من وحي الأحداث (2)

في هذا الصباح نشهد منظرا جميلا للتلاميذ وهم كأسراب الطيور تعود إلى المدارس… هذا المشهد جعلنا نغوص في التفكر بحال التلاميذ قبل ساعات قليلة وهم قابعون في بيوتهم خوفا من أن تصيبهم حجارة وخوفًا من صوت نعال رجال الأمن وهم يفتشون ويمشطون الشوارع… وهذا للأسف لأن صورة رجل الأمن في أذهان أبناء بلادي ارتبطت بشبح الرعب والخوف فهي لا تمثل الأمن والاطمئنان، حتى نجد أن الأمهات إن عاندهن أولادهن فيكون موقفهن مثلاً: قم إلى النوم وإلا سأنادي رجال البوليس… صورة مخيفة في ذهن التلميذ… فكيف له أن يدرس وهو يشاهد البوليس واقفًا عند باب المنزل وعند باب المدرسة…
وفي لحظات الإبحار في الدراما التي مرت قبل أيام… منظر آخر يلفت الانتباه… آه… إنه محمد وقد تسارعت خطواته نحو مدرسته شوقًا للعودة إلى الطاولة والقلم والكراس… وفي طريقه حدّث نفسه قائلا: اليوم سأطبق سنة من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا وهي سنة إماطة الأذى عن الطريق… ولم لا فحذائي قد أزعجته الأحجار المترامية في الطريق وأخاف إلّم أزحها فسيمر رجل أعمى أو امرأة عجوز فتسقط… وبعد خطوات يجول خاطره ليزور المشاهد التي كان يراها في التلفاز عن إخوانه في فلسطين… وفي هذه اللحظات وقف وما شعر بلسانه إلا وهو يقول: الحمد لله الذي أذاقنا بعض ما يراه إخواننا هناك… اللهم فرج عنهم وأبدل حالهم بخير حال…
وصل محمد إلى مدخل المدرسة فوجد لافتة اسم المدرسة ملقاة على الأرض… لكنه لم يقف لأنه لم يفهم شيئا هذه المرة… واصل مسيره ليصل إلى القسم… وما هي إلا دقائق قصيرة حتى بدأت خطوات الأستاذ تسمع… فاستعد التلاميذ لإلقاء التحية في جوٍ خيّم عليه الصمت والحيرة جرّاء نبضات الانتظار مما سيقوله الأستاذ القدوة معلّقا على الأحداث… التلاميذ: السلام عليكم، صباح الخير… يجيب الأستاذ: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته… طاب يومكم… استريحوا…
وقبل أن يسمح الأستاذ للسانه بافتتاح الحصة الدراسية… عمّ القسم نوع من همسات الكلام التي لا تفهم إلا بالاقتراب إلى أفواه وأفئدة التلاميذ وهي تقول: ياترى هل شارك أستاذنا في الأحداث؟ ياترى هل سمع أستاذنا بحال الشاب الذي كادت روحه تنفصل عنه بسبب الأحداث؟ هل أحس أستاذنا بغيث الحجارة الذي انهال على البلدة بدل ماء المطر الذي صام عن الهطول؟ أظن أن الأستاذ قد تألم قلبه واقشعرت جوارحه وهو يطل من نافذة الفيسبوك ليصدم بشعارات وكلمات وبألوان مختلفة قد زيّنت جدران الشوارع!! عفوًا أظن أن أستاذنا قد بات جائعًا لأن كل الخبز قد احترق فلم يستطع أن يشتريه… (تواصلت الهمسات… وكل تلميذ يدلي بدلوه).
هدوء… هدوء من فضلكم… هو لسان الأستاذ القدوة قد نطق: أعزائي التلاميذ أعلم بأن صدوركم تختلج بعدة آراء وأفكار بسبب ما وقع هذه الأيام وأنتم تنتظرون لأن أقول شيئا عن ذلك… ولكن يعجز المرء عن الوصف إلا أن يقول: الحمد لله الذي أعاد إلينا الأمن والأمان… وإني أرى أمامي جيل المستقبل وهو أنتم… لا يسعني إلا أن أهمس في آذانكم أن مثل هذه الأحداث هي أحد الدروس التي قد تلقيناها عندما كنّا في سِنّكم ولكننا للأسف لم نراجع الدرس جيدا وقد أضعنا الكراس الذي كتب فيه الدرس… حتى ظهر اليوم بثوب جديد في أحداث اليوم… ونأمل منكم أن تحتفظوا بالكراس ولا تحرقوه آخر السنة، لأن دخانه سيسيطر على عقولكم فتنسون كل شيء… لذا ننصحكم بالمراجعة اليومية في كل أيام حياتكم لأن الامتحانات ستكون فجائية ابتداءً من هذه اللحظات ولا تسمحوا لأي أحد أن يزعجكم خلال المراجعة، ولا تنسوا أن تغلقوا أبواب غرفكم خشية أن تدخل أصوات وأشخاص لا تعرفونهم ولا تفهمون كلامهم مما يسبب في الإخلال بالتركيز… وأنصحكم أن تراجعوا كل المواد ولا تفضلوا مادة عن أخرى فلا نعلم في أي مادة ستكون الأسئلة صعبة… ولا تنسوا أن تستدعوا جيرانكم للمراجعة فبعضهم قد مرّ بتجربة حديثة ولديه خبرة في نوعية الأسئلة… وقبل ذلك لا تنسوا أن تضيؤوا الغرفة جيدا فهذا يساعدكم على الرؤية الجيدة وإن كنتم في جماعة فسيرى بعضكم بعضا بشكل أوضح…
عفوا… أجد أن لدي أشجانا كثيرة تسوقني إلى الكلام لكني سأعطيكم الفرصة اليوم لتعبروا عمَّا تحمله قرائحكم وهذا لأنني لو تحملت الهم وحدي فسيكسر عمودي لذا فلنقتسم العمل وليكتب كل واحد منكم ما جاد به خاطره مع عدم النسيان بأن باب القسم مقفل فلا تخافوا فلن يدخل أحد ولن تسمعوا صوتًا يزعجكم إن شاء الله… انطلقوا أعزائي…
يعتدل محمد في جلسته ويأخذ قلمه مع ورقة بيضاء ناصعة… وقبل بداية الكتابة سمح لعقله أن يطوف ويبحر حول مسلسل الأحداث الذي مر بين عينيه وما سمعه بأذنيه خاصة مشهد أمه التي منعته من شراء الحلوى خوفا عليه… وبنت الجيران التي زارتهم طلبًا للدواء… ومكالمات أخيه الذي يقطن في مدينة أخرى سائلاً عن أحوال الأسرة… وبعد دقائق قرر أن يستفيد مما سبق ليكتب شيئا جديدا…
وفي وسط الصفحة خط العنوان:………………………. ثقافة الإعتذار……………………..
ياسين بن محمد سليمان بوعصبانة
يتبع في الحلقة الثالثة…



