من وحي القلمواحة المعرفة

لله ما أخذ…ولله ما أعطى…

دخلت إلى صفحته على الفايسبوك لأجد آخر منشور له معنون ب ” لقد ترك فراغا فظيعا ” نزل الخبر على قلبي كالصاعقة… شلت كل أعضائي…وتصلب لساني ودخلت في شبه غيبوبة لمدة وجيزة… نعم لقد مات ابنه الثالث…ولكن سرعان ما عدت إلى رشدي…للتو تذكرت صلابته وجرأته العام الماضي وهو يقص لنا وفاة ابنه الثاني ونحن نستعرض قصة إبراهيم عليه السلام مع ابنه حين ابتلاه الله فيه…كنت حينها ضعيفة جدا في التصدي للابتلاء وتحمل أقدار الزمان بنفس راضية … أمام هامة مثل أستاذي الذي قد كشرت له الدنيا عن أنيابها و أعادت…

لقد علمتنا أن نكون أقوياء أمام الابتلاء وأن نصبر ونفوض كل أمورنا إلى الله سبحانه وتعالى…

و علمتنا أن فقدان الحبيب أو رحيل العزيز سنن كونية لا يسهل وقعها على القلوب إلا الصبر…

أنت من علمنا أن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف؛ وأن الأول يكافح ويصبر ويصابر ويتخذ الأسباب ويفقه تسلسلها؛ بعدها يتيقن حق اليقين بأن الخير فيما قضاه الله لا غير…

يقول تعالى: ” وما كان لمومن ولا مومنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن تكون لهم الخيرة من أمرهم ” .

رحل الفرسان الثلاثة من الدنيا في مدد فاصلة نفسها بين الأول والثاني وبين الثاني والثالث… لله درك من تناسق للأقدار ودقة في اختبار النفوس فلا أظنكما -أنت وزوجك- إلا من الصابرين المحتسبين الأجر عند الله العلي القدير…

فاسمعا – رعاكما الله- لقول الإمام الغزالي رحمه الله: إذا رأيت الله يحبس عنك الدنيا ويكثر عليك الشدائد والبلوى.. فاعلم أنك عزيز عنده.. و أنك عنده بمكان.. وأنه يسلك بك طريق أوليائه وأصفيائه.. وأنه يراك.. أما تسمع قوله تعالى: ” واصبر لحكم ربّك فإنك بأعيننا “

عظيم جدا أن تكونا بأعين ربكما… لترتقيا بعدها إلى مقام المصطفين… لا غرو فهو يدرك مدى تفانيكما وصبركما… أما عن الأم فحدثني فوالله لقد عجزت عن تعبير يفي لحقها وهي التي لا أخالها إلا مجاهدة مصوبة متفانية في أداء أعمالها إلا أن القدر أراد للشمس أن تغرب وللفارس الثالث أن يرحل… وبهذا ستنعم بالخير العميم والثواب الجزيل لا غير… وكأني أرى صحيفة أعمالها بيضاء لا يشوبها نقص ولا علة والله يهمس لها ادخلي جنتي… ادخلي جنتي… ادخلي جنتي…نعم ستكون النهاية هكذا لصبرها؛ وكأنني أيضا أراها في سجودي كل صلاة مع فرسانها الثلاثة في عليين تمرح وتضحك…

وأنا أكتب هذه السطور أتذكر قصة ماشطة ابنة فرعون و أولادها الأربعة الذين أحرقوا أمام أعينها لما كان فرعون ربهم الأعلى – كما يزعم – ليهمس ابنها الرضيع الذي كان آخر من ألقي بإناء الزيت الساخن بثبات: ” اصبري أماه فموعدنا الجنة “

حقا لقد تركوكم…ولكن بشراكما بثلاث خلائف لكما في الجنة…فكأنني أسمعهم كل يوم يلهجون بالاستغفار لكما…وينادون بأن لا تحزنا نحن في أتم السعادة…

“والصحابي العظيم عروة بن الزبير الذي قطعت ساقه لمرض ألم به وفي اليوم نفسه فقد أغلى و أعز أبنائه فرأوه يبكي؛ فقالوا له: أو تبكي من قضاء الله ياعروة ؟؟؟ قال: والله ولكني أبكي سبحانه

أخذ القليل وترك لي الكثير…

أعطاني سبعة أولاد وأخذ واحدا…

أعطاني أربعة أطراف و أخذ واحدا…

إذا ابتلى فطالما عافى…وإذا أخذ فطالما أعطى…

وإني أسأل الله أن يجمعني بهما في الجنة “[1]

“فالله ما أعطي ولله ما أخذ فاللهم أجرني في مصيبتي واخلفني خيرا منها ” هذا الذي يجب أن تردده ألسنتنا في مثل هذه المواقف الصعبة والأحداث الأليمة.

عهدناك قوبا صبورا…فلتحيا هكذا…

بقلم: فلة محمد داود

 ————————

[1] برنامج محياي: الجزء الثاني: الحلقة الأولى بعنوان: التوتر؛ للدكتور: وليد فتيحي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى