أحباب رحلوا عنا

الدكتور الحكيم حمو باباعمي في ذمة الله

توفّي نهار اليوم 5 جوان 2023 الطبيب بابا عمّي حمّو، عميد الأطبّاء في ورقلة، بعد أن قضى أكثر من خمسين سنة (نصف قرن) في خدمة مرضى المنطقة، ومن باب الجحود وسوء الأدب أن أتكلّم بصفتي طبيبا عن الرّاحل المرحوم بإذن الله الدكتور بابا عمّي حمّو، الذي كان أبي رحمه الله يأخذني إليه كلّما مرضتُ وأنا لم أبلغ السابعة من عمري بعد، لثقته المُطلقة فيه، فالأجدر بي أن أتحدّث عنه بصفتي مريضه لا بصفتي زميل له بعدما كبُرت.

الطبيب بابا عمّي لفت انتباهي منذ صغري بتميّزه بعدّة أشياء عن بقيّة الأطبّاء ممّا أعطى له مقاما خاصّا عند العام والخاصّ بمدينة ورقلة، وترك أثرًا كبيرًا في نفسي عنه كطفلٍ وكطبيب لاحقًا:

الطبيب بابا عمّي يتميّز بشخصية هادئة للغاية، قليل الكلام وكثير الانضباط والجدّ من فرط تركيزه في الفحص والمُعاينة والاستجواب، ممّا يُضفي على حضوره جوًّا من الرهبة والثقة.

ما لفت انتباهي منذ صغري حين مُعايدته هو تركيزه في علاجاته على وصف الحُقن في أغلب الأحيان للمرضى، وهذا راجع إلى حرصه الشديد على رؤية مرضاه يتحسّنون بسرعة دون تضييع للوقت رأفة بهم، حيث قلّما ترى مَن يخرج من مكتبه ولا يتوجّه إلى قاعة المُمرّض (المُمرّض عمّي مُحمّد) من أجل أخذ حُقنة هناك قبل المُغادرة، ليبدأ الدواء في أخذ مفعوله ربحًا للوقت.

ما شدّ انتباهي وحتّى أبهرني في الحكيم بابا عمّي هو عدم تردّده بعد فحصِك في سحب كتاب أمام عينيك من المكتبة الصغيرة التي وراءه، وتصفّحه بهدوء قبل أن يكتُب لك الوصفة وكلّه ثقة في النّفس ولا يُعير أيّ اهتمام للفكرة السالبة التي يُمكن أن تأخذها عنه من قبيل أن تقول بأنّه نسي اسم الدواء أو جرعاته فيتسرّب الشكّ إلى نفسك في كفاءته، فقد انطبق عليه بيت الشّعر القائل: واثق الخطوة يمشي ملكًا.

الحكيم بابا عمّي في بداية السبعينيات، عندما كان هناك نقص في الأطبّاء في كلّ ربوع الجزائر اختار العمل بالصّحراء رغم أنّه كان يُمكنه العمل أينما شاء في البلاد فهو مطلوب وبإلحاح أينما ارتحل، لكنّه اختار خدمة أهله الذين هم أكثر حاجة إلى خدماته من أهل الشمال.

الحكيم بابا عمّي وفي بداية السبعينيات عندما كانت حتّى المستشفيات العمومية تفتقر إلى الكثير من المعدّات والآلات الطبيّة لم يبخل على أهل ورقلة، واستثمر من ماله الخاصّ وجلب جهاز أشعّة الصدر المرئي “Radioscope” وجهّز به عيادته من أجل تحسين وتطوير نوعية فحصه للمرضى مع العلم بأنّه في تلك الفترة كانت أمراض الصّدر تفتك فتكًا لا مثيل له بالساكنة وعلى رأسها: مرض السلّ، والكيس المائي..إلخ بالرغم من أنّه لم يكن بحاجة إلى التّرويج لعيادته بمثل هكذا معدّات فقد كان الطبيب يُبحث عنه بالشّمعة في ذلك الزمان.

في الأخير سأحكي لكم حادثة مؤلمة تُبرز الوضع الذي تعيشه البلاد والإجحاف الذي يتعرّض له أمثال هؤلاء على أيدي بعض الجهلة والظالمين ممّن وضعت الدولة الجزائرية بالخطإ في أيديهم بعض المسؤوليات:

عندما تخرّجتُ كطبيب في سنة خمسة وتسعين من القرن الماضي، وبعد أشهر من البطالة، لأنّ عدد الأطبّاء كان يشهد فائضًا في ذلك الوقت، تحصّلتُ على عمل بصيغة التعاقد في مركز طبّي اجتماعي، وبعد أيّام قليلة من غمرة الفرحة بالمنصب الجديد، وجدتُني ذات يوم في موقفٍ صعب مع طبيب طفولتي، فقد كنتُ أمارس عملي في فترة الصّباح بمكتبي، حتّى دخل عليّ الطبيب بابا عمّي يحمل في يده بعض الكتب ومئزر، وقفتُ ورحّبتُ به وسألتُ عن أحواله، لكنّه بدا لي مضطربًا ومصدومًا، ولمّا سألتُه عن السبب قال لي: يبدو أنّك لا تعرف بأنّني أعمل هنا ومُتعاقد مع هذا المركز منذ مدّة، ثمّ أضاف: لا عليكَ، لقد فهِمتُ ما يحدث هنا، فقد طلب منّي رئيس المركز (وكان شخصًا أميًّا) خدمة ولم أؤدّها له لأنّها غير قانونية، فانتقم منّي هكذا بإحراجي معك عبر توظيفك في مكاني دون أن يُعلمني بذلك..

وغادر مُسرعًا.. وبقيتُ أنا تحت الصّدمة وفي تفكير فيما حدث..

واستقلتُ بعد أيّام قليلة لأنّي لم أستطع تحمّل الموقف الذي وضعني فيه هذا الجاهل مع طبيب طفولتي.

رحم الله الطبيب “المزابي الأصيل” الدكتور بابا عمّي حمّو وأسكنه فسيح جنانه وجازاه عنّي وعن ساكنة ورقلة والجنوب وكلّ الوطن خير الجزاء.

إنّا لله وإنّا إليه راجعون..

د. سليم عبادو

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى