الحاج لخضر قارة في ذمة الله.. آن للمحارب أن يستريح

هو الأخضر بن باحمد بن حمودة بن عمر بن علي ﭭـارة، ولد بتاريخ 31 ديسمبر 1918 بعين بسام البويرة.
ابتدأ دراسته بمسقط رأسه، لينتقل بمعية والده وأخيه صالح إلى غرداية سنة 1928، درس القرأن والسور الأولى على يد شيخه أنذاك، ثم واصل دراسته في مدرسة “تاجوين” بصحبة الشيخ حمو فخار رفقة مشائخ آخرين” الحاج صالح بابهون”، “الحاج باحمد يحكوب”، “الحاج إبراهيم الجودي”، حيث تعلم القرآن بطريقة عتيقة جدا عن طريق الإملاء وخط الألواح.
ختم القرآن وهو شاب يافع، وفي الثلاثينيات أنشئت مدرسة الإصلاح “بايزي”، هو من بين الثلة الأوائل الذين زاولوا التعليم فيها رفقة الشيخ حمو فخار، إبراهيم رمضان، بكير أملون، سليمان عدون، بنوح طباخ، دادي واعمر.
لينتقل بعد ذلك إلى تونس الخضراء مع الشيخ صالح بابكر وكان في استقباله رئيس البعثة الشيخ بنوح مصباح عام 1936م. نهل من علومها مدة 3 سنوات. لكن استدعاؤه للتجنيد كان السبب الرئيسي والعائق الأكبر في مواصلة مسيرته العلمية.
عاد إلى غرداية قُبيل عام 1939م أثناء اندلاع الحرب العالمية الثانية مع وفد من البعثة وهذا بعد غياب دام لثلاث سنوات بعيدا عن أهله وذويه.
التحق بالتعليم القرآني قسم حواشة عام 1939م ليتفاجأ أثناء ذلك بخبر الاستدعاء المجبر وألزم مباشرة للخدمة العسكرية في الناحية الثالثة لعنابة، فرع الدفاع ضد الطيران.
كانت البداية صعبة، خاصة التدريبات الشاقة التي تمرن عليها كالمشي على الأقدام حاملا الحقائب واللوازم الثقيلة لمسافات طوال مثلا: بين عنابة والقرى المجاورة وبعض التمرينات الجائرة على يد المستعمر، وبعد أشهر نُقل إلى أوروبا بين مختلف ثكنات الحرب، من الألزاس ومن ثم إلى ستراسبورغ ثم إلى ميونيخ بألمانيا من 1939م إلى عام 1945م في ظروف جد صعبة وقاسية، شهِد عدة معارك وجبهات قتالية ضارية نجا منها، وما رُويَ من بعض المشاهد: حادثة الباخرة التي أقلت كتيبته التي كان من المفروض أن يتواجد فيها إذ تخلف عنها بسبب صلاة العصر، ما إن غادرت الميناء حتى قصفت بالقنابل فَهلك من فيها جميعا غرقا، أو تلك التي نجا فيها بأعجوبة عندما كان هو وصاحبه في الخندق سويا، حان وقت الصلاة لِينفرد بعيدا لآدائها، إذ بقنبلة هوت على صاحبه فأردته أشلاء، لولا الألطاف الإلهية التي أبعدته.
مع العلم أنه كان يحسن استعمال الأسلحة بدقة، والرماية تصويبا، وكذا استعمال مدفعية الطيران بمهارة.
ومع الإشارة هنا وإِبان تواجده في الحرب فقد والده ولم يعلم بذلك حتى لعودته إلى أرض الوطن، وكان ذلك سنة 1945م مع انتهاء الحرب العالمية الثانية.
دخل معترك الحياة بقسنطينة معلما بمدرسة الهدى لمدة 6 سنوات، ثم عاد إلى مزاب واستقر فيها، ليتزوج هذه المرة وعمره 30 سنة وهو أب لـ11 ولدا: 6 ذكور و5 بنات.
لم يغادر فلك الدراسة هذه المرة وكان همه تعليم البنت في ذلك الزمان، نظرته الثاقبة لآفاق عنصر الإناث كانت قوية عنده، لذلك كان له الأفضلية والسبق في تعليم البنت وإعدادها للحياة من جميع الجوانب التثقيفية التربوية والفنية مع كل ماتحمله كلمة التحدي من معان إبان المراحل الأولى.
ومن ثمرات أعماله: نخبة من الطالبات اللائي صرن مرشدات مربيات و تمسيريدين منهن: على سبيل المثال لا الحصر:
المرحومة رمضان مسعودة، لالة نبوكرموش، جميلة حواش، زيلوخة باجو، لالة نبانوح مصباح، عائشة راسنعامة، مريامة بن زكري، وغيرهن من المرشدات والمربيات الصالحات في المجتمع.
مع العلم عند استحداث هيئة العزابة التابعة للإصلاح أوكلت له مهمة الإشراف وتكوين هيئة “إمسيريدن” التي خدمها لأعوام طوال.
وما انفكت تساوره هموم التربية والتعليم في تنشئة البنت والمرأة، هذه المرة في أوائل السبعينات عندما يسر الله له السبيل لدعوة زميله الشيخ ناصر مرموري (رحمه الله)، وكان سببا في استقراره وتوفير له المناخ له في غرداية لإعطاء دروس خاصة للنساء والمجتمع، ولقد ركز كثيرا في مسائل الطهارة عندهن.
ويجدر بنا أن لا نمر دون ذكر اهتمامه بالمجال السياسي، فكان حافلا بالمواقف المشرفة في نهاية الستينات عندما التحق بجبل بوكحيل للتدريبات الخاصة لإنشاء قواعد وأطر سياسية لتسيير دوالب الدولة بداية الاستقلال، وكان من بين أعضاء المنظمة المدنية لجبهة التحرير الوطني الولاية 6 المنطقة 3 ناحية 3 قسمة 59، مع رفقة رمضان الحاج إبراهيم وبابكر حمو بن باحمد، دادي واعمر الحاج إبراهيم، بابكر قاسم، يحي حواش وغيرهم.
كان من النشطاء في خلية الاعلام والتوجيه السياسي والاجتماعي للقرارات الصادرة من السلطات المدنية والشبه العسكرية آنذاك.
وميادين أنشطته كانت متعددة ومتنوعة لا نستطيع أن نتغاضى عن بعض منها كأعماله في الحج وأعماله في المجتمع والعشيرة:
أما عن الحج فكانت رحلته الأولى في الخمسينيات على متن الباخرة يرويها بكثير من ذكريات ومغامرات لا يتسع المقام لسردها وهي وقفة من أهم محطات حياته، لقد ساهم بأنشطة التوجيه والإرشاد وكان عضوا فعالا في بعثة الحج ومن بينها: مساهمته في عملية مراسم شراء دار العرش بجدة، يحمل في ذكراها كثيرا من آثار جميلة يشهد لها العام والخاص ممن رافقوه آنذاك.
الحاج لخضر و العشيرة: كان مصلحا للعديد من المجالات الاجتماعية والعادات التقليدية السائدة آنذاك مع صعوبة الأوضاع المحيطية والتنظيمية ولقد جاهد في هذا كثيرا وبصبر عال وبحكمة وتفان في خدمتها، وتوجيهه التربوي والتثقيفي وكان له أثر طيب في كيان العشيرة، شكر الله سعيه وأثابه على ذلك.
في الأخير وليس آخرا: أخلاقه المحمودة وحلم تواضعه مع تجارب حياته أكسبته ثقة عالية ومميزة لدى العام والخاص، أهلته لأن يكون ذا مساعي خيرة يشاد بها في المهام التي حملها بجدارة في إصلاح ذات البين وفض النزاعات والتقارب بين الناس منذ الوهلة الأولى في الستينيات وخاصة مناوشات 85 وبعض الأحداث الواقعة بالمنطقة وضواحيها، ومنها ما لايحب ذكرها. يذكره الله في الملإ الأعلى إن شاء الله.
توفي بغرداية يوم 10 أكتوبر 2020م إنا لله وإنا إليه راجعون
المصدر: صفحة الأستاذ فخار عبد الرحمن



