العالم بعد خمسين عاما – منطلقات قرآنية –

أثناء التجول في أرشيفي الرقمي، وقعت العين على قسم من كتاب بعنوان: “العالم بعد خمسين عاما، منطلقات قرآنية”، كنت قد شرعتُ في تأليفه قبل سبعة أعوام، أي عام 2007، ضمن سلسلة “ما بأنفسهم”، وقد نسيته تماما، وها اليوم في هذه الظروف العصيبة، أنشره كما هو، تاركا المبادرة لقريحة القارئ النبه، لعله يواصل المسير.
———————————————————
تنبيه
يُفترض أن يكون عمري سنة 2057 قد بلغ تسعين سنة، وأنَّ عمر الذي يولَد هذه السنة قد بلغ 51 سنة، هذا إذا حيينا. أمَّا إذا قدِّر لنا أن نموت، فإنَّ العالَم سوف لن يتوقَّف لموت أحد ولا لحياة آخر، والمهمُّ أنَّ ما سيحدث في تلك السنة سيكون كما توقعناه اليوم، أو أفضل مما توقعناه.
فالغرض من استشراف المستقبل هو معرفة الماضي، وتصحيح مسار الحاضر؛ ذلك أنَّ المستقبل وحده هو الذي يعطي للماضي معنى، وما نتركه لذرياتنا هو الذي يحدد قيمة الحياة التي عشناها…
وأكبرُ تمرين لمحاولة تصوُّر المستقبل يحمله القرآن الكريم، من خلال وصفه لقيام الساعة، ومصير السعداء والأشقياء يوم النشور، فكلُّ هذا مستقبل بالنسبة لنا؛ ولكنه حقيقة لا غبار عليها، وليس تصوُّرا ولا افتراضا.
——————————————————–
تمرين
أيها القارئ، املأ الجدول الآتي
عمري سنة 1987: ……………..
عمري سنة 2007: ……………..
عمري سنة 2057:……………..
——————————————————-
الإشكالية
حين يخاطب قائد مسلمٌ أتباعه بقوله: “إنكم ستفنون بعد خمس سنين، يقينا”، فإنَّ الأمر يبدو في حافة الخطر، ذلك أنَّ من أبرز أدوار القائد، في كلِّ أمَّة، استشراف المستقبل، ودفع الناس إلى التفكير الجدي فيه، وبعث الأمل في جنده، عوض زرع الملل…
من هنا جاءت ضرورة تأليف عمل علمي – منهجي، يسعى إلى صياغة سيناريوهات للمستقبل، مستفيدا من مصادر في هذا الفنِّ، سواء ما أنتجه الفكر الإسلامي المعاصر، أو ما أبدعه الفكر الغربي بكلِّ أطيافه وتوجهاته.
——————————————————
منطلقات للتفكير في المستقبل
إنَّ أيَّ بحث استشرافيٍّ لا بدَّ له من طرح أسس ومنطلقات للتفكير في المستقبل، ومن أبرزها في هذا المؤلف:
*أنَّ بعض القواعد هي سنن كونية لا تتبدَّل، عرضها القرآن الكريم بوضوح، وبقي علينا أن نكتشفها بعد جهد وتحليل.
*أنَّ المستقبل ليس ملكا لجنس، ولا لبلد، ولا لأيديولوجية، مهما كانت مكانتها التاريخية، ذلك أنَّ حدود الزمان والمكان قد نسفت من الأساس… وبالتالي فإنَّ المحدِّد الوحيد للتفوق في المستقبل هو: العلم. بأشمل معانيه وأوسعها.
فالذي يتمكَّن من إعادة اكتشاف وظيفة العلم، ويصوغها بناء على تلك الوظيفة، ثمَّ يبني حضارة متماسكة على أسسها، هو الذي سيتحكَّم في المستقبل، وسيصنع التفوق والانتصار.
*على المفكر المسلم أن يبحث عن مصدر موثوق يعرِّف العلمَ من خلاله، ويُظهر وظائفه، ثم ينطلق في تأسيس حضارة إنسانية على ضوئه، مندفعا نحو الريادة والتمكن والخلافة الكونية… وهذه العملية هي جوهر مؤلفنا هذا.
*نسلِّم أنَّ القرآن الكريم هو المصدر الموثوق الوحيد الذي لـم تقرأه البشرية قراءة حضارية متكاملة، منذ سقوط الموحِّدين، أمَّا بقية المراجع والمنطلقات فقد استُنزفت، وظهر فشلها الذريع في القرون المظلمة للبشرية (ق – ق).
——————————————————-
التفكير في المستقبل: سقوط الجدار:
وُجدت “خربشة” على جدار برلين قبل سقوطه، كتب فيها: «مع مرور الوقت سوف يسقط الجدار». ومع مرور الوقت سقط الجدار، وأصبح اليوم حقيقة تاريخية لا غبار عليها… ثم بعد أزيد من عقد من الزمان دخلت الانتخابات مرشَّحة من “الحزب المسيحي” ففازت على رئيس الوزراء “شرودر”، فانتخبت الطالبة في علوم الفزيائية رئيسة لوزراء ألمانيا الموحَّدة باستحقاق، وقد كانت تدرس في جامعات ألمانيا الشرقية، ولم يخطر ببالها ولا ببال أحد أنها ستكون يوما أول مسؤولة في ألمانية الغربية، بل على رأس الهرم في الألمانيتين الموحدتين.
وهكذا العالم اليوم، وهو كذلك بعد خمسين عاما، ليس فيه مستحيل، وكل الاحتمالات واردة، ولهذا لزم على المفكر اليوم أن يصوغ رؤى بعيدة، ويدفع العقول إلى التفكير نحوها، بجدية وذكاء.
فالجدر التي بين الشعوب، وبين الشركات، وبين الانتماءات ستسقط حتما، وسيطفو على السطح الأكثر تنظيما، والأعمق تحليلا، والأقدر في مجال العلم والعمل…
ولكن، لم لا يكون ذلك من حظ المسلمين؟
————————————————————-
القوة ×10:
لقد أصيبت استراتيجية الدفاع الأمريكية بالرعب جراء مواجهتها لحقيقة الصراع المسلح عبر العالم، ومنيت بهزائم متتالية أمام قوى لم يكن يحسب لها أيُّ حساب، وبخاصة بعد أحداث سبتمبر 2001، وقد أطلق البروفيسور “مايكل بورتر” على القوى المتصاعدة من هذا القبيل اسم: القوة ×10.
يقول “روبرت بالدوك” في كتابه المعنون بـ”ماذا يخبئ المستقبل؟”: «إنَّ القوَّة ×10 هي شيء خارج عن المألوف، إنـَّها قوَّة تتجاوز شدَّة الإعصار الذي يحدث تغييرا خارقا… تستطيع القوة ×10 أن تحقِّق في المناسبات النجاح الباهر لمنشأة فردية» ( ).
من هذا المنطلق، وبناء على هذه الفكرة، نرى أنَّ المستقبل ليس ملكا لأحد، ولا لجماعة، ولا لدولة معيَّنة… وإنَّما المستقبل منجم زمني، وعطاء رباني، سيكون من حظِّ العالم العامل، والمنظَّم المتفائل، والمخطِّط الاستراتيجيِّ الباسل… سيكون لمن يملك الحاضر يوم بيوم، وسنة بسنة، دون تفان ولا توان.
من هذا المدخل سننظر إلى المستقبل، بعد خمسين عاما، وليس من باب الصدف، ولا من باب التكهن الساذج، والادعاء والأوهام البالية…
—————————————————————–
المنطلقات
المصدر الموثوق (القرآن الكريم):
في كتاب “آفاق المستقبل” لمؤلفه “جاك أتالي”، مستشار الرئيس الفرنسي “فرنسوا ميتران”، نقرأ هذه العبارات: «الأرض هي مثل المكتبة التي نخلِّفها سليمة بعد أن نكون قد اغتنينا بقراءتها وأغنيناها. والحياة هي أثمن كتاب في مكتبة الأرض، فعلينا أن نحمي الحياة والوجود، بالعدالة، والحرية، والسلام، والحب قبل أن ننقلها، مشفوعة بإسهام جديد منا، إلى أبنائنا الذين سيكون لديهم الاحترام والجرأة على حملها إلى أبعد وأعلى»( ).
إنَّ هذه العبارات التي كتبت في مقام استشراف المستقبل، والبحث عن مصير أفضل للبشرية، لم تبرح بعد مستوى الطروحات الإحيائية والنهضوية، التي عرفتها أوروبا منذ قرنين من الزمان، فليس فيها جديد يذكر، وإنما هي تخمينات فضفاضة، تعدم الدقة والموضوعية، ذلك أنَّ مصدرها عقليٌّ محض، وإنسانيٌّ جافٌّ… ولقد أجمع النقاد والمؤرخون أنَّ مثل هذا الطرح باء بالفشل، وأورث الإنـسانية حروبا ضارية، لا نزال إلى اليوم نكتوي بلهيبها، وما الاستعمار الحديث سوى مردد لمثل هذه الشعارات الجوفاء: “العدالة، والحرية، والسلام، والحب”؛ فالعالم الثالث اليوم يستعمر باسم “العدالة”، ويستعبد تحت شعار “الحرية”، ويحارَب بمسمَّى “السلام”، ويُحقد عليه وعلى أبنائه ومواطنيه وأرضه ودينه وثقافته وهو يلقَّن دروسا في “الحبِّ” بلا طعم ولا لون.
ويبقى السؤال العميق: ما هو المصدر الموثوق في استشراف المستقبل؟ أهو العقل الخالص؟ أم هو الاستبطان الروحي العميق؟
ولا جدال أنَّ المصادر في هذا الفنِّ لا تجيب، ولكنه تلتوي وتتفنَّن في الالتواء.
في إطار المنهج التفكيكي الأركوني، يحاول “محمد أركون” أن يحدث ثورة في المنهج وأخرى في المفاهيم، وبالتالي يضع المسلمات في دائرة النقاش، ويقرأ القرآن الكريم قراءة التوراة أو الإنجيل، دون فارق بينهما، فهو بهذا يصوغ طرحاته المستقبلية، من مصدر واحد هو: العلمنة. وفي هذا يقول: «أنا مدرس علماني، يمارس العلمنة في تعليمه ودروسه، وهذا يشكل بالنسبة لي نوعا من الانتماء والممارسة اليومية في آن معا»( ).
فهو بالتالي يقضي على كلِّ منطلق لفهم المستقبل، بل يستورد منطلقات هشَّة، جرَّبها التاريخ وأثبت فشلها، ويحاول أن يخرج من متحف الفكر أفكارا علاها الغبار، فيمسح عنها ذلك الغبار، ليقدِّمها في ثوب جديد، علَّها تفيد الفكر العالمي للرجوع إلى التاريخانية رجوعا اضطراريا.
ولا يستطيع أركون – لعجز في المنهج – أن يجيب على سؤال عميق: ما مصدر التأريخ للمستقبل؟ ما دام قد انطلق من نظريات مستوردة من الغرب، بنى منها مسلِّمات هي في الحقيقة خلاف ذلك.
——————————————————————
مراحل الحضارة البشرية من خلال سورة اقرأ
1. مرحلة سماع الأمر: اقرأ
2. مرحلة تنفيذ الأمر: اقرأ
3. مرحلة الصعود الحضاري: باسم ربك (إيمان التسليم)
4. مرحلة الذروة: القراءة باسم الله، ومعرفة أسرار الخلق، الذي خلق (إيمان العلم والمعرفة)
5. مرحلة الشكر: مرحلة الذروة + شكر نعمة الله (إيمان الشكر)
6. الحفاظ على مقومات الحضارة: علَّم بالقلم، علَّم الإنسان ما لم يعلم (إيمان الأسباب)
7. مرحلة الاستغناء: استغنى (الاستغناء والإتراف)
8. مرحلة تغيير المفاهيم: أن رآه
9. مرحلة الطغيان: ليطغى
10. مرحلة التكذيب: كذَّب
11. مرحلة تولَّي: وتولَّى
12. مرحلة الحجر على الحرية الدينية: ينهى عبدا إذا صلَّى
13. مرحلة التعنت: لم ينته
14. مرحلة السفع الإلهي: لنسفعن بالناصية
15. مرحلة انتصار الحق وتمكنه مرة ثانية: كلا، لا تطعه واسجد واقترب
——————————————————————–
السيناريوهات المحتملة
*انتصار الحكمة الأسيوية
*الفوضى العارمة
*بقاء الحال على ما هو عليه
*عودة الإلحاد
——————————————————————-
شهداء على الناس.
الخط المباشر: آلية للشهادة على الناس:
عندما نقرأ آية من القرآن الكريم، في مجال التمكين للمسلمين، من قبيل قوله تعالى: «وكذلك جعلناكم أمَّة وسطا لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيدا». نتساءل فورا: كيف يمكن تحقيق هذه الآية في واقعنا اليوم؟ وما هي الآليات المثلى لذلك؟
إنَّ ما نحن عليه عام 2006م يجعلنا في مقام الغياب الحضاري، وليس الشهود الحضاري، فعدد مواقع الأنترنات التي ينتجها المسلمون لنشر رسالتهم تعدُّ بالمئات، وأغلبها محتشم في الشكل والمحتوى، ولا يحقق الانتصار في المنافسة مع مواقع سياسية، وثقافية، ورياضية… بل وحتى مواقع لنشر الفساد، بكلِّ أشكاله وانواعه… ومن ثمَّ فالغياب هو سمتنا في هذه السنة…
أمَّا سنة 2057م فسيكون المسلمون أكثر حضوراً في العالم، من خلال رؤى واضحة، من بينها:
*أنَّ اللغة العربية سترقى إلى الصفِّ الثاني في العالم، من حيث الانتشار، ومن حيث الدقَّة، ومواكبة العصر، وذلك بفعل جهود العجم، وبالذات: الصينيون، والماليزيون، والهنود، وبعض المؤسسات الإسلامية في الغرب…
*وسينتشر العمل بالخط المباشر (Direct line) في العالم، بمختلف اللغات، ومن مختلف المؤسسات العقدية، والفقهية، والفكرية، والثقافية… فسيكون الإسلام حاضرا في صياغة مفاهيم العالم، وسيثبت بجدارة هشاشة الأفكار المناقضة، كما أنَّه سيبارك الأفكار والتوجهات المتَّزنة…
*الخروج من دائرة المذهبية إلى سعة الإسلام: سيكون مدلول المذهب يومئذ تاريخيا، وسيحل مكانه العمل بالمجامع الفقهية، التي تتبنى المذاهب ولا تلغيها، ولكنها تجتهد في صياغة الحدود الفاصلة بين الفكر والفقه، بين الانتماء والاحترام… وستزيل هذه المبادرة الحدود بين المذاهب في العالم؛ لأنها ستكتشف أنَّ طبيعة الاختلاف – وبخاصة الكلامي والفقهي – ما هي إلاَّ ثراء ونماء، ليس إلاَّ، وأنَّ الاختلاف القديم لا يقدِّم شيئا يذكر للإسلام، بل يضر بعالمية القرآن… فيستعيد العلماء رشدهم، ويستجيبوا لدواعي الوحدة الحقَّة، دون عقدة ولا ادعاء.
اليوم في العالم قد نمت آليات الاقتصاد، وصار البيع المباشر عبر الأنترنات سمة للعصر، يحقق الأرباح الطائلة، ويهزم الشركات ذات الوجود المكاني والزماني، وكنموذج لهذه الثورات الاقتصادية في العالم، شركة التأمين المباشر، التي أسسها “بيتر وودز”( )، والتي اتخذتها الشركات التقليدية أنموذجا يحتذى، فلما لا يتم أكثر من هذا في عالم الأفكار، وبالذات في العقيدة والانتماء الإيماني، فنحن في حاجة ماسَّة إلى تطوير “تسويق الدين” الذي يصطلح عليه في القاموس القرآنيي: الدعوة الحسنة.
—————————————————————–
سيناريو الإسلام ــ الصين
من أبرز السيناريوهات وأكثرها جاذبية، تلك التي تتوقع اندماج القوتين الصينية والإسلامية في مواجهة القوة الغربية المتغطرسة، رغم أنَّ البعض يستبعد هذا الاحتمال، بسبب الاختلاف البين في الدين، والثقافة، والبناء الاجتماعي… مع هذا، كما يقول هنتنغتون: «في السياسة العدوُّ المشترك يخلق مصلحة مشتركة. المجتمعات الإسلامية والصينية ترى الغرب عدوا لها، وبهذا لديها سبب لتتعاون مع بعضها البعض ضد الغرب، مثلما فعل الحلفاء وستالين ضدَّ هلتر»( ).
وبخاصَّة أنَّ الصين لم يسبق له تاريخيا أن فرض هيمنته على المسلمين، ولم يدخل معهم في حروب عدائية، شـأن الغرب في عصوره القديمة والحديثة، ومعلوم أنَّ المسلمين ينطلقون من آية: “لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين…” الآية.
د.محمد باباعمي
المصدر: فييكوس نت



