وباء كورونا

الحرب البيولوجية هل هي وباء أم ربا..!؟

تقضي الحروب في تاريخ الإنسانيّة على العنصر البشري والاقتصادي عادة، ومما لا شكّ فيه هو أن الحروب وقيامها ناتج بفعل إرادة وتدبير بشريّ – مُسبق – معلوم الهويّة. وبما أنّ الحرب في حقيقتها سالبة للأرواح وللأموال واللّذان يعتبران القوام الذي تتأسّس عليه المجتمعات البشرية على الأرض. فإذا انتفى أحدهما أو كلاهما فلا نتصوّر وجود شيء يسمّى مجتمعا بشريا على الأرض.

ولعلّ السّؤال المطروح. هل هناك أسباب موضوعيّة محدّدة قد تؤدّي لنشأة الحروب..!؟ إذا سلّمنا بذلك يتحتّم علينا البحث عنها ومعرفتها، ولعلّ إلقاء نظرة على نتائج الحرب ومخلّفاتها هو المُعين للتّوصّل للأسباب، وبما أنّ عمليّة سلب الأرواح والأموال هي النّتيجة الّتي تحصدها الحروب، ينبغي أن ننطلق منها في الدراسة للتوصّل للأسباب كما أشرنا من قبل.

تشترك الحرب البيولوجية (كوفيد 19) مع مطلق الحروب الماضية في كونها سالبة للأرواح والأموال، وتتميّز عنها في تحديد معالم الجهة المدبّرة للحرب فهي لازالت مجهولة ربما..! لكن ما يهمّنا في الموضوع هو معرفة الأسباب الّتي نشأت من جرّائها الحرب أكثر من معرفة الجهة المدبّرة لها. 

وبشيء من التّأمّل في الحلّ الوحيد الرّاهن للقضاء على الفيروس، والذي تمثّل في “الحجر المنزلي” نستنتج أنّ الحجر المنزلي يعني اللَّاحركة، واللّاحركة تعني اللّاعمل، واللّاعمل يعني اللّإنتاج، والنّتيجة هي أنّ القضاء على الاقتصاد هو الحلّ الوحيد للقضاء على الفيروس، في ظلّ غياب لقاح فعّال.

لماذا الاقتصاد وليس غيره؟

لا يخفى على أحد أنّ الحركة الاقتصاديّة في العالم قائمة على النّظام الرّبوي، والّذي يُعتبر في المنْطق القرآني عامل يهدم ويدمّر الاقتصاد، وما الأزمة المالية العالمية الّتي نسفت الاقتصاد العالمي قبل سنوات ببعيدة عنّا. والملفت للنّظر اعتراف بعض الجهات الإعلامية أنّ الوباء سبّب في أزمة اقتصاديّة لم يشهدها العالم منذ الأزمة المالية العالمية الماضية. ويبقى السّؤال المطروح، ما القاسم المشترك بين الأزمتين الاقتصاديّتين..! لعلّ النّظام الرّبوي هو القاسم بينهما، إلا أنّه جليّ في الأولى وخفيّ في الثّانية، فقد ناب عنه الفيروس.

جاء في كتاب الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ) البقرة 278-279.

موضوع الآية هو النّهي عن اعتماد النّظام الرّبوي في المعاملات المالية، والملفت للنّظر في نصّ الآية هو النّتيجة المحصّلة من هذا النّظام في حالة تفعيله، والتي تمثّلت في كونه عامل هادم وناسف للمنظومة المالية والاقتصادية، وقد عبّر عنها القرآن بصيغة “الحرب” نظرا لكونه يشترك مع الحروب في النّتائج. 

والعجيب في الأمر أن الجميع يدرك ويقرّ بأنّها حرب بيولوجيّة لكنّ الفاعل مجهول، فالأزمة لم تسلم منها جهة محدّدة أو قوّة عظمى من القوى البشريّة من أجل مصلحة معيّنة، أو بالأحرى القوى الاقتصاديّة العظمى في العالم هي المتضرّر الأكبر من الوباء. 

هي حرب تعلن أنّ فاعلها صاحب قوّة عظمى، حرب منشؤها أمر غيبيّ غير خاضع لمعطيات المادّة، أثرها الكبير على الإنسانية بارز وجليّ، ولو سلّمنا –سياسيّا – بكونها حربٌ مدبّرة ومقصودة يبقى أثرها السّلبي على الاقتصاد وعلى العنصر البشريّ لا ينكره أحد، وأمّةٌ لا تؤمن ولا تعترف بسلطان الغيب وأثره على حركة الكون المادّي، ستصطدم حتما بمثل هذه الأزمات وأكثر..

ولعلّ إعادة بناء منظومة اقتصاديّة، خالية من المعاملات الرّبويّة يُعتبر مؤشّرا للخروج من الأزمة -خاصّة في ظلّ تأزّم الوضع عالميّا – ومؤشّرا لتجنّب حروب مستقبليّة قد تكون أشدّ خطرا من فيروس كورونا. لكن؛ أيّ جهة ستتولّى صياغة منظومة اقتصادية إسلامية، والدّول الإسلامية تعيش حالة عجز وقصور عن القيام بذلك، – بوصفها الإطار الإنساني الّذي تبنّى حمل وتطبيق التّوجيهات الرّبانية- نظرا لكونها رهينة مستعبدة للنّظام الوضعي المادّي. وأنّى لأمّة لا حول لها ولا قوّة أن تسلم من الآثار السّلبية لمستعبِدها إن هي خضعت له قلبا وقالبا وتبنّت مناهجه. وتخصيص الخطاب في صدر آية الرّبا للّذين آمنوا حصرا هو تذكير بالمسؤولية الدينية للمجتمع الإسلامي المنبنية على ثُنائية الإيمان والعمل.  

وبشيء من التَّأمّل في مراتب مقاصد الشّريعة الإسلاميّة سندرك قيمة حفظ الدّين ببعديه الفكري والفعلي، ودوره المحوري في حفظ النّفس البشريّة، وحفظ المال والاقتصاد العالمي. 

بقلم: عائشة خرازي 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى