ملاك! (قصة واقعية)

هي قصة لسيدة كالملاك… من وادي مزاب، أعرفها من زمان من خلال الفيسبوك، وحدث أن جمعتنا معا عدة محطات حوارات شيقة استطعتُ من خلالها أن أتعرف عليها أكثر حتى بدت لي السيدة متميزة بوعيها وفهمها للحياة.
شدني فضولي لأتعرف أكثر عن جوانب دقيقة من حياتها وخاصة طفولتها فلبّت طلبي دون تردد لما تحمله لي من ارتياح وود (متبادلان)… حكت لي تفاصيل حياتها التي أحببت سردها حتى تكون نموذجا وعبرة لمن يرى ويعتبر… وعما جاء عن لسان أختي ملاك أن قالت:
شاء القدر أن تفارق والدتي الحياة في سن مبكرة حيث فارقتني -رحمها الله- شهرا واحدا بعد إنجابها لي وبقيت إلى اليوم أتحسّر على فراقها وأتألم إذ لم أنل سوى قسطا قليلا من حنانها، لكن الله عوضني بحنان آخر… فمباشرة بعد وفاة والدتي تكفلت خالتي بي وأخذتني في حضنها الدافئ وربتني مثل ابنتها وأكثر.
وقد كانت فرحة لا توصف يوم حصلت بتفوق على أول شهادة تعليمية لي، شهادة الابتدائي، حين كنا نقيم في ساحة الشهداء بقلب العاصمة الجزائر وكنت أدرس بإحدى مدارس القصبة وسط العاصمة… استمر النجاح تلو النجاح بفضل الله ودعم أمي”خالتي” وزوجها الذي كان بمثابة الأب الحنون لي وابنتهما الكبرى التي كانت ولا تزال منبع حنان لا ينفذ بالنسبة لي…
كنت أدرس وأتفانى في دراستي وفاء لذكرى والدتي التي أشعر دوما بوجودها قربي تضع يدها الحنونة على كتفي كلما تعبت واشتقت إلى روحها الطيبة؛ كنت أتخيل ملامحها وأتفانى في رسم صورة جميلة لها في مخيلتي -رغم كوني لم أعرفها يوما قط- وعرفانا لحب خالتي التي كانت خلفا للأم الغالية، ظلت لسنوات تحتضنني وترعاني وتحرسني من كل شر؛ وإكراما لوالدي الذي لم ينساني رغم البعد وإقامته في ولاية بعيدة… حفظ الله آبائنا وأمهاتنا وتغمد برحمته الواسعة من توفي منهم.
أكملت دراستي حتى نلت الباكلوريا شعبة علوم… وكان لخالتي دورا هاما في الوقوف إلى جانبي للالتحاق بالجامعة قسم علم الاجتماع ولم أندم على التجربة الثرية، التي زادت من صقل شخصيتي وأكسبتني خبرة أكبر بالحياة.
فبعد أن أكملتُ مرحلة الليسانس وتخرجت من الجامعة، لم أكن حريصة على البحث عن عمل بل فضلت أن أصقل مواهبي في الطبخ بأنواعه وأشغال يدوية ساحرة كتعلم “الكروشي” و”الطرز” و”الرسم على الحرير” و”الخياطة”…إلخ لأنني مؤمنة بأن المرأة بحاجة لكل هذه الأمور وغيرها لتنجح في حياتها ولتؤدي دورها المنوط بها كسيدة مجتمع…
لم أعمل ولم أبحث عن وظيفة وإنما فضلت الاستقرار لبناء أسرة بعد أن وجدت الشخص المناسب الطيب الذي عوضني كثيرا عن الحرمان، وكان ولا يزال نعم الزوج والحمد لله… يملأ حياتي بهجة ويبذل ما بوسعه لإسعادي لإسعادي، وشاء القدر أن نهنأ معا ونسعد لكن…
لكن قدر الله أيضا… نعم قدر الله أنه وبعد مرور عدة سنوات من الزواج، أن لا أنجب ولا نرزق بأطفال… كان قرارا إلهيا صعبًا على النفس مُرّا مرارة العلقم وقد أمضيتُ ليالي طوال وأنا أصلي وأدعو الله سبحانه أن يرزقني بابن أو ابنة تكتمل بهما سعادتي وتتحقق من خلالهما أمومتي…
لكن الوضع ظل كما هو ولم يتغير شيئا إلى أن حدث يوما أن استجاب رب العالمين لدعائي… نعم، فقد وجدت نفسي فجأة محاطة بـ 34 طفلا وطفلة وأصبحت أمًّا لهم أُعلّمهم، أربّيهم، أحنّ وأعطف عليهم، وأرعاهم حق الرعاية…
نعم، كنت أصلي وأطلب طفلا واحدا فرزقني الله سبحانه وتعالى 34 طفلا، بنات وبنين، حدث ذلك يوما ما بعد أن قدر الله أن تتعرض بلدتي الغالية إلى هجوم وتخريب سبب مآسي كثيرة مازالت ماثلة للعيان، وكانت مدينتي أول مدن مزاب تتعرض لما تعرضت إليه من أزمات متلاحقة وحدث ما حدث بعد ذلك من انقسام وقطيعة أُجبرنا عليها فلم يعد بالإمكان -على الأقل في الوقت الحالي- مخالطة من من شأنه الغدر والتخريب، حينها فقط تحرك بداخلي شعور داخلي يدعوني للتقدم إلى مسابقة التوظيف لألتحق بسلك التعليم خاصة بعد أن أرسل إليّ القائمين على أمر متابعة توظيف أساتذة جدد لتغطية العجز المسجل رسالة يطلبون مني فيها التقدم إلى مسابقة التوظيف لألتحق بسلك التعليم.
طلبت الإذن من زوجي فوافق وشجعني على ذلك، وفعلا تقدمت وبفضل الله وتشجيع بعض الإخوة والأخوات نلتُ مرتبة مشرفة في التصنيف، ففي فترة مكوثي في البيت كنتُ دائما أدرس وأعمل على تنمية قدراتي بل أصبحت أتقن اللغات الأجنبية بشكل جيد (1)…
وتمت بعد ذلك جميع الخطوات الروتينية الرسمية من تكوينات وتحضيرات لبداية العام وانطلقتُ، والحمد لله شهر سبتمبر الماضي في عالم التدريس في مدرسة ابتدائية قريبة من مكان سكني، وبهذا أصبحتُ أمًّا لـ34 طفلا، ذكرا وأنثى وتحققت أمنيتي بالأمومة وأصبحت أشعر أن أيامي أغلى، وأجمل حيث أني أساهم في بناء مجتمعي وتربية جيل الغد على أسس صحيحة وسلوك قويم.
وما قامت الأمم إلّا بتربية قيم صحيحة مستقيمة في أبنائها، وأشعر فعلا أني الأنسب لهذه المهمة النبيلة فأنا الأحق بها، وغيري ليس أفضل مني ولم يعد مُمكنا أن أظل مكتوفة اليدين من غير شغل ولا عمل أراقب الحياة تمر ولا أتحرك فيها.
هذا هو واقع إمرأة قوية وواعية، آمنت بدورها في بناء مجتمعها، وحملت على عاتقها، مثلها مثل أخيها الرجل على حد سواء، مهمة الاستخلاف في الأرض بالبناء.
تحياتي لك أختي الملاك، تشرفتُ أن اخترتني، أنا شخصيا، لتحكي لي قصة النجاح والعطاء والمشاركة والتميز والإبداع…
———————————
(1) هذا صحيح وأؤكد عليه فحين أتحاور معها، عادة ما أعتمد الفرنسي، فتجيبني بطلاقة بفرنسية ممتازة ومن النوع الرفيع!
كتابة: أ.فافة الشيخ صالح
مراجعة وتصحيح: ملاك، بطلة القصة




أحببتك رغم أني لا أعرفك.. لم أكمل الاسطر الاخيرة -والتي تمنيت لو أنها لا تنتهي- إلا وأنا ادعوا الله لك بتحقق أمنيتك.. أسلوب الأخت -الغالية فافة- الراقي في الكتابة، وتفاصيل القصة التي تنبض صدقا وايمانا وروحا -افتقدها الكثير في هذا الوقت- جعلني أسرح بفكرى سائلة نفسي: وأنا ماذا قدمت لمجتمعي في رخائه وشدته؟؟
الله اختراني في هذا المجتمع وفي هذا العصر واستخلفني وسيأتي اليوم الذي يسألني فيه ماذا قدمت أنت؟؟؟
بورك فيكما ملاك وغالية وكثر الله من أمثالكما في مجتمعنا وهدانا للاقتداء