أريج من غصن أندلس الرطيب

حين يتسلل الزمان من بين أصابعك، وحين تدور عقارب الساعة في الاتجاه المغاير، وحين يتعانق نهرُ الماضي بشلال المستقبل على سفوح الحاضر؛ حينها تختلط على العقل الخواطر، وتمور على القلب المشاعر، فتروح الأبصار وتغدو بلا نظام يهديها، ثم تسمَّع الآذانُ شيئا شبيها بالحنين تارة وبالأنين أخرى، فلا هو بِشدْو العندليب ولا هو بنواح الثكالى… هو شيء خليط بين هذا وذاك، يعرفه الضمير والوجدان وتجهله الأدلَّة والبرهان.
على مشارف “قرطبة” انتصبت الشمس دائريَّة كاملة القسمات، لا يدري الناظر المشوق أهي عنوان الغروب والأفول، أم هي دليل الشروق والمثول… أهو أوان موتٍ وفناءٍ لعصر غابر، أم هو زمانُ ميلادٍ لفجر حائر سادر؟
مهلا، إنه لأولي الألباب والبصائر كلُّ ذلك وجميع أولئك…
ولقد – والله – تزاحمت على بلاط الجامع “لامسكيدا” قبضةٌ من آثار طارق والداخل، وأثرٌ من خطوات شوقي وإقبال، ثم تلتها جعجعة وصخب من سوَّاح جاؤوا من أركان العالم الأربعة، بعضهم – وهم قلة – مولُّون وجوههم شطر المنبر والمحراب، وآخرون – وهم كُثر – رفعوا رؤوسهم وجهة زركشات الكنيسة “لاكاتدرال”، وتماثيل “السيد المسيح” المصلوب؛ غير أنَّ عيسى ومحمدا في صفحة الوجود إخوةٌ وأرحامٌ، يوقِدون مسيرة الحياة من مشكاةٍ واحدة، هي مشكاة التوحيد الخالص لله رب العالمين.
من “نزهة المشتاق” للشريف الإدريسي، إلى “نفح الطيب” للمقري التلمساني، وما بينهما وثائق ومصادر عن تاريخ الأندلس وسقوط غرناطة، وما بين ذلك من آداب وروايات، لا يزال “هاتف من الأندلس” أبهاها وأسماها؛ جميعها سند وظهر للزائر المريد، وللمريد الحديد…
ولقد ألقيتُ السمع شهيدا، فتنادى إليَّ جيش من الربانيين ساجدين لله ليلا بالصلاة والذكر والدعاء، وساجدين نهارا بالهجرة والاجتهاد والجهاد؛ فاكتمل قيامُ الليل عندهم بقيام النهار، فلم يقطعوا ما أمر الله به أن يوصل؛ غير أننا – نحن الزوار – هنا، في هذا العصر القرمزي، بعضنا جاء من شرقٍ مسالم مستسلم، قد يكون فيه من يقوم الليل، غير أنَّ نهارنا بات باهتا شاحبا منهوكا؛ أمَّا من جاء من الغرب البعيد، ومن اليابان والصين ممن رأينا ورافقْنا، أمَّا هؤلاء فهم قائمون النهار أبدا بالصناعة والحركة بلا عياء، ولكنهم للأسف – إلا قليلا – لطَّخوا ليلهم بالموبقات والمنكرات، فراح الكثير منهم يقنِّنها ويجد لها مسميات وتعلات لا أصل لها ولا فصل…
أين منَّا من جمع القول بالعمل، وألحق بالحركة السكون… ففازوا ورشدوا، وكانوا عند الله من المهتدين.
وعلى أعشاب القصر المجاور، تضوع شتى ألوان الزهور، لتغمر المكان بأجمل الألوان عبيرا، لكنه عبير حزين وقد هجره أهله، ونسيه مَن أفلحه يوم كان بين الفلاح والفلاحة ترادف… وغرفُ الخدم، والحريم، والمطابخ، والصالونات، والحمامات… كل ذلك صار اليوم صامتا، حجرا، صلدا… لم يبق منه سوى العبرة والعَبرة.
و”مدينة الزهراء” كانت خاتمة العقد، فجُلنا على جنباتها وصلنا، وقرأنا معاني الجلال والجمال على صفحات جدرانها الحجرية السميكة، وفهمنا رسائل من أنامل بُناتها كانت موجهة لنا ولكل جيل بعدنا، لم يمحها التاريخ ولن يمحوها، وهي تردد بصوت جهور مقولتها الأبية: “هنا، سكن بشر عرفوا الله فعرف العالمُ شأنهم، ولمَّا نسوا الله نسيهم وأنساهم أنفسهم”، ثم جاء توقيع البُناة على شكل عبارة فاضحة للمكامن، دليلها قول رب العالمين: “وتلك الأيام نداولها بين الناس”. لا يكاد يراها أو يشم عبيرها إلا من قرأ الحال والمآل، بلسان البصيرة لا بعين البصر.
الزهراء، تلك الشامة المُثلى على جبين التاريخ، تحكي قصة حضارة بلغ الآفاق شأوُها وشأنها، وعمرت ثمانية قرون كاملة، بين كر وفر، بين إقدام وإحجام، بين نصر وهزيمة… ولكنها وقفت شامخة تعلِّم البشر وتشهد على ذلك ربَّ البشر، تشهده أنها كانت يوما ما هنا، ولا ريب أنها ستعود يوما ما إلى هنا؛ وهي واثقة أن القرار موقوف على قلوب الرجال وعقولهم: فإن هي تعلَّقت بالله الواحد الأحد حقا وصدقا سادت وصالت ثم جالت، وإن هي – واأسفاه – هجرت طريق الله وأعرضت عن سبيل الله، تجرَّعت الندم علقما، وشربت ماء الهزائم مرًّا.
وما بين قرطبة وقرطبة، وقفنا سريعا على أديم “مورسيليا”، التي استقبلنا أهلُها استقبال الأحرار الأباة، ومنها عبر “مونبولييه”، وقضينا ليلة لا تنسى في “برشلونة”، ثم وصلنا قرطبة، وقرأنا بعيوننا المتوفزة على علامات الطريق أسماء: “طليطلة”، و”إشبيلية”، و”غرناطة”، و”ملقة”، و”سرقسطة”، و”مايورقة”… وغيرها.
ثم حين العودة بتنا ليلة أخرى للعمر انضافت، في مدينة “مجريط” أو “مدريد”… ولا تزال أسماء فرق كرة القدم التي صارت أشهر من مدنها ترنُّ في الآذان، وتزعج العواطف، وهي عنوان عصر معولَم مقولَب، حتى اللعب صار فيه باردا ثقيلا لا حدود له ولا معاني من ورائه…
ثم دخلنا “مورسيليا” ثانية؛ ومنها وجهة مدينة “ليل” بجوار الحدود البلجيكية، ولقينا بها أهلا مثل الحمام يطربك ويسبي قلبك، ثم هو مع ذلك يشكرك، ولا يترك لك المجال فسيحا لتعيد له معاني الشكر لفظا؛ وما ذلك إلا لكرم فيهم مجبول…
ومن “ليل” إلى “باريس” حيث حططنا الرحل إلى جوار نهر “السان”، وأمام عيوننا “برج إفل”، و”متحف اللوفر”، و”قصر فيرساي”… ومعالم كُثر، كان أمثلُها جمالا “المكتبة الوطنية الفرنسية” (bnf)، وقد استقبلنا فيها أخٌ لنا عزيز، هو سليمان في حكمته وطلاقة ابتسامته وتواضعه؛ وقد تجوَّلنا بين الأرفف والأجنحة مثل النمل لا نترك شاردة ولا واردة إلا اعتصرناها، لعلنا نحملها معنا زادا ليوم الحرَّ أو لساعة القرِّ…
ثم في مكتب مؤسسة “إباديكا” قريبا من “الحي اللاتيني” جلسنا مع باحثين مخلِصين، يحفرون بين الوثائق والمصادر بلغة “العم سام” ليجعلوا من معاني حضارتنا لسانا كونيا، لا يقتصر على جغرافية ولا على زمان بعينه؛ وحول المائدة حوار صادق عن التراث، وعن التحقيق، وعن المنهج والمنهجية، وعن التعاون، والنشر، والقراءة… وكل ما يتردد من خواطر على بال المشتغل بالعلم هما وهمة…
و”دار الجماعة”، و”جماعة الدار”، كلهم في صدق وصفاء استقبلونا، فاستمعوا وقالوا، ثم آووا ونصروا؛ والحق أني تلمَّست في عيون الشباب منهم قراءةً جديدة للزمن، ونظرةً حديدة للعالم؛ وحيرة وسؤالا، وبحثا عن المعنى حيث كان، بحرية وطلاقة لا يحدها وصف… ولعلهم هم عنوان المستقبل، ودليل الآتي… وجمال الأمل، وجلال العمل.
وتبقى “مرسليا” محطَّ الأنظار والأفئدة، بأهلها من كلِّ جنس ولون، منهم ناس شمَخوا، وناسٌ آخرون تشبثوا، وفريق ثالث استسلم للواقع ولسكر الحياة؛ إلا أنَّ ما كنَّا فيه كان مختلفا، ففيه معاني “الأنا” الذي يذيب “الأنا”… ليؤسس معلما وضاحا اسمه “النحن الجديد” – بلغة طارق رمضان – وهو لا يبالي ولا يقبل أن يخيَّر بين “الإسلام” وهو دينه، و”فرنسا” وهي موطن رأسه… ولعل بذور الغد المشرق تنتش، ثم تهتز الأرض وتربو على إثرها، وتنبت بعدها من زوج بهيج… لعلها ستسقي الكون “طعما حلو المذاق” من يد متوضأة طاهرة، لا تريد للناس إلا المحبة والأمن والأمان…
خواطر مختلطة، كتبتها على صهوة حصان الترحال، وعلى عجل، وقد رافقني صديق حميم، وابن خال كريم، رافقني، ورافقت زوجه زوجي، في “رحلة العمر”: عمرةُ الغرب الشبيهة بعمرة الشرق… والعمُرة عمرات، لمن فتح الفؤاد على مصراعيه لألوان الخير وأصناف البر… وهي أكثر من ذلك لمن “ألقى السمع وهو شهيد”، ولمن “مشى في مناكبها وأكل من رزق الله، وآمن أنَّ إليه النشور”، ولمن “سار في الأرض لينظر كيف كان عاقبة الذين من قبل”…
فاللهم رحماك… ومعيتك… ورعايتك…
د.محمد باباعمي
المصدر: فييكوس.نت



