ادكار واعتبار من فتنة الديار


الخطبة الأولى
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله العزيز الجبار، الغفار التواب، له الملك وله الأمر، وإليه المآب.
خلَقَ الموت والحياة لابتلاء العباد، وأنزل كُتُبَه دليلاً للفوزِ يومَ المعاد.
والصلاة والسلام على سيد المرسلين، أرسلَهُ ربُّه رحمةً للعالمين، فكانَ خيرَ قدوةٍ للشاكرين وأفضلَ إمامٍ للصابرين.
نحمده سبحانه على كل حال، ونتوب إليه في كل حين، ونسأله الثبات واليقين، وأن يغفر لنا خطايانا يوم الدين. أما بعد،
فيا أيها المؤمنون، أذكِّرُكم ونفسي بتقوى الله، والتزام نهجِه ما حَيِيتُم حتى يأتيكم اليقين،
فإن التقوى ملاك النجاة، ومفتاح السعادة في الحياة،
والتقوى باب الدخول إلى روضات الجنات. مصداقا لقول الله في محكم الآيات:
“وَيُنَجِّي اللَّهُ الذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لاَ يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ” الزمر: ٦١
وقوله: ” تِلْكَ الْجَنَّةُ التِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا ” مريم: ٦٣.
كُنّا أحبّةَ الإيمان لسنواتٍ خَلَتْ نعيش أخبار العالم، ونتفرج على ما فيه من زلازل وأعاصير، متعددة الصور والأشكال، مآسٍ وفتنٌ تَحار فيها ألباب الرجال.
وشاءت إرادة الله القاهرة أن نكون نحن اليومَ مَن يعيش هذه الزلازل، ويغدُو خَبَرًا يسمع عنه العالم، ويشاهده في الشاشات.
وقد مستّنا في وطننا الصغير مِن هذا البلاء ألوانٌ، ونَجَم مِن قَرْنِها ما يَشيب لهُ الوِلدَان. وذقنا لهيبَ الفتنة في عُقر الدار، فانْتُهِكَتِ الحُرماتُ واستُبِيحَتِ المُحرَّمات، وأحرقت الممتلكات، وأزهقت الأرواح. والأمر لله الواحد القهار.
إعصار لا كالأعاصير، وزلزالٌ يَهُدّ الجبال، حتى بلغت القلوب الحناجر، لولا اليقين بالله والاستمساك بحبل الإيمان.
وإنا رغم كل هذا لنحمد الله العظيم أن كفانا من البلاء ما هو أعظم، فاللهم فَرِّج عنّا، وارفع عنا مقتك وغضبك، وجَنِّبْنَا الفِتَن ما ظهر منها وما بطن.
أيها الأحبة المؤمنون،
إن مِن أوكد واجبات المؤمِن الاعتبارَ والاِدِّكَارَ، ومراجعةَ حالِهِ آناءَ الليل وأطرافَ النهار، وتجديدَ صلته بالله بدوام الاستغفار. وأن لا يغفل لحظة أن حياته كلها ساعة اختبار، ثم ينتقل بعدها إلى جزاء أبدي، إما جنات النعيم، أو عذاب مقيم، والعياذ بالله.
وفي تلك الدار، لاَ تمنحُ فرصةٌ للاستدراكِ أو إعادةِ الاختبار، ولا نقض لحكم الواحد القهار، ” مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَآ أَنَا بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ(29) يَوْمَ يَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ(30) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ(31) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ(32) مَّنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ(33) ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ ذَالِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ” ق: 29 – 34.
إنها الحقيقة القاطعة يصدع بها القرآن في عشرات الآيات. والعاقل مَن أَعَدَّ العُدّة واستعد للأمر قبل الفوات.
أيها الإخوة المؤمنون،
لقد شاءت إرادة اللهِ – ولا رَادَّ لقضائهِ- أن يبلُوَنَا بنقصٍ في الأموال والأنفس والثمرات، ونحن في هذه اللحظات الحالكات، والساعاتِ الشِّداد، لا نملك إلا الرجوعَ إلى رب العباد، ونلجأ إليه بقلوب خاشعات، وألسنٍ ضارعات، أن يغفر لنا ذنوبنا، ويرفع عنا البلاء والفتن، ويرحم شهدَاءنَا ويمنح أهلهم صبرا على مصابهم الأليم، وينصف كل مظلوم، ويشفي كل جريح مكلوم، ويعافي كلَّ المصابين والمتضررين، ويُخلِف من فضله الواسع، على من أصيب في تِجارةٍ أو مَسكنٍ أو مَزَارِع.
ويَقينُنا أنَّ عدلَ الله لا يخطئُ ولا يَنسَى أي مظلوم، وأن ربَّنَا لا تأخذهُ سِنَةٌ ولا نوم. فإليه نَكِل أمرَنا، وإياه وحده نسأل أن ينتقم من الظالمين، وينتصر للمظلومين، ويُرِيَنَا في المعتدين عجائب قدرته التي لا يعجزها شيء في الأرض ولا في السماء.
فإن هذا العدوان والترويع والإفساد في الأرض جرم عظيم، ومصيرُ مُرتكبِيه وخيمٌ ووَخيم، وما نراه من التزوير والتشهير في الإعلام، اتهام وقذف وبهتان عند الله عظيم،
” وَالذِينَ يُوذُونَ الْمُومِنِينَ وَالْمُومِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا” الأحزاب: ٥٨.
كلمات جارحة نابية تشاع وتذاع، وافتراء وكذب وبهتان في وسائل الإعلام، يرمون أهل الاستقامة بالكفر، وينسبون إلى رسول الله روايات موضوعة، لاستباحة دماء وأموال مسلمين أبرياء عصمها القرآن، ويحسبون ذلك دينا وعملا صالحا، وهو عند الله جرم عظيم:
” وَلاَ تَنَابَزُوا بِالاَلْقَابِ بِيسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الاِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ” الحجرات: ١١.
إن من واجبنا ردّ هذه التهم، وتوضيح الحقائق لمن يجهل التاريخ، ولكن ليس من الحكمة أيضا الجواب عن كل فرية، والرد على كل ناعق.
وعلينا بالرصانة في الجواب، ثم الصدق مع الله في كل الأحوال، فمن صدق مع الله، رد الله عنه وكفاه.
ولنا في بشائر القرآن فرجٌ عند انسداد السبل، وفجْرٌ عند فقدان الأمل. أوَ لَمْ يقل علاّم الغيوب لرسوله الحبيب: ” فَاصْبِرْ عَلَىا مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبـِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ” ق: ٣٩
أجل لقد كان الزلزال شديدا، وابتلينا باختبار عسير، ولكنه محنة في مطاويها مِنَحٌ وخيرٌ كثير.
لقد كشفت المحنة أن لأمتنا رجالا صادقين وشبابا صامدين، وأبناء بررة مضحين، بذلوا النفس والنفيس، وضحوا تضحية نادرة بكل المقاييس، في سبيل الذود عن الحرمات، ورد العدوان وحماية الأرواح والممتلكات، والدفاع عن الحريم والمقدسات. لم يدفعهم إلى ذلك إلا غيرة أصيلة، وشهامة ورجولة، وخصال نبيلة، هي رأسمال الأمم في أبنائها، وأساسها في وجودها وبنائها.
فاللهم بارك في هؤلاء الفتية المخلصين، والشباب الطامحين، وثبتهم على صراطك المستقيم، واحفظهم حماة للدين، واجعلهم قدوة في الصالحات سبّاقين لفعل الخيرات، واشدد أزرهم بالمداومة على الطاعات، والتعاون على الخير ونصرة الأخيار، ومقاومة الشر وصدّ الأشرار.
وارزقهم البطانة الصالحة الراشدة، ليواصلوا ما بناه أوائلنا من حضارتنا الماجدة، حضارة استوجبت إعجاب المنصفين، كما أثارت حسد الحاسدين، وألَّبَتْ قلوب الكائدين، ولكن الله رد كيدهم وكفانا شرهم، إنه ناصر المؤمنين الصادقين، وهو القائل في كتابه المبين: ” فَانتَقَمْنَا مِنَ الذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُومِنِينَ ” الروم: ٤٧
فاستمسِكُوا شبابَنا الغيورَ بقِيَمِ دِينِكم ومبادِئِكم، وسيرةِ سلفِكم، إيمانًا راسخًا، وعملاً صالحًا، وتضحية وإيثارًا، ووحدة واستقامةً ترَوْا منْ الآيات عَجَبًا عُجَابًا، ويؤتكم ربكم مَقَامًا وقدرا مُهابًا.
أقول ما تسمعون ويغفرُ الله لي ولكمْ؛ فاستغفروه يغفرْ لكم إنه هو الغفور الرحيم، وادْعُوه يستجب لكم إنه هو البر الكريم.
الخطبة الثانية
الحمد لله جعل الحياة ببهجتها دار غرور تخدع الأغبياء، وبفتنتها مزرعة لدار الخلود والبقاء، ومضمار كدح وساعة اختبار ليوم الجزاء، فمن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه، ومن اتبع هواه حل به سخط الله وغضبه، ومن خشي ربه فاز في الامتحان،” وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبـِّهِ جَنَّتَانِ” الرحمن: ٤٦.
والصلاة والسلام على رسوله المصطفى، وصحابته أهل الصدق والوفاء، ومن سار على نهجهم واقتفى.
أيها المؤمنون،
إن ما أصابنا قدَرٌ من الله منذ الأزل، وبيانه الجليّ في كتابه المنزّل ” مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الاَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ إِنَّ ذَالِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ” الحديد: ٢٢
ونحن مصدقون راضون بما قضى الله وقدر: ” قُل لَّنْ يُّصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ” التوبة: ٥١.
وقد كشف لنا هذا الامتحان نعما وفيرة، فنكن لها شاكرين، وبها معترفين، امتنانا لرب العالمين، وسؤالا أن يزيدنا من فضله وهو خير المحسنين.
وفي مقدمة النعم الشعور بنعمة الدين، وتكثيف المساعي والجهود للتمسك بحبله المتين. فهو سبب وجودنا ومعقد سعينا وسبيلنا للفوز برضوان ربنا.
وثانيها استشعار قيمة وحدتنا، وتناسي نوازع النفس، ونوازغ الشيطان التي أضاعت جهودنا وضيعت علينا مصالحنا لعقود من الزمن، فلنعضّ على وحدتنا بالنواجذ، عسانا نتدارك أمرنا في مستقبل الأيام.
وثالثة الجواهر بروز قيمة مؤسساتنا ونفاسة أنظمتنا التي حفظت لهذا المجتمع تماسكه وانسجامه، ولولاها بعد فضل الله لغدونا في خبر كان. فهل سنسعى لدعمها وتحديثها وتطعيمها بقدرات شابة مبدعة مخلصة، تحفظ الأصول وتبدع في الاستفادة من تقنيات العصر لضمان فاعلية المؤسسات، وتفعيل الكفاءات، وبعث الحياة في كثير من مفاصل جسد أمتنا المنسية؟. تلك حقيقة ما يجيش في ضمائر الجيل وليس وهما ولا أمنية، وإنا لنراه واقعا قريبا بإذن الله، ما كانَ الإخلاصُ دافعَنا في كل الأعمال، والحكمةُ رائدنَا في كل مجال.
ورابع اللآلئ النفيسة هذه المناجم الثمينة من طاقات شبابنا الوثاب، الذي صنع العجب العجاب، وضرب أروع الأمثلة في الدفاع والتضحية، لم يَرْجُ من وراء ذلك جزاء ولا شكورا، ولم يحمله على المخاطرة بالحياة فضلا عن الصحة والراحة والأموال، إلا غيرة على العرض والحرمات، وابتغاء رضوان رب الأرض والسماوات.
إننا بإذن الله بخير حين كشفت المحنة لنا عن هؤلاء الأسود الأبطال، وكلهم استعداد كامل للمضي في بناء الأمة والإسهام بجلائل الأعمال.
فيا أيها الآباء والأولياء، والغيورين على الأبناء، إن الكرة في مرماكم، أن تسمعوا لفلذات الأكباد، وتنزلوا إلى ساحتهم الرحيبة فتكسبون منهم الثقة والوداد، وتسعون في خيرهم بالتوجيه والإرشاد، وهم ينتظرون منكم احتضانا، ويلقون إليكم آذانا، فأسمعوهم كلمة تشرح الصدور، وتبعث الأمل، وتسد الطريق أمام المتربصين بكنز الأمة، عدةِ الوطن وحماةِ الثغور.
لقد سنحت الفرصة لإذابة الجليد وإزالة العقبات، فهلمّوا إلى لقاء الأجيال في مصالحة مع الذات، ومعاهدةٍ للسير معا في طريق الخير لما يرضي رب البرية، ويعيد للأمة لحمة حقيقية، ويرفعها مرتبة علية.
وبشرى لنا حين تغدو المحنة منحةً، وتثمر نعمةٌ تستوجب الشكر والتثمين، وإن كلفتنا من تضحيات جسام، فعقباها انسجام والتحام وفوز برضوان رب الأنام.
وخامسة الفوائد سادتي الكرام، أن نتعظ بأخطائنا حتى لا نقع في مثلها في مستقبل الأيام.
وأعقل الناس من وُعظ بغيره، ودونه في المقام من وُعظ بنفسه، أما أن يصاب المرء فَيَرْتَطِمَ ويسقط إلى الأرضِ، ثم يقومُ ويمضي مُهَرْوِلاً لا يدري لِم أصيب، وكيف أصيب؟ فذلك منتهى السفهِ والجهلِ العجيب.
وجوهر القضية أن نصحح صلتنا بربنا، ونوثق علاقتنا به في الرخاء، حتى يكون معنا عند اشتداد البلاء. وحينها نضمن نصره وحفظه، وقد وعَدَنا بالتمكين؛ ووَعْدُه حَقٌّ ويَقين : “وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْر الْمُؤْمِنِينَ” الروم: ٤٧. “وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَّنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ” الحج: ٤٠
اللهم آمنا في أوطاننا، واحفظنا من شر الفتن ما ظهر منها وما بطن.
اللهم احفظ شبابنا وأبناءنا المضحين، واجعلهم حماة للأوطان، وحصنا للدين، وثَبِّت أقدامهم واجعلهم شامة في الجبين، وقرة عين رغم الكائدين، ومكر الحاسدين.
اللهم لا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا يا ارحم الراحمين.
ألا وصلّوا على المصطفى العدنان، طاعة لأمر الله في محكم القرآن، إذ قال -عَزَّ قائلا عليما:
“اِنَّ اللَّهَ وَمَلآَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيءِ يَآ أَيـُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا” الأحزاب: ٥٦
اللهم صل على نبيك الأمين صلاة وسلاما دائمين إلى يوم الدين، وثَبِّتْنا على صراطك المستقيم، وارحمنا يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، آمين آمين.
وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
د.مصطفى باجو
غرداية. الجمعة 26 ربيع الأول 1435هـ 24 جانفي 2014م
المصدر: موقع أعيان غرداية



