من وحي القلمواحة المعرفة

المزابيّون حماة لحمة ودعاة وَحدة

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الميزابيّون حماة لحمة ودعاة وَحدة

الفكر الوحدوي الذي نُشِّئَ عليه الميزابيّون، والجماعيَّة التي طبعت سلوكهم، والعقيدة الرّاسخة التي أُشْرِبُوها حتّى الثُّمالة، والأخوّة التي ترسّخت في قلوبهم وعقولهم…هذه القيم السّامية والأساسية في السّير السويّ في الحياة، جعلت منهم كيانًا لا يقبل التّفريط في المقوّمات، ولا يرضي أن يصاب في انتمائه، ولا أن يمسّ فيما يربطه بأرضه وفكره وعلاقاته مع من يتّصل بهم بصلة، خاصّة من يقاسمه الدّين، ويشاركه الأرض. لذا كان الميزابيّون ويظلُّون متمسّكًين بلحمة الدّين، ووَحدة التّراب. لن يساومهم أحد في هذا المسلك، ولن يحاورهم فرد في هذا المسار، ولن يغيّر من مواقفهم شيء ممّا يحدث لهم، أو يجرّون إليه…. الشّواهد على ذلك كثيرة، من التّاريخ القديم والحديث، ودلائله ومظاهره قائمة في الواقع المعيش في الجزائر: الوطن العزيز الغالي.

يمكن الإشارة إلى موقف واحد في هذه الصّفحات، هو دور الإمام الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض – رحمه الله – في قضيّة فصل الصّحراء عن الجزائر، الذي يمثّل موقف الميزابيّين في موضوع الانتماء والارتباط والولاء والوفاء، وينقل حقيقة ما يدور في حناياهم وطواياهم وزواياهم..

يوم 12 من جوان 1959 قام جاك سوستال بزيارة ميزاب لدراسة أوضاع الصّحراء، بعد التّقارير التي قُدِّمتْ للسّلطات الفرنسية عن وضعية الصّحراء المزرية، وسوء معاملة الاستعمار الفرنسي لسكّانها,, فبعد أن قدّم تقريره عمّا عزمت الحكومة الفرنسية فعله لتحسين الأوضاع، وتنفيذ بعض المطالب المقدّمة، أجابه الإمام الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض – رحمه الله – (باسمه ونيابة عن الميزابيّين): “..إنّي أشكرك على هذه الزّيارة لتطَّلع في عين المكان على حالة هذه المنطقة…عندما اقترحْتُ إلحاقَ ميزاب بالجزائر رأسًا، أخذتُ بعين الاعتبار كون الغالبية العظمى من سكّان ميزاب كانت وجهتُهم نحو الشّمال في جميع عمليّاتهم التّجارية، ومعاملاتهم الأخرى وحركاتهم الدِّينية والماديّة والأدبية كالمساجد والمقابر والمحاكم الشّرعيّة، وليس لها شيءٌ من ذلك في الجنوب”. أجابه سوستال: “nous vérrons” (أعمالي في الثّورة، ص: 61، 62).

أخذ الجنرال ديغول قضيّة فصل الصّحراء بحزم وجدّ، وجعلها مسألة كرامة فرنسا وعزّتها وقوّتها وهيمنتها على المنطقة، لا يمكن التّفريط في هذا ولا التّنازل عن حقّها في حيازة الصّحراء وضمّها إلى ترابها وممتلكاتها..فطلب من مستشاره أوليفي قيشار Olivier Guichard دراسة ملفّ الصّحراء بعمق وعناية خاصّة..

كبرت المؤامرة، وأحكمت الخطط، واشتدّت الأزمة، وبان الخطر على مستقبل الجزائر كلّها؛ بالسّير بخطًى حثيثة لاقتطاع جزء مهمّ من ترابها..” وبدأت نوايا الاستعمار تتّضح في فصل النّواحي في الصّحراء عن الأوطان التّابعة لها، وتأكّد هذا الاتّجاه عند الفرنسيّين لمّا استفحلت حرب التّحرير الجزائرية، وبعد أن استقلّت تونس والمغرب، فكان أن وافق البرلمان الفرنسي في 10 من جانفي 1957 على تكوين المنظّمة المشتركة للنّواحي الصّحراوية (ocrs)، والغرض منها كما نصّ القانون استثمار الصّحراء والتّوسّع الاقتصادي ورفع المستوى الاجتماعي للمناطق الصّحراوية التّابعة للجمهورية الفرنسية.” (لقطات من تاريخ الولاية السّادسة ومسألة الصّحراء، المركز الثّقافي الإسلامي، بسكرة).

يتطلّب التّحرّك لمقاومة هذه المؤامرات والمناورات، تخطيطًا محكمًا، وتدبيرًا قويمًا، ووقوفًا حازمًا، ونضالاً مستميتًا، يقود كلَّ ذلك رجالٌ أكفاء، يتمتّعون بِحِسٍّ وطني كبير، وفكر وحدوي أصيل، ونظر شمولي للقضيّة الصّحراوية؛ في حاضرها ومآلها، في عمقها الاستراتيجي بالنّسبة لمستقبل الجزائر كلّها: وَحدةً ترابية وفكرية وحضارية شاملة..

فكان لها الوطنيّون الكبار، الذين لبسوا الوطنيّة دروعًا تقيهم ضربات المجهزين عليها من الأعداء بمختلف أشكالهم وألوانهم وأطيافهم, واتّخذوا من حبّ الوطن حصنًا منيعًا يصرفهم ويحميهم من كلّ استلاب واغتصاب لأرضهم وما يملكون عليه…

من هؤلاء المناضلين الشّيخ إبراهيم بيّوض الذي وقف موقفًا حاسمًا حازمًا صارمًا في قضيّة فصل الصّحراء عن شمال الجزائر، رافضًا ومقاومًا كلّ محاولةِ سلبِ الوطن الجزائري قطعةً منه. هذا الوطنيّ المجاهد الذي قال عنه عبد الله بن طوبال، وزير الدّاخلية في الحكومة المؤقّتة للجمهورية الجزائرية، مثمّنًا دوره في القضيّة: “…أصبح طرفًا مهمًّا في الكفاح ضدّ الاستعمار، إذ أصبح عرصة في قضيّة المحاولة الفرنسية لفصل الصّحراء عن بقيّة التّراب الوطني…استطاع الشّيخ بيّوض الإمام والزّعيم الرّوحي أن يجرّ الصّحراء الجزائرية في القضيّة التّحريرية (أي القضيّة المشار إليها)، وبعد ستّة أشهر من ذلك دعانا ديغول إلى طاولة المفاوضات، فكانت في البداية (إيفيان) ثمّ (مولان) ثمّ (إيفيان) مرّة ثانبة، التي توصّلنا بها إلى استقلال الجزائر والصّحراء” (الشّيخ بيّوض والعمل السّياسي، ص: 150، 151).

رشّحت الحكومة المؤقّتة المناضل الوطني الشّيخ بيّوض ليقوم بدور المحافظة على وحدة التّراب الوطني بمقاومة كلّ محاولة لفصل الصّحراء عن الجزائر وإلحاقها بفرنسا؛ لكفايته السّياسية، ووطنيّته المتميّزة، ومكانته في قومه وبني وطنه..فكان الشّيخ بيّوض ومنطقته وادي ميزاب من خير من يقوم بدور المحافظة على الصّحراء جزائرية. يقول عبد بن طوبال: “…إنّ دور غرداية (المنطقة) هو الذي كان حاسمًا في الموضوع. وغرداية تعني الشّيخ بيّوض.” (المرجع السّابق، ص: 152).

حاولت فرنسا ضرب الوحدة الوطنيّة بإشاعة أخبار كاذبة، والقيام بحرب إعلامية، إذ نشرت خبرًا في جريدة (ليبراسيون Libération) الفرنسية أنّ وفدًا ميزابيًا سافر إلى باريس، وطلب الانفصال عن الجزائر، وإقامة جمهورية صحراوية؛ كذبًا وزورًا وبهتانًا (فكذّابو الأمس هم كذابو اليوم، والزّور والبهتان طبيعة النّفوس الشّريرة السّفيهة الأفّاكة. فكما دحضت مؤامرات أعداء الأمس سقط في أيدي أوغاد اليوم) وعلم القاصي والدّاني زيف هذه الدّعوى.

تصدّى الشّيخ بيّوض لهذه المؤامرة وخاطب الحاكم الفرنسي. قائلاً: “وقلت بالحرف: إنّني ممثّل الأغلبيّة السّاحقة من بني ميزاب، والصّحراء جزء لا يتجزّأ من الجزائر، قديمة لم تتغيّر، ولن تتغيّر، وقد دافعت بحرارة عن توحيد السّياسة الإدارية بين الجنوب والشّمال؛ لأنّها قطر واحد بِخطب ونشريات ودعايات قبل صدور الدّستور الجزائري، وقبل انتخابات المجلس الجزائري، ودافعت عن الفكرة ضدّ الانفصاليّين من فوق منبر المجلس الجزائري، حتّى اضطرّت الحكومة الفرنسيّة إلى إرسال لجنة بحث إلى ميزاب، فكانت مظاهرات، وكان لنا معها جولات، وبعد نحو عام أرسلت لجنة أخرى برلمانية لنفس الغرض، جيث لم ترضِها النّتيجة الأولى، فكانت النّتيجة كذلك، إنّ ميزاب لا يريد بأيّ ثمن فصله عن الجزائر، ثمّ أكّدتُ له أنّه لا يوجد مطلقًا أيُّ وفدٍ في باريس يتكلّم باسم ميزاب، وأنَّه لن يستطيع أحدٌ أن يجرُؤَ على التّكلّم باسمه إلاّ من اختارته الأمّة بنفسها.”( أعمالي في الثّورة، ص: 32، 33).

هذا هو موقف الشّيخ بيّوض ووادي ميزاب في مسألة فصل الصّحراء عن الوطن الجزائري: الرّفض القاطع لكلّ تجزئة للتّراب الجزائري، والتّصّدي لكلّ تفرقة بين أبناء الشّعب الواحد. هذا ما أكّدته جريدة المجاهد، اللّسان المركزي لجبهة التّحرير الوطني الجزائرية:”فالصّحراء الجزائرية جزء من الجزائر، والميزابيّون الجزائريّون مثلا كغيرهم من سكّان أقطار الجنوب الآخرين، جزء من الأمّة الجزائرية، وخير دليل على ذلك مشاركتهم الفعّالة في كفاح التّحرير.” (جريدة المجاهد،ع:2، ص: 38، 39).

أصدر الجنرال ديغول أمره بفصل الصّحراء عن التّراب الجزائري يوم: 02 من  ديسمبر 1960. ثمّ أوفد مسؤولاً كبيرًا إلى وادي ميزاب، فجمع الأعيان الميزابيّين، وقال لهم: ” إنّ فرنسا ترغب منكم أن توافقوا على تأسيس جمهورية صحراوية مستقلّة، على غرار جمهورية موريطانية، وإنّها تعدكم بالتّأييد والحماية. وأخبرهم أنّه أمر أيضًا بإبلاغ هذه الرّغبة إلى بعض الشّخصيّات الصّحراوية، أجابه الأعيان بأنّهم سيدرسون الأمر، ويجيبونه بعد حين.”(الشّيخ بيّوض والعمل السّياسي، ص: 72، 73).

مارست فرنسا مع الشّيخ بيّوض سياسة الإغراء، ونهجت معه أسلوب التّطويع والتّليين؛ محاولة منها إقناعه قبولَ الطّلب، بصفته الشّخصيّة المحورية والأكثر نفوذًا في المنطقة، والأصعب محاورة ومفاوضة في الموضوع، فأغرته بالمال والنّفوذ وبسط السّيطرة على الصّحراء..فلم تَجِدْ منه استجابة، ولَمْ تُجْدِ مُحاولاتُها، ولم تنل منه ما تريد. إذ أجاب الشّيخ موفد ديغول بدهاء سياسي وتملّص ذكيّ…قائلاً: ” بما أنّ الصّحراء تضمّ خليطًا من السّكان: بني ميزاب والمخاليف والشّعانبة وغيرهم، فالجواب على طلبكم لا يكون إلاّ عن طريق استفتاء حرّ، فالقضيّة قضيّة الجميع، لا تخصّنا نحن الميزابيّين…”(نبذة من حياة الميزابيّين…ج1، ص: 19)

تحرّك الشّيخ بيّوض لإجهاض المحاولات التي قامت بها السّلطات الاستعمارية لتمرير مشروعها، وبخاصّة لقاء المسؤولين الفرنسيّين ببعض الشّخصيات الصّحراوية.. قام الشّيخ بالاتّصال بهذه الشّخصيات لتنسيق الجهود معها، ولتنبيه بعضها، لخطر المشروع، حتّى لا تقع في فخّ المؤامرة المحبكة في القضيّة.

هذه الخطوات الجريئة كانت محلّ تقدير وتثمين من الرّجال المخلصين للوطن، والعارفين أقدار العاملين الجادّين، ولا يدرك عظمة الرّجال إلاّ العظماء في تفكيرهم وسلوكهم، وتصرّفاتهم وحبّهم الشّديد للخير وللوطن. قال الدّكتور محمد العربي الزّبيري: ” ولقد تمكّن أبو بكر حمزة من جعل عدد من الشّخصيّات الصّحراوية يحضرون أوّل لقاء في مدينة الأغواط من أجل إدخال مشروعه حيّز التّنفيذ (مشروع إقامة الجمهورية الصّحراوية المستقلّة ذاتيًّا)، لكنّ الشّيخ بيّوض أجهض العمليّة، واتّصل بالحكومة المؤقّتة للجمهورية الجزائرية، يحيطها علمًا بتفاصيل الموضوع، ويستصدر الأوامر اللاّزمة لإفشال مساعي التّقسيم” (ديغول …والصّحراء، ص: 17)

نهض الشّيخ بيّوض فقام بواجبه الدّيني والوطني، لبسقط مشروع التّآمر على وحدة التّراب الوطني، وكان من وسائله التّوعية والتّذكير بالواجب الدّيني والوطني نحو الوطن بكلّ مقوّماته، قال لإخوانه في النّضال والوطنيّة: ” إنّ ديننا وكرامتنا ووطنيّتنا لا تسمح لنا مطلقًا بأن ننفصل عن إخواننا الجزائريّين في الشّمال، وأنّه من الخير لنا ولأبنائنا أن نربط مصيرنا بمصير الجزائر كلّها…وأن نجيب كلّنا بكلمة واحدة: إنّنا نريد أن نكون دائمًا جزائريّين، ومصير الصّحراء هو مصير الشّمال الجزائري، ولا نقبل الانفصال عنها في أيّ حال من الأحوال.” (أعمالي في الثّورة، ص: 80).

أثيرت قضيّة فصل الصّحراء عن الشّمال في المجلس الاقتصادي بورقلة في خريف 1961، تدخّل الشّيخ بيّوض، وقدّم عرضًا عن القضيّة، وأفاض في حيثيّاتها، وكان ممّا قاله مخاطبًا رئيس المجلس: “سيّدي الرّئيس، إنّ مجلسنا مجلس اقتصادي بحت، ينظر في ميزانية العمالة، فاختصاصنا لا يخرج عن دائرة المكاتب والمصحّات والطّرقات والمواصلات، وما أشبهها من الماديات، ولا يحقّ لنا مطلقًا في التّكلّم باسم الأمّة في أمر سياسي هامّ خطير، الحقّ فيه للأمّة بأسرها. ثمّ من جهة أخرى سيّدي الرّئيس، إنّ فرنسا لم تكن تستشيرنا يوم قطعت الصّحراء، وجعلت لها نظامَ التّراب الجنوبي الخاصّ، ولم تستشرنا يوم فصلت أجزاء من الشّمال، سمّتها أحوازًا ممتزجة. فهي تصل وتفصل، وتتحكّم كما تريد، بل أكثر من ذلك كنَّا نطلب أشياء من حقّنا، ونرفع أصواتنا بها، فلا تسمعها، حتّى في تطبيق قوانين سنّتها هي، ولا يخفاكم موقفنا في المجلس الجزائري في المطالبة بتطبيق دستورها. فإذا أرادت فرنسا اليوم أن تستشير فلتستشر صاحب الحقّ، وهو الشّعب الجزائري كلّه.” (أعمالي في الثّورة، ص: 35، 36)

جرأةٌ لا تصدر إلاّ من قلب شجاعٍ، يؤمن بواجبه الدّيني في الجهاد لصدّ كل عدوان على الوطن مهما يكنْ نوعه، وحسٌّ وطني لا يسكن إلاّ نفسًا أبيّة عصيّة على كلّ مكر ومؤامرة، وتدبيرٌ لا يأتي إلاّ من رؤية تتّصف وتصدر عن وَحدة وشمولية في المعالجة…هذه هي وجهة الشّيخ بيّوض ومن معه من أصدقائه وأبنائه الذين صنعهم على عينه، وِجْهَتُهُمْ قبلة الوَحدة والاتّحاد وعدم الابتعاد عن الحماعيّة في التّفكير والتّدبير والتّحرّك والنّظر إلى قضايا الوطن..

أكّد الشّيخ بيّوض لكلّ من حاوره وناوره وحاربه وجاوره… في موضوع قبول الميزابيّين بفصل الصّحراء بعامّة، ومنطقتهم بخاصّة عن التّراب الوطني الجزائري..وبيّن لهم بالتّاريخ والمنطق والواقع والمصير والمآل أنّ هذا العرض مرفوض جملة وتفصيلاً: “…لكنّهم كانوا يجدون منّي عودًا صلبًا لا يلين. وإنّما أحاورهم بالمعقول والمنطق. ومن أقوى ما اعتمدت عليه هو أنّ جذور حياة ميزاب متغلغلة في أعماق أرض الجزائر، وأنّ عروق اقتصاده ضاربة في كلّ بقعة من بقاع أرض الجزائر منذ قرون قبل أن تقدموا أنتم إلى هذه البلاد، وأنّه مدين للجزائر في بقائه، وفي الحصول على الوسائل التي قاوم بها الطّبيعة القاسية في بلاده ولا يزال، فلن يستطيع الميزابي أن يرى نفسه يومًا ما أجنبيًّا في الجزائر، ولئن جاء ذلك اليوم – لا قدّر الله – فإنّه يوم القضاء المبرم على بني ميزاب. بهذا المنطق كنت أَدْفَعُ محاولاتهم، فرجعوا بخفّي حنين والحمد لله.” (أعمالي في الثّورة، ص: 38، 39).

انفصال ميزاب عن الجزائر هو قضاء مبرم على حقيقة الميزابي الجزائري المتجذّر بعروقه في وطنه الجزائر. ما يريد تأكيده الشّيخ بيّوض – نقلاً لتفكير الميزابيّين وشعورهم، وتعبيرًا عن معتقدهم في الموضوع – أنّ انتماءهم إلى الجزائر أصيل، وعلاقتهم بالوطن متأصّلة، وارتباطهم بأرضها وثيق، وتمسّكهم بترابها – وحدةً لا تنفصل عراها -،أمر لا مساومة فيه ولا منازعة.

هذا الدّور الذي قام به الشّيخ بيّوض في مسألة فصل الصّحراء عن الشّمال الجزائري، حظي يتقدير الوفد الذي أوفدته قيادة الولاية السّادسة إلى منطقة وادي ميزاب سنة 1961.(الوفد متكوّن من السّادة: أحمد طالبي، وسعيد عبادو، وعثمان حامدي، ورشيد الصّائم). فقد اعترفوا بنضال الشّيخ بيّوض، وبمواقفه المشرّفة في القضيّة، بعد أن اقتنعوا بوجهة نظره، الذي كان رافضًا طَلبَ فرنسا  موافقتَه فصلَ الجنوب عن الشّمال.

النّتيجة التي أسفرت عنها كلّ المحاولات التي قامت بها السّلطات الفرنسية لتليين موقف الشّيخ بيّوض والميزابيّين للقبول بالمشروع يوضّحه السّيّد رضا مالك، النّاطق الرّسمي للوفد الجزائري في مفاوضات إيفيان، وصاحب كتاب ” الجزائر في إيفيان L’ Algerie a Evian “: ” سمعت من أوليفي قيشار مستشار برئاسة الجمهورية الفرنسية أنّ الجنرال ديغول أرسله إلى الصّحراء سنة 1960 ليتّصل بالميزابيّين، بعرض عليهم تكوين مملكة ميزابية، كما كلّفه بالاتّصال بسكّان تمنغاست لنفس الغرض. ويقول أوليفي قيشار: اتّصلت بالشّيخ بيّوض إبراهيم بغرداية لهذا الغرض، فرفض هذه الفكرة وهذا العرض رفضًا قاطعًا، وقال له الشّيخ بيّوض: إنّ منطقة مزاب جزء لا يتجزّأ من التّراب الجزائري.” (المرحلة الانتقالية للثّورة الجزائريّة…، ص: 381 ).

كان للشّيخ إبراهيم بيّوض – رحمه الله – دور كبير وأساس في المحافظة على صحراء الجزائر ملكًا لها، والإبقاء على وحدة التّراب الوطني، لم يدّخر جهدًا، ولم يستسلم لأيّ ضغط، ولم ينجذب لأيّ إغراء وتغرير للتّفريط في حقّ الحفاظ على سلامة الوطن الجزائري من الاستلاب، بالدّفاع عن ارتباط جنوب الجزائر بشماله. يقول عبد الله بن طوبال: ” فإنّ الفضل يعود إلى الشّيخ بيّوض في إنقاذ وحدة التّراب الوطني وبقاء الصّحراء بكلّ خيراتها جزائرية. وبدونه كان يمكن أن تستمرّ الثّورة عقدًا آخر، ومرّة أخرى أقول: إنَّ دور غرداية (المنطقة) هو الذي كان حاسمًا في الموضوع، وغرداية تعني الشّيخ بيّوض.” (الشّيخ بيّوض والعمل السّياسي، ص: 152)

يقول بسّام العسلي: “…ونزل الشّيخ بيّوض إلى ميدان الجهاد الجديد، وقاد معارك كبرى ضدّ فصل الصّحراء عن الشّمال، استمرّت ستَّ عشرة سنة كاملة (من سنة 1947 إلى سنة 1962)، وكان رجال النّهضة في ميزاب كلّهم حنده وأنصاره في معاركه السّياسية الكبرى، فالتفّوا حوله، وهم يستنكرون فصل الصّحراء عن الوطن الجزائري.” (عبد الحميد بن باديس وبناء قاعدة الثّورة الجزائرية، ص: 218، 219).

هذا هو فكر الميزابيّين، وهذا هو موقفهم، من مسألة الوحدة الوطنيّة: أرضًا وفكرًا ونشاطًا، وتماسكًا وتآزرًا، وعلاقات تضمن العيش في أمن وسلام ووئام ومحبّة وإخاء..، وصدَّا ومقاومة لكلّ من يسعى لإحداث فرقة بين أفراد الشّعب الجزائري.. بأيّة وسيلة، وفي أيّ مجال، وبأيّة حجّة وذريعة..

الشّعب الجزائري أمّة واحدة، وترابها ملك لجميع أبنائها، وتاريخها تراثهم. فلنتذّكر جميغًا قول شاعر الثّور الجزائرية: مفدي زكريّاء في أثناء الثّورة الجزائرية المظفّرة ولنَسْتوعِبْه: (اللّهب المقدّس، ص: 283):

نَحْنُ في هَذهِ الجزائِرِ إِخْــــــــوا           نٌ، جِرَاحاتُنَا الثَّخينةُ حَمْــــــــــــــــرَا

لُحْمَةُ الضَّادِ، والعُروبَةِ، والتَّــــــا           ريخِ، والدِّينِ، آيُ رَبِّكَ كُبْـــــــــــــــرَى

إنّ الميزابيّين حُماة لُحمة، ودعاة وَحْدَة، ورعاة أخوَّة

الجزائر يوم الأحد 24 من ربيع الأوّل 1435هـ / 26 من جانفي 2014م

الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى