التأليف المفتوح والتداول المعرفيُّ: بذور الرشد أمانة

يمرُّ عالم الأفكار في سياقنا الحضاري بمراحل خصبة، تكون فيها الفكرة مثمرة ولودا، حركية ديناميكية؛ وفي هذه الظروف تكون الأفكار معيارا صادقا على صحَّة المجتمع، ومؤشِّرا دقيقا على جريان دم الحياة في عروقه؛ ولا ريب أنَّ الفكرة لا يمكن وصفُها بالخصوبة إلاَّ إذا اكتسبت خاصيتين: خاصية السلاسة والانسياب والطلاقة، وخاصية الأثر والتمثل، والإثمار العمليِّ في واقع الناس.
أمَّا الخاصية الأولى، أي “السلاسة والانسياب والطلاقة”، فهي دليل كفاءة؛ وأمَّا الخاصية الثانية، أي “الأثر والتمثُّل والإثمار”، فهي دليل فاعلية؛ أي أنَّ المعتبر في المجموع هو “الصحَّة والصلاحية”؛ ذلك أنها إذا كانت صحيحة غير صالحة للاستعمال فقدَت معناها، وإذا كانت صالحة للنزول إلى الواقع غير أنها غير صحيحة، فستكون حمَّالة للفساد وللوباء، ولشتى أنواع الميكروبات والفيروسات.
ولو استعرنا من عالم الإنتاج والاقتصاد صورةً توضيحية، لقلنا: إنَّ اقتصار عملية الإنتاج على عدد من الموظفين، مهما كان مستواهم وكفاءتهم، سيصل بالمنتج إلى مسدِّ مغلق، وسيفقده التنافسية والإبداع، ذلك أنَّ عقول البشر محدودة بعددهم، ومحصورة بالتقاليد والأعراف والعادات والقناعات التي تحكم حركتهم؛ أمَّا إذا فتحت الفرصة لعدد أكبر من “الجمهور”، لكي يكون شريكا في التصميم والاقتراح، فإنَّ فرصا جديدة ستولد، وعالما جديدا سيفتح أمام الشركة الصناعية أو التجارية، مهما كانت نوعية منتجها. وبهذا يمكنها أن تجمع بين “الصحة والصلاحية” باعتبار مجالها طبعا.
يقرر بعض الخبراء أنه “إذا توفَّر للجمهور مجموعة مناسبة من الظروف، فسيتفوَّقون في كثير من الأحيان على أي عدد من الموظفين، وهي حقيقة تدركها، الشركات الآن وتحاول استغلالها يومًا بعد آخر” ويمثلون لذلك بما عرف في مجال البرمجيات باسم المصدر المفتوح (open source)، ولعلَّه “على نظام تشغيل لينكس لبرنامج خادم الآباتشي لمتصفح الإنترنت فايرفوكس، تأسست غالبية البنية التحتية لاقتصاد المعلومات على يد فريق من المتطوعين المنظَّمين ذاتيٍّا” (الجماهير بين المشاركة والإبداع، جيف هاو)..
ولو نقلنا “الفكرة والمفهوم” من عالم التسويق والإشهار والأنترنت، إلى عالم الفكر والمنهج وإنتاج المعرفة؛ فإنَّ المجال الذي يستحوذ على اهتمامنا هو تفسير كلام الله تعالى، مؤسَّسا على “نموذج الرشد”، فيما سمي بـ”بذور الرشد”.
والسؤال المحوري هو: هل سيحظى المشروع بـ”فريق من المتطوعين المنظَّمين ذاتيٍّا”، فيصلون به إلى سلَّم كونيٍّ، يليق بشرف كلام الله تعالى، وبالمسؤولية المنوطة بنا حياله؟ أم أنه سينتهي إلى مشروع يحوم حوله ثلة من المهتمين، وينكمش بالتالي إلى صفة محلية لا تليق بالمخاطب بكلام الله، أي العالَمين؟
من جهة اتخاذ الأسباب نذكر أنَّ فريقا من المهندسين قد طوَّر على مدى عامين، في آلاف من ساعات العمل، برنامجا تفاعليا “للتأليف المفتوح” عبر الشبكة، ولكن قبل ذلك طور فريق البحث العلميِّ مقاربة تفاعلية علمية عملية للآية القرآنية، تبدأ من “السؤال” باعتباره مفجِّرا للحركة، وتنتهي بـ”الفعل الحضاري الراشد” على صورة “تشغيل معرفيٍّ”، أو “تفعيل حركيٍّ”، بناء على سؤال الأزمة، الذي يركز على “حركية الفكر والفعل” في روح المبنى والمعنى.
غير أنَّ الرهان الحقيق، بعد أن تُفتح “مُنشأة” “نموذج الرشد” للجمهور، هو في مدى فاعلية وتفاعلية المستعمِل مع ما يُطرح من تداول يعترف بجميع مستويات القرَّاء، ولا يقصر المشاركة على المتخصص والعالم والباحث الأكاديمي فقط.
كيف ذلك؟
إنَّ أيَّ “متصفح مستعمِل لبذور الرشد” يحمل ولا شكَّ حول الآية التي يقرأها “سؤالا أو أسئلة”؛ ولم يسبق في حدود اطلاعنا، في التراث الإسلامي، أن كان “المفسَّر له” مشاركا فيما “يفسَّر من آيات”، إلاَّ ما كان في العهد الراشد الأوَّل، والقرآنُ الكريم يتنزل على المجتمع المسلم ضمن سياق حركيٍّ حضاريٍّ فاعلٍ، فكان السؤال قبل نزول الآية – أحيانا – سببا لنزولها، وبعد نزول الآية، سببا لأن يفسِّر الرسول عليه السلام، أو أحدُ الصحابة الكبار ذلك المعنى الذي سئل عنه، في بحر العمل والفعل، فيولد بالتالي تفسيرٌ للقرآن، لا بالظاهر اللفظي فقط، لكنه يولد ممزوجا بالعمل، وبالتمثل والإثمار.
ثم إنَّ القارئ للآية القرآنية، قد يحمل في ذهنه معنًى وتمثلا وصورة مسبقة، لكنها لا ترقى إلى أن تكون “تفسيرا” ملزِما، وإنما هي مجرَّد فهم أوَّلي، ممزوج بـ”ماقبليات” القارئ: لغته، خبرته، وظيفته، بيئته، محفوظاته، أخطاؤه، توقعاته، مطالعاته، أحاسيسه… مما يعرف بالنماذج المعرفية الذهنية الإدراكية، التي على ضوئها يتشكل المفهوم والمعنى، وعلى إثرها يولد الفعل أو العمل إن ولد، أو يخبو ويموت في حالات كثيرة. ويمكن أن نسمي هذا الذي يحمله القارئ حول الآية من فهم: “افتراضا” أو “سؤالا على شكل تقرير وحكم”.
إذن بالسؤال والافتراض، يمكن للمتلقي أن يُسهم في عملية الفهم والتفسير والتغيير، ولذا يحاول “نموذج الرشد” أن يترك النافذة مفتوحة، أمام كلِّ قارئ ومستعمل للبرنامج، ليسأل، وليفترض، لا ليُجاب بالضرورة، ولكن ليعرف من يتحمل مسؤولية البحث بعد ذلك طبيعة الاهتمام، ونوعية السؤال، التي توجه بعد ذلك عملية “التبيين والتوضيح والتفعيل”.
ويبقى الرهان الصعب في أمرين:
*الأمر الأول: هو في مدى التفاعل والفاعلية والمشاركة من قبل الجمهور، أي في الوصول إلى حال “الفريق من المتطوعين المنظَّمين ذاتيٍّا”.
*والأمر الثاني: يكمن في الحذر من أن يجرَّأ الناس على كلام الله تعالى، فيقولوا فيه بما لا يعرفون، أو يدعي الواحد منهم أنَّ فهمه ملزم، وهو لا يضبط شروط الإلزام العلمية والمعرفية والمنهجية.
ولا يؤدي الانفتاح بالضرورة إلى الجرأة، إلاَّ إذا فقد أخلاق العلم، وخلا من روح المسؤولية؛ أو إذا أصرَّ البعض أن يحجُروا على السؤال وعلى الافتراض، أي على العقل والفكر، باسم “شرعية القول” المطلَقة لفريق من المتخصِّصين على حساب فريق آخر، أي لحساب “أصحاب النصِّ” على حساب “الممارسين للواقع” (انظر- التغيير الجذري، طارق رمضان).
وإذا لم يتمَّ هذا الانحراف في المنهج، فلا خوف من التداول، ومن السؤال، ومن الاستماع إلى الناس، من مختلف الشرائح والمستويات والأجناس، بل وحتى من شتى الأفكار والديانات والأيديولوجيات؛ ولا شكَّ أنَّ القرآن الكريم “كونيٌّ” وهو “هدى للعالمين”، وهو ليس مقصورا على جنس دون آخر، أو لغة دون أخرى، ولا يقبل الاختزال المحليَّ والجغرافي، الذي يميز مدارك الأعراب المحدودة، ولا يلائم صفة الأصحاب المفتوحة.
شيء من التجربة والواقع:
——————-
لا يعرَف في مستوى الإنتاج المعرفي الإسلامي والعربي اليومَ عمل تداوليٌّ، على شاكلة “الويكي بيديا” مثلا، لا لأنَّ المبادرات لم تتمَّ، لكن ذات المبادرات انتهت إلى نسبة محدودة من التداول والمشاركة؛ وحتى داخل الموسوعات المفتوحة العالمية، تبقى نسبةُ المشاركة باللغة العربية محدودة جدا، إذا ما قورنت باللغة الإنجليزية بالخصوص.
ولكَم حلمتُ بتفسير “مطيافي” للقرآن الكريم، يعتمد الأنترنت وسهولة الاتصال والتنقل، فيجمع آلاف العقول عبر العالم، من جميع التخصُّصات واللغات، ليكون فتحا مبينا للأمة، ومصدر هداية ورشاد لأفرادها وجماعاتها؛ ولكن إلى اليوم، يبقى التفسير فرديا أحاديا، قلما تتعرض له عقول مجتمعة متكاثفة.
وفي مستوى “نموذج الرشد”، صيغت جملة من التجارب التداولية ضمن وعائنا الحضاري، من مثل “بطاقة كتابك”، و”بطاقة نَعم للجزائر علماؤها”، وحتى بوابة فييكوس، التي طرحت مرارا اهتمامات ومواضيع ومبادرات للتداول المعرفي أو الحركي؛ لكنَّ ذلك غالبا ما انتهى إلى نسبة تبدو للمتفائل مقبولة، غير أنها للمهموم والمبادر لا تزال محتشمة جدا.
ما الذي يفسِّر عزوف موظَّف، أو معلِّم، أو وليٍّ، أو متعامل مع النموذج، عن اقتناء بطاقة بثمن زهيد، يؤيد فيها عالما من علماء الجزائر مثلا، ليكون قطرة في نهر، ثم يتحول النهر إلى إمكان حضاريٍّ للأمَّة؟
ما الذي يبرر الإعجاب المنتهي إلى “لا فعل”، في مستوى قارئ لمقال فكري، أو مهتمٍّ بفكرة يطرحها النموذج أو غيره؟
من الأهمية القصوى أن نبحث في أصل الإشكال، وأن لا نلقي اللوم على جهة ما، مهما كانت، وبخاصة أنَّ الهدف هو تحقيق تفاعل إيجابي مع “بذور الرشد”، التي ستطلق قريبا بحول الله تعالى، لا لتكون برنامجا أحادي الوجهة، ولكن لتكون فتحا منهجيا حضاريا، في العلاقة بكلام الله تعالى، مصدر الهداية والشفاء، ومنصة الحضارة والتمكين.
يفسِّر البعض ضعف التداول بـ “المستوى العلمي” العامٍّ، والبعض الآخر يحيله إلى “ذهنية الإنسان” في سياقنا الحضاري، وفريق يعيده إلى ضعف في النشر والإعلان والإشهار، وفريق آخر يرجعه إلى المشروع أو الفكرة “ذاتها”، وذلك أنها تمتاز بالصعوبة والتعقيد، أي أنها موجهة فيما يبدو إلى خاصَّة الخاصَّة، لا إلى عامَّة الناس… وقد يكون كلُّ ذلك سببا من الأسباب، ذلك أنَّ الظاهرة مركبة لا يمكن تفسيرها بسبب واحد.
وبنفس الروح التي يُكتب بها المقال ويعدُّ به المشروع، أحيل الرأي إلى القارئ، وأسأله عن سبب الضعف في التفاعل؟ وهل يتوقع أن نجد سويا، متعاونين، حلولا لهذا الإشكال في سياق بذور الرشد؟ أم أنَّ الصيغة لا تلائم سياقنا الحضاري يقينا، ولا سبيل لتغييره؟
ولا أريد أن يفهم مني أنَّي أستقلُّ عدد المتفاعلين في شتى المجالات، ذلك أني أعالج الموضوع ضمن “المعطى الكوني” لا ضمن المعطى “المحلي”؛ وإلاَّ فبمعايير المحلية (القطرية، أو اللغوية مثلا) ثمة والحمد لله نسبة كبيرة من التفاعل، وبخاصة إذا ما قورنت مع مبادرات أخرى. ولكن هل واجبنا مقصور محصور في جغرافية ضيقة صغيرة، هي وطننا الجزائر، أو العالم العربي… فقط؟
أدرك تمام الإدراك، أنَّ “روح الجماعة” هي أعظم ما حرَّك الصحابة الأوَّل فنشروا عبيرهم وأريجهم عبر العالم، مشرقا ومغربا؛ وأنَّ موت هذه الروح، وميلاد روح الفردانية، والاعتبارية، والأنانية، كان مقدمة وسببا مباشرا للوهن العام والضعف القاتل.
وبما أنَّ الخروج من الحفرة لا يكون إلاَّ من موضع الوقوع فيها؛ فإنَّ العودة إلى روح الجماعة، وإلى حقيقة “المؤاخاة”، وإلى معنى “الأخوَّة”، كما عالجها القرآن الكريم، وكما فهمها وطبَّقها سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم؛ هذه العودة كفيلة بإخراجنا من مأزق التخلُّف، وهي حرية بالنهوض بنا إلى مقامات علية في الشهود الحضاري. ولا يتمُّ ذلك بين عشية وضحاها، أو بضربة لازب، ولكن بالكبد والمجاهدة، وبالصبر والمصابرة…
نسأل الله أن يكتب لنا أجر هؤلاء، ويهدينا، ويهدي بنا، ويجعلنا سببا لمن اهتدى.
د. محمد باباعمي
المصدر: فييكوس نت



