تقاريرتكريمات ومسابقات

تكريم الحاج عيسى الشيخ صالح مؤسس جمعية “العصا البيضاء” للمكفوفين في غرداية

في أجواء مفعمة بالوفاء والاعتراف بالجميل، احتضنت عشيرة آت عبد الله بغرداية مساء الخميس 10 جوان 2025م فعالية تكريمية متميزة، خُصّصت لتكريم واحد من أبرز رموز العمل الخيري والاجتماعي في ولاية غرداية، الحاج عيسى بن يحيى الشيخ صالح، مؤسس جمعية العصا البيضاء للمكفوفين وذوي الهمم، تقديراً لمسيرته الطويلة في خدمة فئة طالما عانت من التهميش والنسيان.

وُلد الحاج عيسى سنة 1937 بمدينة غرداية، وتنقّل في مراحل تعليمه الأولى بين غرداية وتبسة، حيث تحصل على شهادة Certificat d’études، قبل أن يدخل ميدان التجارة كغيره من شباب جيله. إلا أن حادثًا مأساويًا غيّر مجرى حياته، حين فقد بصره… لكنه لم يفقد عزيمته.

بعد عودته إلى مسقط رأسه بأغْلان، التحق سنة 1982 بالشركة الوطنية للمكانس والفرش (ONABROS)، وبرز فيها ليس فقط كعامل مجتهد، بل كممثل نقابي فاعل، حيث دافع عن حقوق العمال إلى غاية تقاعده سنة 1999. بيد أن التقاعد لم يكن نهاية مشواره، بل بداية جديدة لمسيرة مدنية وإنسانية استثنائية.

ففي 5 فيفري 2002، وبإمكانيات متواضعة، أسس الحاج عيسى جمعية العصا البيضاء للمكفوفين وذوي الهمم، لتكون أول جمعية من نوعها على مستوى الولاية تُعنى بتعليم طريقة برايل وتأهيل المكفوفين، ليس كحالات خاصة، بل كمواطنين كاملي الحقوق والقدرات.

وخلال حفل التكريم، الذي شهد حضورًا وازنًا ضم منتخبين، أساتذة جامعيين، مشايخ، أعيان المنطقة، وجمعًا من المواطنين وطلبة الجمعية، استُعرضت مسيرة الرجل الذي حوّل تجربته الشخصية إلى منارة لغيره، فاحتفى الحضور بالإنجاز كما احتفوا بالإنسان.

التكريم لم يكن مجرد حدثٍ رسمي، بل لحظة إنسانية حقيقية، بلغ فيها التأثر ذروته حين وقف عدد من خرّيجي الجمعية لتحية الرجل الذي فتح أمامهم أبواب المستقبل، وزرع فيهم الثقة حين كانت قليلة، وقال لهم: “أنتم لا ترون بأعينكم، لكنكم قادرون على الإبصار بالعلم والإرادة”.

شهادات الحضور أجمعت على أن الحاج عيسى لم يكن مؤسس جمعية فحسب، بل أبًا وملهمًا ومربِّيًا، امتزجت في شخصيته صفات الحزم بالتواضع، والرؤية العميقة بالبساطة اليومية.

كما أُشيد بالدور الكبير الذي يلعبه أبناؤه، الذين ساروا على خطى والدهم، وبرزوا في مجالات العلم والمجتمع، ليُشكّلوا بذلك امتدادًا طبيعيًا لرسالة أسست على الإيمان بالإنسان وحقه في الحياة الكريمة.

اختُتم الحفل بتقديم شهادات تقدير وهدايا رمزية، وسط وقوف جماعي مؤثر ردّد فيه الجميع بلغة المحبة الصامتة:
“لقد أريتَنا بعين قلبك، طريق النور الحقيقي”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى