أحباب رحلوا عناإعلانات

تعزية: الأستاذ شريفي محمد (أستاذ بمدرسة المنار القرآنية) في ذمة الله

taazyahh

لقد ذهل العقل.. وتاه الفكر.. وجَفَّ الدمع.. وشحَّت الكلمات.. إذ نعينا في وفاة الأستاذ محمد بن مصطفى شريفي، ذلك المربي الذي وهب روحه التي هي أغلى ما يملك فداء أرواح تلاميذه ليحيوا من بعده ويرحل هو إلى دار البقاء..

كيف تحلوا الحياة وقد غادرنا العظماء، وكيف يطيب الكلام وقد سكت الخطباء، وكيف يَجِدُّ المسير وقد انطفأت الأضواء

حقا إن الموت مصيبة كما سماه خالقه: (فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ) وحقا إن الموت هادم اللذات كما سماه مدركه: «أكثروا ذكر هادم اللذات».

ولقد حيرنا هذا الموت، إذ نفتن به في أعزائنا في كل عام مرة أو مرتين، غير أننا مؤمنين بقضاء الله وقدره، وموقنين أن الموت قسمة، ليس لها وقت معلوم، ولا عمر معلوم، ولا مكان معلوم، ولا سبب معلوم.

غير أننا لا نقول إلا ما يرضي ربنا.

وبهده المناسبة الأليمة نرفع إلى الوالد الكريم: مصطفى بن محمد بن بالحاج شريفي وإلى كل عائلته وكل من عرفه وأحبه، هذه التعزية القلبية، سائلين الله تعالى أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته


أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

تعزية

(وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الاَمْوَالِ وَالانفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ(155) الذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا للهِ وَإنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ(156) أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبـِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ(157))

 الحمد لله الذي خلق الموت والحياة ليبلونا أيُّنا أحسن عملا، والصَّلاة والسَّلام على من مضت فيه سنة الأولين والآخرين، )إنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَيِّتُونَ( محمَّد بن عبد الله عليه وعلى آله أفضل الصَّلاة وأزكى السَّلام .

كَـذا فَـليَجِلَّ الخَطبُ وَليَفدَحِ الأَمرُ                 فَـلَيسَ لِـعَينٍ لَـم يَفِض ماؤُها عُذرُ

ببالغ الحزن و الأسى، والصدمة والفاجعة، نزل علينا كالصاعقة خبرُ وفاةِ أحدِ شبابنا الأطهار، وأبنائنا الأخيار، أخونا الكريم الأستاذ المثابر، الحبيب الطيِّب، شريفي محمد بن مصطفى بن محمد بن بالحاج، في صورة من صور الشهادة ، انتقل فيه إلى رحمة الله غرقا حيث ظفرت به الأمواج المسبحة فعانقت جسدا قرآنيا طاهرا وقلبا سليما من الأحقاد نقيا، ولسانا رطبا بالذكر لطالما ردَّد الآي في غير ملل على آذان البراءة.

هكذا تسلمه البحر  بعد أن ارتفعت روحه مع نسماته إلى مصاف الصالحين العاملين المخلصين في  مشهد تتداعى فيه ملامح الرضا والتوفيق وحسن الختام ولا نزكي على الله أحد، إنه من الأساتذة المعمرين في مسيرة مركب المنار والمدارس القرآنية، فهو أقدم أستاذ في مدرسة المنار، سلب قلب الإدارة بتفانيه وحبه للعمل، وصبره على شدائد التعليم، لكن كيف ذلك؟ وهو ذلك الشاب الهادئ الذي لا تسمع له لغوا ولا تاثيما، ولو مزاحا، ذلك الشاب الذي حيرنا في شخصيته التي جمع فيها ما كنَّا نقرؤه ولا نكاد نصدِّقه، قوة في ثوب الضعف، وشد في قمة الرفق ، وحزم في لين، ونشاط وفعالية في هدوء،  ترى فيه آية الفرقان جلية: )وَعِبَادُ الرَّحمن الذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الاَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَمًا(، نعم كم من قسم استعصى على المعلمين  دانت له رقاب تلاميذه ، كم  من قسم دوت فوضاه أرجاء المؤسسة فتسلمه، فلا تكاد تسمع لهم همسا.

شاب لاحظته العناية الربانية، صباحا يعمل في شركة السراج فكان حقا سراجا منيرا، وبالمساء مرابطا في مدرسة المنار، ينور العقول وينجيها من ظلمات الجهل والوهم ، سنينا عديدة في غير كل ولا ملل نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء، وهب عقله وعلمه وأخلاقه وراحته وتنازل عن عطلته الأسبوعية، وأنسه العائلي فداء لتلاميذه بعد عطاء طويل ومديد لم يروه ذلك شغفه للخير ونفع الخلق فأبى إلا أن يهب نفسه العزيزة فداء لإنقاذ أرواح بعض تلاميذه المتسللين إلى البحر في حين غفلة من الغرق المحقق، فأمسك الله روحه وأرسل أرواح التلاميذ إلى أجل مسمى،  فتوج الله مسيرته المباركة الحافلة بالعطاء القولي والفعلي  في سبيل انقاذ النفس العزيزة عند ربها، فتقبل منه النية والجهد فرزقه الشهادة في أروع صورها  مجاهدا مثابرا، في يوم الجمعة وما أدراك ما يوم الجمعة،  فلو لا ما خلف من طيِّب الذكر وحسن العشرة، وخلق حسن، وإلف وإيلافا لمعاشريه، لما استطعنا الصمود أمام ما خلفه من  فراغا رهيب، ووحشة، ورحيل دون اشعار أو إخبار، فكأنما كان يخشى على أولاده الضعف بعده، فاتقى الله فقلَّ كلامه، وكثر صمته، وحاول ألا ينطق إلا بالقول السديد، (وَلْيَخْشَ الذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيـَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا.)

حقا صدق من شهد له أنه  ممن سلم الناس من لسانه ويده، وكم رافقنا نحن أساتذة  مركب المنار في مسيرتنا العلمية وكم استأنسنا بأخلاقه، ونشهد الله على ذلك فألسنة الخلق أقلام الباري، فنرجو من الله أن يثيبَه عنَّا ويجزيه خير الجزاء، ويجعل تلك الأخلاق بذرة ستنمو مسبحة في قلوب أبنائنا تلامذته وطلابه، تمنح له عمرا ثان وذكرا حسنا و سببا لهداية الخلق فيظفر بجزاء الحقِّ بخير ما طلعت عليه الشمس، والعجب فيه أنَّنا كلما حاولنا استرداد صورته في مخيِّلتنا واستذكار ذكرياته، فلا تنقدح إلاَّ صوره وهو مبتسم، فكأنمَّا الغضب طبع تأباه تقاسيم وجهه، حقا حاولنا استذكار مشهد لغضبه فأبت الصور والذكريات ذلك، يا محمد لولا أنه أمرٌ حق، ووعد صدق، وأن آخرنا سيلحق أوَّلنا، لحزنا عليك حزنا هو أشد من هذا، فإنَّ العين لتدمع، وإن القلب ليخشع، وإنا على فراقك يا محمد  لمحزونون، و لا نقول إلا ما يرضي ربنا “لله ما أعطى ولله ما أخذ اللهم أجرنا في مصيبتنا واخلفنا خيرا منها إنا لله وإنا إليه راجعون”.

فبهذ المناسبة الأليمة المفطرة للقلوب، يتقدم مركب المنار بالحميز باسم إدارته وجميع وحداته، الدعوية، والتعليمية، أساتذة وتلاميذ ذكورا وإناثا، وباسم وحداته الاجتماعية، والرياضية، والإعلامية، والاقتصادية، بأحر عبارات العزاء والمواساة لأهله وزوجته، و رفقاء دربه، وزملاء عمله، سائلين الله أن يرحمه برحمته الواسعة، فاللَّهم اجعل له لسان صدق في الآخرينكما جعلت لنبيِّك وخليلك إبراهيم، وألحقه بالصالحين، ولا تخزه يوم يبعثون، وأكرم نزله، ووسع مدخله، ولا تفتنا بعده، ولا تحرمنا أجره، واجعله من ورثة جنَّة النعيم، وأصلح أولاده واجعلهم خير داع له ، يا أرحم الرَّاحمين .

 الجزائر يوم 16 رجب1435هـ/16/05/2014م

المصدر: موقع مركب المنار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى