مرآة الصحافة

الخطاط الجزائري شريفي محمد بن سعيد في ضيافة جريدة الأمة

الخطاط محمد شريفي بن سعيد، اسم كبير تألّق في مجال الخط العربي، على المستوى الوطني والعالمي، كاتب المصحف الشريف، ومصمّم العملات النقدية الجزائرية، ابن القرارة وميزاب، كان له حوار مع جريدة الأمة العربية الجزائرية، نفيد به القارئ الوفيّ، تطرّق فيه الأستاذ لمختلف مراحل حياته، وأجاب على عدة تساؤلات تشغل الكثيرين.

الخطاط الجزائري كاتب المصحف الشريف محمد شريفي في حوار حصري لـ”الأمة العربية”:

مسابقة” الأرسيكا “لاتخضع لــــ”اللوبي الصهيوني “والمدرسة الجزائرية مقصرة في تعليم الخط العربي

هو واحد من أعمدة الخط العربي بالجزائر، إقترن إسمه  بكتابة المصاحف الشريفة وتصميم العملات النقدية ورسم شهادات التعليم العالي والبحث العلمي، كيف لا وهو الذي أجيز من قبل كبار خطاطي مصر وتركيا الأستاذين سيد إبراهيم وحامد الآمدي، نال شهادة  خطاط من مدرسة تحسين الخطوط العربية بالقاهرة، ليواصل مشواره  الفني غداة الإستقلال كأستاذ مميز في المدرسة الوطنية للفنون الجميلة بالجزائر إلى يومنا هذا، بإيجاز إنه الخطاط الدكتور محمد شريفي  الذي يسري الخط العربي فيه مجرى الدم في العروق لدرجة تغلغله في أعماق قلبه وما إن تحاوره حتى تدرك رحابة صدره لكل من أراد تحصيل أساسيات فن الخط العربي،  إقتربنا من العالم الإبداعي لهذ ه الشخصية المتواضعة  التي تعيش بعيدا عن الأضواء الإعلامية،  فأدركنا أنه من عشاق العمل والنجاح  الكفيلان  في تقديره بالحديث عن إسهاماته، وهذا نص الحوار.

“الأمة العربية”: بداية يجمع الكثيرمن الخطاطين في تعريفهم للخط العربي على أنه عصب كل الفنون والعلوم والعامل المشترك في كل فروع المعرفة، فماهو تعريفك؟

محمد شريفي: إن الخط العربي قبل أن يرقي درجات الفنّ، كان كتابة كسائر الكتابات، ولوأعطينا نظرة على المراحل التي مر بها لتبين ذلك بوضوح ، بداية من الإسلام الذي رفع من شأن العلم والتعلم بالقلم الذي هوأسّ  الكتابة حسب الآية الكريمة” الذي علم بالقلم علم الإنسان مالم يعلم”، ولقد تطورت الكتابة في مجال المصحف الشريف وبرع المسلمون بدءا بكتاب الوحي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحسين حروفه  تقديسا له، بأشكال تسر به العيون، وتبارى الكتاب بعدها في تطويره وتحسينه وتنوع أساليبه  فوضعوا قواعده من  حيث شكله وحجمه فسار  بذلك نحو التميز عن الكتابة  العادية خاصة في الحواضر الإسلامية التي إتخذته من شروط الوزارة ودواوين الحكام في مراكز الخلافة، أين إرتقى بالتنافس بين مدارسه من الحجازية إلى الأموية والعباسية ببغداد فمصر، وتطورت الكتابة  في المغارب والأندلس، ولبلاد فارس خطهم المتميزأيضا، إلا أن جودة الخط وتطويره كان عند الأتراك العثمانيين تبعا للخلافة الإسلامية، وفيها بلغ الخط الذهبي بتحسين أجود الأقلام، بل وإختراع أنواع جديدة وهي الرقعة والديواني، فجلي الديواني والشكستنة، وعلى ذكر مختلف هذه المراحل أقول أن الخط العربي هوعماد الثقافات والفنون ووسائل الإتصالات لقدرته على التأثير في النفوس من خلال تناسب أجزائه ورسوهندسته على النسب الجماعية التي توحدت عليها البشرية جمعاء.

“الأمة العربية”: على ذكرك للنهضة التي عرفها الخط العربي في البلاد الإسلامية وأخص بالذكر الأقطار المغاربية هل يمكن القول أن  وضعه في وقتنا الحالي يزداد انحطاطا وتقهقرا؟

محمد شريفي: تدركون أن الكتابة في الأقطار المغاربية كانت مغربية، ولكن عندما شاعت طباعة الكتب وعمّت، إعتمدت على الخطوط المشرقية دون غيرها ووقع في المجال العلمي انفصال بين وسيلة القراءة ووسيلة الكتابة، فكان محتم على المغربي بصفة عامة والجزائري أن يقرأ بخط مشرقي، ويكتب بحرف مغربي، ما جعل المغربي لايتطور في الكتابة، ولا المشرقي يخضع للاستعمال، ومن ثم احتار النشء بين ما يكتب وبين ما يقرأ، فنشأ بميراث الكتابة المغربية، وانتشار الكتابة المشرقية جعل هناك خليط هجين خال من الجودة والأصالة.

“الأمة العربية”: تتفقون معي إن قلت أن عدم الاهتمام بالكتابة حال دون إنشاء خط يجمع بين محاسن المدرستين؟

محمد شريفي: نعم غياب التوجيه وعدم الاهتمام بالكتابة حال دون إنشاء خط يجمع بين محاسن المدرستين، وهذه من بين الإشكالات التي أطلت فيها التفكير والتدبرأي نوع من الخطوط يجب إستعماله في المدارس أ النسخ أم الرقعة الذي رست عليه أغلب الدول العربية، وهذا أول مايجب الفصل فيه بالمحاورة والتفكير بجدية يمكن الوصول إلى خط موفق للكتابة به، لأن الملاحظ تقصير المدرسة في اختيار الخط  المناسب للتعليم أدى إلى تأثر  المعلم والمثقف بجميع أنواع الخطوط العربية بانتقاء عشوائي  وغير مدروس إلا من اجتهادات ومحاكاة شخصية، فصار الخط مزيجا من المغربي والنسخ والرقعة والفارسي وربما الديواني وغيره، واختفت الوحدة الخطية فتعسرت القراءة وإنبهمت وتذبذب الاتصال الكتابي.

“الأمة العربية”: هو إذن حال المدرسة الجزائرية؟

محمد شريفي: الخط العربي واعد في بلادنا بإذن الله، مع إستحضار قصر عمر الإستقلال، وإن رجونا تقدما أوفر، فقد توج بعض خطاطينا بالجوائز والمكافآت  في المسابقات الدولية، وأقيمت  اللقاءات الخطية بين الخطاطين، أذكر مدينتي المدية وبسكرة وتدريس مادة الخط في المدرسة العليا للفنون الجميلة بالعاصمة، ومدارس الفنون بباتنة ومستغانم ووهران.

إلا أن هذا لايخفي أثر رداءة الخط بالإبتعاد عن قواعده، ناهيك عن غياب جمالياته في المدرسة الجزائرية، وبالذات في أجوبة الطلبة في الإمتحانات، والمصحح  الذي يقضي وقتا مضنيا في فك معاني الكلمات، وليتساءل كل من تصدى للتصحيح، كيف يقيم  أجوبة غير مفهومة لخطوطها الغامضة، وبإستقراء  بسيط تبين تأثر نجاح الطلبة وتقدمهم في الدراسة نتيجة كتابتهم التي لاتكشف عن معانيها.

 “الأمة العربية”: برأيك على من تقع المسؤولية، على  المسؤول التربوي، أم المعلم أم التلميذ أم هم جميعا؟

محمد شريفي: المؤكد أن الطالب هوالمتأثر نتيجة إرتباط نجاحه وتقدمه في الدراسة بكتابته.

“الأمة العربية”:  ولكن المعلم هو أهم عنصر في البيئة التعليمية أليس كذلك؟

محمد شريفي: أوافقك فأهم عنصر في البيئة  التعليمية  التي تمكن النشئ من التعليم السوي والنهج القويم في مجال الكتابة هوالمعلم، وذلك بوسيلة السبورة التي لاتزال الطريقة المثلى في تلقين مختلف التوجيهات والإرشادات والنماذج الخطية في كراريس التلاميذ، فالمعلم هو قدوة التلميذ ومثله الأعلى يقلده في حركاته وسكناته ويمتثل لتربيته الخلقية والفنية والأدبية، وعلى المنظومة  تنشئة  المعلمين في مدارس الأساتذة على المساواة بين تحصيل اللغة والمهارات الخطية.

“الأمة العربية”:  مما لاشك فيه أن البيئة والمحيط  يلعبان دورا أساسيا في إكتساب المهارة الخطية؟

محمد شريفي: صحيح يتأثر الطفل بل والكبار أيضا بما يحويه البيت من مقتنيات فنية، وما تزين به جدرانه من لوحات، فالأحرى أن تكون لوحات خطية من آيات وحكم وأمثال لما لها من أثر في تكوين شخصية سوية تذكر ه صباح مساء بالنهج القويم والصفات الحميدة التي يجب أن يتحلى بها الطفل، كذلك الشارع ينبغي أن يحاط بجمال  خطوط أسماء المحلات،  وكذا مساحات  الإشهار بخطوطها الفنية الرائعة  في جميع الوسائل الإعلامية.

“الأمة العربية”: ما رأيك بصناعة لوحة خطية بواسطة برامج الخطوط  الخاصة بالحاسوب؟

محمد شريفي: بالنسبة للأساليب التكنولوجية فلا مناص حيالها من بذل جهود بين الخطاطين والتقنيين للوصول إلى طريقة مثلى وملائمة  تحفظ جمال الخط وتوازنه ومستلزمات الألات.

“الأمة العربية”: للنهوض بالخط العربي في بلادنا، ماذا تقترح؟

محمد شريفي: أولا ينبغي وجود قناعة ترى أن القراءة والكتابة صنوان من نفس الدرجة، ثانيا تكوين المعلمين جيدا وتدرسيهم الخط بقواعده الأصلية من موازين النقط وإستعمال قلم القصب الذي هوالأداة المثلى للخط  العربي، ومن ثم توصيل بدائعه  لتلاميذه، إلى جانب تكريس مبدأ تعليم الخط في النشاط الفني في المؤسسسات التربوية، وتزييين الفصول وأروقة المدرسة باللوحات الخطية لنشر الفضيلة، كذلك ضرورة  توزيع الجوائز التشجيعية  على المتفوقين  لإذكاء روح المنافسة في مجال تحسين الخط.

“الأمة العربية”: ننتقل  للحديث عن المسابقات الخطية وبالتحديد مسابقة  “الأرسيكا” الدولية  بتركيا لاسيما  وأنك إستدعيت مؤخرا كضيف شرفي لدورتها الثامنة، ما تقييمك لها؟

محمد شريفي: هذا صحيح لقد إستدعيت كضيف شرفي من قبل مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية بإستانبول (إرسيكا) في دورتها الثامنة المنظمة بإسم  الخطاط السوري محمد بدوي الديراني، ولكن للأسف لم أحضر لظروف صحية.

“الأمة العربية”: الله يعطيك الصحة والعافية إن شاء الله.

محمد شريفي: الله يسلمك.

“الأمة العربية”: الكثير من النقاد يقولون أن المسابقات الدولية بشكل عام محكومة بتوازنات سياسية وهيمنة من قبل دور النشر الكبرى، وكذا اللوبي الصهيوني، فهل  الأمر ذاته ينطبق على مسابقة “الارسيكا” ذات الصيت العالمي؟

محمد شريفي: بالنسبة للجوائز الدولية  الأخرى قد تتربط باللوبيات اليهودية لكن مسابقة الارسيكا المنظمة من قبل  مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية باستانبول فلا ينطبق الأمر عليها، يعني بحكم تجربتي في مثل هذه المسابقات الدولية للخط، فالأعمال المقدمة  ترقم  بأرقام سرية ومن دون توقيع صاحبها إلى هيئة التحكيم المختصة، وإن وجدت إشارة على اللوحة فسيتم إستبعادها، لتليها إجراء عدة  تصفيات  ودراسة اللوحات من كافة الجوانب بمراعاة  مدى إلتزام  المشاركين بقواعد فن الخط ومستوى التنفيذ، ومن ثم فالجوائز تمنح لمستحقيها فعلا، أما الجوائز والمكافآت  التشجيعية  تراعى فيها أحيانا الدول التي لم ينل خطاطها أي جائزة أصلية وذلك قصد التشجيع والإبداع أكثر.

وعليه فالمشكك في مصداقية المسابقة هوالذي لم يفز فيها ، وأستحضر مرة أتاني  متنافس في مسابقة خطية وقال لي إنظر يا أستاذ اللوحة التي قدمتها للمشاركة ولم أنجح، فبصرته للأخطاء التي لم يتنبه لها، لأن في الأصل لايكفي  تعلم أساسيات كتابة خط  بل معرفة تطبيقه والإبداع فيه.

“الأمة العربية”: ماذا تقول للخطاطين الذين يعملون من أجل المشاركة في المسابقات فقط والحصول على الجوائز؟

محمد شريفي: لكل نيته، وبينه وبين ضميره، فالتنافس من قبل الخطاطين لمعرفة مستواهم هذا شيء جيد، فالناجح يدرك أنه أجاد وتفنن والذي لم يفز يكون محفز له لتقديم أعمال أرقى والإجتهاد أكثر، لأن اللوحات الجيدة  يؤلفها أئمة الخط في شهور وسنوات بالإعتماد على التمارين المتواصلة، ويوجد الكثير من الرسامين والمزخرفيين المجيدين، لكن معشر الخطاطين قليلون والمجيدون منهم أقل عددا، وثمن هذا بالجهد والصبر والمثابرة على التمارين والإنفاق على أدواته بسخاء.

“الأمة العربية”:  أي الخطاطين الجزائريين الشباب من تتوسم فيهم التميز في الخط العربي؟

محمد شريفي: يوجد في الساحة التشكيلية براعم كثر، ولا يمكنني ذكرهم لكي لا أقع في حرج.

“الأمة العربية”: أذكر لنا إسما واحدا على الأقل؟

محمد شريفي: لا الأسماء كثيرة… منهم الخطاط صفار باتي

“الأمة العربية”: ما هي كلمتك التي توجهها إلى الخطاطين المبتدئين؟

محمد شريفي: أقول أنه مع تنوع الخطوط  وثرائها وجب على الخطاط التخصص في أحدها حتى يبلغ قلما أوقلمين، بالأخص إحدى الخطوط الرئيسية وهي الثلث والنسخ والفارسي، من أن يمارس كل أنواعه بدرجات دون المستوى، فعند المسابقات فالفائز الأول في نوع من الخطوط له كامل الإمتياز لأنه فاق أقرانه وتبوأ درجة الإتقان، كما أنصحهم بإختيارأجود الأقلام وأرقى الأحبار الخاصة التي يحضرها بنفسه أوالمختصون له ويصقل ورقه بمجهوداته في أوقات ممدودة أويقتنيه بأثمان باهظة.


نبذة وجيزة عن الخطاط الجزائري محمد شريفي:

*محمد بن سعيد شريفي
* ولد بالقرارة ولاية غرداية سنة 1935
* تخرج في معهد الحياة الثانوي، بالقرارة سنة 1956
* نال شهادة خطاط من مدرسة تحسين الخطوط العربية  بالقاهرة سنة 1962
* شهادة الدكتوراه في تاريخ الفن الإسلامي ، موضوعها خطوط المصاحف عند المشارقة والمغاربة من القرن الرابع إلى العاشر هجري، سنة 1982 بالجزائر.
* شهادة دكتوارة الدولة في التاريخ الإسلامي حول اللوحات الخطية في الفن العربي، بخط الثلث الجلي، جامعة الجزائر عام 1997.
* كتابة المصاحف الشريفة برواية ورش عن نافع ورواية حفص عن عاصم.
* أحد أعضاء لجنة إختيار مصحف قطر منذ سنة 2002
* شارك في عدة ملتقيات ومهرجانات دولية
* له العديد من البحوث القيمة والكراريس الخطية في كل أنواع الخطوط.
* حاز على شهادات تقديرية وتكريمات عديدة منها تكريم  رئيس الجمهورية الجزائرية عبد العزيز بوتفليقة وحاكم الشارقة الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي.

الحوار لـ : قدور دليلة، جريدة الأمة العربية (يومية جزائرية)، العدد 440، الصادر يوم الاثنين 18 جمادى الأولى 1431هـ الموافق لـ 03 ماي 2010، الصفحة 19.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. الاستاذ شريفي من نوابغ هذا الفن في الجزائر الحمد لله ان كان لي شرف مقابلته وتلقي بعض النصائح منه بحكم الزيارة التي قمت بها انا و أستاذي شكال عفاري رضوان له الحقيقة انسان طيب جدا و متواضع بارك الله فيه وفي أنامله عسى الله أن يرزقنا من بعض خصاله وفنه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى