّيَ أُرِيدُ أَن تَبُوأَ بِإِثْمِي وَإثْمِكَ فَتَكُونَ مِنَ اَصْحَابِ النَّارِ وَذَالِكَ جَزَآؤُاْ الظَّالِمِينَ} [المائدة: 28 – 29]، ومن ثم أصبح تعدي قابيل على أخيه وزرًا يتعذب به كلَّما قُتل إنسان على وجه البسيطة أبد الآبدين لانتهاك حرمة من أعز حرم الله، وهي دم الإنسان وروحه، {مَن قَتَلَ نَفْساَم بِغَيْرِ نَفْسٍ اَوْ فَسَادٍ فِي الاَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً} [المائدة: 32]، ويكفي الباغي الفاسد إثما أن يكون مصيره كمصير القاتل حين قرن الله بين القتل والفساد في الأرض كما تدل على ذلك الآية السابقة، نسأل الله العافية.
لعل من أبرز مشاهد القرآن في وصف ظلم الإنسان لأخيه الإنسان ما كان عليه فرعون الجبار الطاغية حين علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم، وكان من المفسدين، وقد حدد القرآن صفاته الظالمة حين كفر وألحد بربه، ثم حين عتا وتجبر على خلق الله باستعباد بني إسرائيل وادعائه الألوهية غير مكترث بآيات الله ومعجزاته: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الاَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَآءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَآءَهُمُ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 4].
وعندما خرج موسى خائفا يترقب هاربا من بطش فرعون وظلمه، لم يصفه في دعائه وهو يرفع يديه إلى السماء إلا أن نعته قائلا {رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [القصص: 21]، وبتلك الصفة نفسها نعته شعيب عندما آوى إليه موسى ليطمئنه ويحضنه فردًا عزيزًا في أهله قائلا {لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [القصص: 25].
وفي حوار موسى لفرعون بعد أن أرسله الله نبيا ورسولا هو وأخاه هارون ردد الوصف نفسه على مسامع فرعون حين خاطبه قائلا: {وَقَالَ مُوسَىا رَبِّيَ أَعْلَمُ بِمَن جَآءَ بِالْهُدَىا مِنْ عِندِهِ وَمَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [القصص: 37].
وعندما حان وقت القصاص العادل جاء جزاءً وفاقًا من عند الله, فأغرقه الله في اليم هو وجنوده وملأه الظالم ليكون عبرة للمعتبرين, وليبقى آية في الأولين والآخرين, ولخصت الآية الكريمة القصة كلها بداية ونهاية في قوله تعالى {وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الاَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنـَّهُمُ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ * فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ} القصص: 39، 40].
واهتمام القرآن بقصة موسى وفرعون بتلك التفاصيل في العديد من سور القرآن، حتى تكاد قصة موسى وفرعون وقصة موسى مع بني إسرائيل من أكثر القصص ورودا في القرآن، إنما يعود فيما نحسب إلى ما فيها من عبر لبني البشـر حتى يتخذوا منها نموذجا و مثالا للاعتداء والظلم والجبروت وكيف تكون النهاية خزيا للظالمين, و نصـرة للمتقين، {اِنَّا لَنَنصُـرُ رُسُلَنَا وَالذِينَ ءَامَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الاَشْهَادُ * يَوْمَ لاَ يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} [غافر: 51، 52].
وبعيدا عن هذه القصة المؤثرة نجد مشهدا رائعا من مشاهد القرآن العظيم خصصه الله سبحانه وتعالى لأولئك الذين يظلمون إخوانهم من بني الإنسان بالتعدي على حقوقهم وممتلكاتهم، ويصف ما ينتظرهم من عذاب عظيم في الآخرة، حيث يخسـرون -جزاء ظلمهم وتعديهم على الناس وعلى أهليهم- يخسرون أنفسهم في جهنم، بل هم يخسـرون أهليهم أيضا جزاء وفاقا.
وحدد القرآن بأسلوب بياني واضح ما ينبغي أن يكون عليه المؤمن عندما يتعرض لظلم أخيه الإنسان محددا في الوقت نفسه صفات الذين آمنوا قائلا: {وَالذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِـرُونَ * وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلَمَنِ انتَصَـرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ * اِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الاَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ اَلِيمٌ} [الشورى: 39- 42]، فإن الله سبحانه وتعالى لا يقبل لعبده المؤمن الخنوع للذل والإستكانة للظلم ولا يقبل له السكوت والاستسلام للبغاة المفسدين, وقد أذن الله لعباده المؤمنين الانتصار لحقوقهم, والأخذ بالثأر من ظالميهم, ولكن بشرط عدم التعدي حين أخذ الحقوق وإلا صاروا هم أيضا بغاة مثل الطاغين عليهم، فحدد الانتصار من الظلمة بقوله: {وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا}، على أن الدرجة المثالية عند الله هي العفو والصفح، لأن الله لا يحب الظالمين أساسا لا نظرًا إلى أسباب الظلم وبواعثه كما نفعل نحن الآن، حين نحكم أهواءنا وقوانيننا الوضعية الناقصة مبتعدين عن شرع الله وقوانينه، والمؤمن المنتصر لحقه لا يعد عند الله متعديا ولا باغيا ولا متجاوزا، إنما الباغي هو الذي يتصف بهذه الصفات ابتداء، وهي التي يكرهها الله ويمقتها ويُعدُّ لها العذاب الأليم في الآخرة. وهنا يكرر الله محبته واصطفاءه وتفضيله للمؤمن السمح الكريم الذي يصبر على أذى أخيه احتسابا للأجر عند الله، ويضع الله هذا المؤمن الذي يتصف بهذه الصفة في أعلى درجات القبول، لأنه يتحلى بصفة من صفات أولي العزم من الرسل حين يقول {وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَالِكَ لَمِنْ عَزْمِ الاُمُورِ} [الشورى: 43]، ولا يخفى ما في هذا التعبير من أدوات التوكيد الجازمة، فإذا كانت تلك هي منزلة المؤمن الصابر الغافر، فإن صفة الباغي الظالم على العكس، إذ يقدمها في مشهد مروع فظيع يستعيذ منه كل مسلم يخاف عذاب الآخرة ويشفق منه، ويفصل موقفهم يوم الحساب والجزاء بأسلوب تقشعر منه الأبدان وتشمئز منه الأنفس عافانا الله ونجانا، قائلا: {وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلِ اِلَىا مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ * وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ} [الشورى: 44، 45].
هذه هي صورة أولئك الظلمة الذين يتعدون ويبغون على إخوانهم في الدين والإنسانية في الحياة الدنيا، حيث تنقلب صورة -الجبروت والطغيان والظلم- إلى صورة مقابلة عكسية تماما جزاءً وفاقًا، إنَّها الذل والصغار والاستكانة، وهم يُعرضون صباح مساء على النار لا يكادون يرفعون أبصارهم مما هم فيه من الانكسار والعذاب، إنه عذاب جسدي وعذاب نفسـي معا، في حين يكون الذين آمنوا والذين علموا حدودهم فاحترموها ووقفوا عند حقوقهم ولم يتجاوزوها إشفاقا من هذا المصير وهم في الحياة الدنيا محتسبين أجرهم وصبرهم وعفوهم عند الله، هؤلاء يقولون وهم في جنات النعيم في استبشار وفرح عندئذ {إِنَّ الْخَاسِرِينَ الذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلآَ إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ} [الشورى: 45].
–المستوى الثالث: ظلم الإنسان نفسه.
قد نتساءل وكيف يظلم الإنسان نفسه؟ أجل إنه العاصي الذي يعصي ربه يكون قد ظلم نفسه قبل أن يظلم ربه بعصيانه ذلك، فإن الله قد صرَّح في العديد من آية القرآن الكريم {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْـئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [يونس: 44]، {وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبـُّكَ أَحَدًا} [الكهف: 49]، {سَآءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الذِينَ كَذَّبُوا بِئَايَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ} [الأعراف: 177].
وقد وصف الله مستويات العباد من طاعة الله، فوصف العصاة بأنهم ظالموا أنفسهم حيث يقول: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقُم بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَالِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} [فاطر: 32]، فنهم إما عاص لجرأته على الله وعلى نفسه فغلبت عليه سيئاته، وإما مقتصد وقد استوت حسناته وسيئاته، وإما سابق بالخيرات وقد رجحت كفة حسناته على سيئاته بإذن الله وتوفيقه ومعونته، وذلك هو الفضل الكبير.
وقد وصف الله الذين اتبعوا أهواءهم بغير علم ظالمين {بَلِ اتَّبَعَ الذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَآءَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الروم: 29]، وأن الله سيؤاخذهم يوم القيامة جزاء ما كسبت أيديهم من سيئات، {وَالذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلآَءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ} [الزمر: 51].
فالإنسان العاصي الذي يجرؤ على معصية الله إذا هو ظالم لنفسه قبل أن يكون ظالما لربه، لأن الله لا تنفعه الطاعة كما لا تضره المعصية، إذا هو غني عن طاعتنا كما قال تعالى: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمُ إِن شَكَرْتُمْ وَءَامَنتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا} [النساء: 147]، وقال: {فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبـِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} [النحل: 40].
عاقبة الظالمين:
إذا كان معنى الظلم في كلام رب العالمين هو “الجور وتجاوز الحد”، فإن معنى ذلك أنه يشمل كل ما من شأن هذه الصفة في كل المستويات التي ذكرناها ،في كل علاقات الإنسان مع ربه، ومع غيره، ومع نفسه. ومن ثمَّ فإنَّ الجزاء في هذه المستويات كلها واحد لا يتخلف، الذي هو عذاب النار أعاذنا الله، {اِلاَّ مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [الفرقان: 70]، {اِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُّشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَالِكَ لِمَنْ يَّشَآءُ} [النساء: 48]، {وَمَنْ يَّعْمَلْ سُوءًا اَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا} [النساء: 110]، {فَمَن تَابَ مِنم بَعْدِ ظُلمهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [المائدة: 39]، وكلامنا هنا عمن ظلم ولم يتب توبة نصوحا، ولم يرد المظالم لأصحابها وأصر على ظلمه، فإن مصيره حسب القرآن والشريعة الإسلامية العذاب الأليم دنيا وأخرى، والعياذ بالله. وقد رأينا ونرى صباح مساء نهاية الظالمين في مشارق الأرض ومغاربها، ويكفي الظالم خزيا أنه جعله الله في زمرة الكافرين الذين أعد لهم العقاب الشديد، {وَسَيَعْلَمُ الذِينَ ظَلَمُواْ أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} [الشعراء: 227]، وسيعاقبهم الله يوم الآخرة بما يستحقون من جراء ما اكتسبوا في الدنيا من ظلم: {ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ} [يونس: 52]، وعندما يرون جزاءهم الشديد المرعب، يتمنون أن لو يفتدون ذلك بملء الأرض ذهبا، ولكن لات ساعة مندم، ولا يجزيهم ذلك شيئا ليبعد عنهم عذاب النار، ولا يظلم ربك أحدا، إذ الجزاء الأخروي من جنس العمل الدنيوي، {فَالْيَوْمَ لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلاَ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [يس: 54]، }وَلَوَ اَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الاَرْضِ لاَفْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِـيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} [يونس: 54] ، {الْيَوْمَ تُجْزَىا كُلُّ نَفْسِم بِمَا كَسَبَتْ لاَ ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [غافر: 17].
والقرآن الكريم مليئ بهذه المشاهد التي تذكر المؤمنين بعدالة رب العباد وقسطه في الحكم بين عباده، ويوضح الله لنا حيث يقول عن جلاله وعظمته وهو الخالق الرازق بأن الله لا يظلم الناس شيئا أكانوا في الدنيا أم في الآخرة، وقد بدأ بتحريم الظلم على نفسه فكيف يرتضيه لعباده؟ أولم يقل على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، «ياعبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا».
ويتكرر في القرآن في أغلب سوره ذكر المصير المرعب الذي ينتظر الظالمين وما أعده الله لهم من عذاب أليم في مشاهد وصور تقشعر منها الأبدان {وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا اَلِيمًا} [الفرقان: 37]، {وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ} [الزمر: 24]، {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ} [غافر: 18]، {تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعُم بِهِمْ} [الشورى: 22]، {وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلِ اِلَىا مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ} [الشورى: 44].
ومن عظيم سخطه وانتقامه من الظلمة أن يكون مصيرهم في الآخرة مع إبليس اللعين! وهل أفظع من أن يكون مصير الإنسان مع الشيطان في نار جهنم والعياذ بالله وكأن الله يقول للظلمة: مصيركم مع هذا الذي كنتم تفضلون مصاحبته، وتستمعون لإغوائه، وتتبعون خطواته، {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلاِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّيَ أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَآ أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَالِكَ جَزَآءُ الظَّالِمِينَ} [الحشر: 16، 17]، ذلك أن الله حكم وحكمه نافذ بأن الظالمين بعضهم أولياء بعض، فكما كان بعضهم يساند بعضا في الدنيا، ويعين بعضهم بعضا في المنكر والظلم، بالتعدي على حرم المسلمين مالا وعرضا ونفسا حين كانت السلطة الدنيوية بأيديهم، فإن الله سيعاقبهم جزاء هذا التعاون والاستبداد حين يجمعهم مع إخوان الشياطين في عذاب النار، يوم تكون السلطة بأيدي الواحد القهار وحده لا شريك له، {وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} [آل عمران: 25].
نسأل الله أن يباعد بيننا وبين القوم الظالمين، بأن يحفظنا من أذاهم ومكرهم في الدنيا، وأن يجعلنا من المتقين الصابرين المحتسبين المتسامحين الذين قال فيهم {أَلآَ إِنَّ أَوْلِيَآءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * الذِينَ ءَامَنُوا وَكَانُوا يَـتَّـقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَىا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الاَخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَالِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [يونس: 62- 64] والحمد لله رب العالمين.
الراجي عفو ربه: محمد صالح ناصر
الأبيار: صباح الأربعاء 08 صفر 1435هـ/ 11 ديسمبر 2013م
المصدر: مركب المنار



