سلوايَ ونجواي… هاتف من استانبول : (01)

كتبتُ في استانبول العديد من البحوث، ولكني لم أكتب عنها إلاَّ القليل؛ ولقد انصبَّ اهتمامي – في الفترة الأخيرة – على قراءة مذكِّرات ورواياتٍ تفوح بعبق هذه المدينة الفريدة، وأيقنت أنَّ حربا فتَّاكة يشتعل أوارها في هذه الحلبة، وأنَّ “تاريخنا وقيمنا الملية” أضحت فريسة بين مخالب النسور الجارحة، وأنياب الذئاب الفاتكة؛ ولذا نويتُ أن أصبَّ بعض جهدي في تملِّي سبائب الجلال والجمال في هذه الربوع الطاهرة، ونويتُ أن أسخِّر كلمات ترشح عطرا، من صلب واقع أعايشه في هذه السفوح المرهفة. لا بغرض الترفيه والحَكِي، وإنما بقصد الوفاء بالشهادة، ورسم نبضات قلبي بصدق، ثم بث رسائل حبٍّ لَطالما جفَّت مآقينا على فقدانها.
مِن مكتبي الجميل، المطلِّ على البوسفور، في تلة “شامليجا” المرصَّعة الجبين زهرا ووردا… خاطبتُ عالمي الجواني، واستنطقت خطرات عقلي، واستمعتُ لخلجات قلبي؛ فانشرحت كلُّ ذرَّة من كياني على الخير، وانفتحت على الطيِّب من الفكر والقول، ثم انبرت لسبك المعنى: نقطة نقطة، قطرة قطرة… إلى ما شاء الله له أن يكون.
وها اليومَ، أفتتح رسائلي للقارئ بالعربية، تلك التي كانت خلال عامين نَوبةً أسبوعية، حرصت على إهدائها غضَّة طرية ليلة كلِّ جمعة، لتُسهم في إحياء عيد الأرض، وعيد السماء؛ لعلَّها تصادف ساعة الاستجابة، فتكون لي ذخرا وأجرا عند من لا يضيّع أجر من أحسن عملاً. ولقد ولدت على إثر ذلك: “نسمات البوسفور”، ثم “جنان الراشدين”؛ وها هي ذي حصَّة عامِنا، بحول الله تعالى، من نفح آخر، ومن صنف مختلف، هو أقرب إلى أدب المذكِّرات منه إلى المقال الفكري التحليليِّ… عنوانها العريض “سلوايَ ونجواي … هاتف من استنابول”.
والسلوى في مدلوليه “الطائرُ الأبيُّ”، أو “العسل المصفَّى” تعبِّر عن مكنون نفسي أيما تعبير، ففي الأولى معاني السموِّ والسموق، وفي الثانية معاني الصفاء والوفاء. والسلوى بدلالة كشف الهمِّ، معنى آخر أستبطنه، ولعلِّي أجرأ وأحوِّر في بيت لمحمد إقبال، فأقول مترنما:
سلواي أم نجواي في هذا الدجى***ونجوم ليلي حسَّدي أم عوَّدي.
وأنا أشير إلى القارئ بمطلع القصيد:
حديـــث الروح للأرواح يسري ***وتدركــه القلــــوب بلا عناء
هتفتُ به فطار بلا جنــــــــــاح***وشقَّ أنينه صــــدر الفضاء
على بركة الله نبدأ، وبه المستعان…
د.محمد باباعمي
المصدر: فييكوس.نت
