المسحراتي وتسبيحات رمضان

“يا نايم وحد الدايم…” هذه العبارة لا تخطئ ذكراها أهل الأردن وسورية ومصر… وغيرها من البلدان في المشرق، فهي عبارة رمضانية يرقبها الناس كل رمضان، تحفها عادات وأعراف تختلف من بلد لآخر، تعكس بعدا تعاونيا إنسانيا فريدا..
إنه نداء ذلك المسحراتي الذي يطوف الحارات ينادي بصوته ليوقظ الصائمين للسحور، ويروى أنه كان في بعض البلدان يحمل قائمة أسماء سكان الحارة فإذا وصل بيت أحدهم ناداه باسمه يا فلان وحد الدايم قم للسحور فإن السحور بركة، ويروى أن مسحراتي جدة كان ينادي: “قوم يا نايم اكسب الغنايم قوم يانايم اذكر الحي الدايم”…
يزداد ذلك البعد التعاوني رونقا وجمالا إذا استحضرنا عسر وسائل التنبيه من النوم في القرون الماضية وفوات السحور مع ما في طبيعة الحياة من عنت وحاجة للطاقة في ممارسة معظم المهن. ويروى أن الظاهر بيبرس أحيى هذه العادة بعد أن ماتت في مصر وسخر لها طلبة العلم الشرعي ينادون في الناس وقت السحور.
وكان المؤذن في مصر ينادي بالآية الكريمة: “يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون”.
ومن نمط هذه العادة الرائعة التي تعكس ذلك البعد الإنساني ما يعرف بتسبيحات رمضان التي ينادي بها المؤذن في مساجد قصور غرداية في وقت السحور، ليوقظ الناس لتناول السحور وقيام جزء من الليل وإدراك مجلس التلاوة في المسجد، فيسبح المؤذن تسبيحات معلومة العدد على ثلاث دفعات والأخيرة منها متصلة بالإمساك، وهي أشبه بضبط المنبه على ثلاث مراحل.
هذه العادة هي بوجه من الوجوه امتداد لسنة النبي صلى الله عليه وسلم إذ اتخذ مؤذنيْن فكان بلال بن رباح رضي الله عنه يؤذن أذانا لإيقاظ الناس للسحور وقيام الليل ثم يؤذن ابن أم مكتوم للإمساك وصلاة الفجر، وفي ذلك جاء خطاب النبي صلى الله عليه وسلم للناس: “إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم”
تسبيحات رمضان فيها ذكر لله، وإيقاظ للنائمين للسحور واستمرار لسنة من سنن النبي صلى الله عليه وسلم وحفاظ على هوية دينية لها خصوصيتها المستمدة من تعاليم الإسلام وهديه.
تقبل الله صيام الجميع وجعلنا من عتقاء شهره الكريم.
د. صالح بوشلاغم



