تأملات وأفكارواحة المعرفة

وسام العالم الجزائري… حيث الأمل يولد من جديد

باسم الطفل الوليد، وباسم الأمِّ الرؤوم، وباسم الشيخ الكتوم، وباسم العامل في صمت… والليل ليل… مبتهلا إلى الله أن يغدق على الجزائر، وعلى العالم من حولها، نفحةً من روْحه، ونفخة من رُوحه، وكفلين من رحمته؛ … فيشرقَ من رحم المعاناة فجرٌ جديد، وغد – بإذن الله – سديد… باسم هؤلاء جميعا أقول:


*حلمي أن لا يغتال الحلم…
*أملي أن لا يموت الأمل…
*بكائي وابتهاجي، حنيني وأنيني…
أن لا يُجهض جنين الفجر السعيد من رحم الصبية والصبايا… صبيحة هذا العيد…
*أنقب عن مقبرة لدفن اليأس من زمن بعيد… بعيد بعيد، فأعينوني بقوة…
*أبحث عن سرداب أطمِر فيه القنوط وأدفنه إلى الأبد، فهاتوا أيديكم لنقضيَ عليه مرة واحدة…
– قال القدر الحليم، وهو يربت على كتف الفتى:
أيها الفتى الذكي، صور لي “جزائرك” على أيِّ شاكلة تراها، وفي أيِّ صورة تتمثلها…
*أتَرَاها مثل هذا الكأس الممتلئ الطافح الراشح… كلُّه خير في خير؟
*أم تُراها أشبه ما يكون بهذا الكوب الفارغ، المقلوب، الثرثار، المنتكس؟
*أم أنك، مثلَ الكثيرين من أبناء جلدتك، تصوِّرها “نصفا فارغا، وآخر أسود”؟
– ارتسمت على شفاه الأمِّ الحنون بسمةٌ موثوقة ببحار المعنى، صدَّاحة بالحقِّ وبالصدق، رغم كيد الأعادي وظلم العوادي، فقالت في هدوء:
*أيها القدر الحكيم، جزائرنا ليست “خيرا محضا”، ولا “شرا محضا”… ولا هي “فراغ على سواد”…
جزائرنا، بحول الله، وبحمد الله، مثل جميع أرض الله: شطرٌ أبيض وآخر أسود، نصفٌ عامر ونصف آخر شاغر… فيها خير، وفيها غير… تحزن وتفرح… يوم بيوم… ساعة بساعة…
ثم تلى البلبل الماكث غير بعيد قول الله تعالى: “لا تقنطوا من رحمة الله”، “ولا تيأسوا من روح الله”… وصمت هنينة، فاستذكر قول العزيز الكريم، في حديثه القدسي: “أنا عند ظن عبدي بي، فليظنَّ بي ما شاء”.

*سأل القدر اللطيف، بصوته المبحوح:
“إن كان ذلك كذلك، فلم إذن تسوِّدون وجه أمِّكم، ولم تلطخون بفحش القول جبين جزائركم… حتى غدت في العالمين عنوانا للشقاء والتفاهة، ورمزا للفساد والسفاهة؟”
– نطق الشيخ الكتوم بعد لأْيٍ ومشقَّة، وقال بدارجة جزائرية قحـــَّة، ما نترمجه إلى الفصحى بما يلي:
*إن سركم أن تعرفوا حقيقة هذا البلد فانظروا إلى تجاعيد وجهي، وإلى قسمات جبهتي… ففيها يرتسم تاريخ تليد عتيد، وفيها شفرة شعب وبلد عنيد…. لولا الأمل، ولولا الرجاء، ولولا الحلم… لكان اليوم ركاما على أنقاض التاريخ، ولكان رقما على هامش الزمان… بل، ولكان كل واحد منكم الساعة “عبدا لسيد”، أو “خادما لمستعبد”، أو “ظلا لمستبد”، أو “سجينا لعربيد”.

ثم علا صوت من دهاليز الأوراس، موقعا على حديث الشيخ الحكيم… فنطقت أحجاره وأشجاره، قائلة:
كان (نيرون) الذي أحرق روما، يمزق ضحاياه ويقتلهم مرة واحدة؛ أمَّا رئيس الوزراء الفرنسي (غي موليه)، فقد أطلق على الشعب الجزائري 500 ألف جنديٍّ: يعذِّب، وينكِّل، ويدمِّر، وينهب، ويغتصب…
يذكر شاهد عيان، وهو مجند فرنسي مرعوب، واصفا المشهد الأليم قائلا:
“أوقفنا مشتبها به جزائريا بريئا، ثم سقناه على متن سيارة جيب، وفي الطريق أخذ كل جندي سكينا، وقطَّع أجزاء من جلد الرجل ولحمه، وهو حيٌّ”.
– علق الشيخ الحليم، بعد زفرة أطلقها من أغوار قلبه:
نحن لا نذكر هذا إلا لنقول:
“نعم، قد نغفو وقد نغفر… ولكنا أبدا لن ننسى، ولن نكون حمقى، فنعودَ إلى تلك العهود البائسة…”
“نعم، فينا ضعفٌ، وفينا وهنٌ، وفينا ما يعتري المريض من سُقم وارتجاف وحمى… “
“غير أن لنا قلوبا تسع الكون، وأرواحا تطال المشرقين، وإرادة – بعون الله – لا تركع ولا تلين…
حتى وإن قطَّعتَ أيها الظالم الأرعن جلدنا ولحمنا ألف مرة، بألف سكين…”
– وسمعت من كبد الصحراء صوتا خجولا يقول:
الجزائر، مهما كيل لها من طعنات ولعنات، ومهما اعتراها من أسقام وركل أقدام… ستظل شامخة، هادئة، متحدة، متحدية…
يبلى الزمان ولا تبلى، يشيخ المكان ولا تشيخ…
هي هكذا ولدت لتكون أبية… عزيزة كريمة… فليس الشقاء والتخلف وسوء الطالع قدرها إلى الأبد…

أيها السادة الكرام:
عاهدتُ الله تعالى أن أكون خادما لمن يمحو ذكرى أليمة اعتصرت في فؤادي، وهدَّتني – والله – هدًّا، وذلك أنه عام 1939م، غادر مالك بن نبي الجزائر مُكرها، وكتب في مذكراته:
عندما بدأت أرض الجزائر تغيب في الأفق، وجدت نفسي أقول وأنا متكئ على حافة الباخرة:
يا أرضا عقوقا!..تطعمين الأجنبي وتتركين أبناءك للجوع, إنني لن اعود إليك حتى تصبحي حرَّة”
ألا يا مالك عُد، فقد باتت الجزائر بحول الله حرة كريمة…

******

اليومَ أيها الحضور الكريم، نضع جماجمنا رصيفا لكلِّ مخلص، عالم، عامل… يحب هذا الوطن، ويتفانى في نشر الفضيلة والتفاؤل على ربوعه، ويزرع على سفوحه وردا وزهرا وعنبرا… وفي طليعة هؤلاء علماؤنا المكرمون، ضمن “وسام العالم الجزائري”، في طبعاته الخمسة… ذلك أن كل واحد منهم رجلٌ جبل، وجميعهُم علامة وهامة، وصدر وفخر، وإمام وحسام…
*ففي الإصدار الأول كرَّمَنا (ولا أقول كرَّمْنا) شيخ المؤرخين، الأستاذ أبو القاسم سعد الله، شفاه الله تعالى…
*وفي الثانية، كنا في ضيافة العالمين القطبين: محمد ناصر، وجمال ميموني… حباهما الله من فضله…
*وفي الثالثة آوانا الثنائي المجاهد إلى رحابه، أقصد الأستاذين: عبد الرزاق قسوم، ومحمد الهادي الحسني… أدام الله يسرهما ونفعهما للبلاد والعباد…
*ثم كنا سعداء مبجلين في حضرة المصلح الأستاذ سعيد بويزري، في الطبعة الرابعة للوسام…
*وأخيرا، حملنا عالم الرياضيات البروفيسور محمد بولنوار زيان.. إلى اللامتناهي، كرما وهمة، ونموذجا ومثالا…

*****
وها نحن اليوم نأتي إلى اللحظة الحاسمة، ونتشرف بأن نكون ضيوفا على عالمين علَمين، صدقوني إن قلت لكم أني حين اطلاعي على خفايا حياتهما الخاصة، صُدمت وصُعقت، ثم ارتجفت وارتعشت… وناديت بأعلى صوتي:
“ألا لعنة الله على الظلام، وعلى ضيق الأفق”…
أيعقل أن يكون في جزائرنا أمثال هؤلاء الأفذاذ، ثم يطويهم النسيان، ولا يكونوا ختما موثوقا على قلب كلِّ طفل وشاب، وفخرا مشوقا لكل كهل وشيخ…
“اللهم، يا نور النور، ويا نورًا فوق كلِّ النور… نوِّرنا بنورك… واجعل أفقنا واسعا فسيحا، وأحي الأمل في قلوبنا… آمين”.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كلمة الدكتور محمد باباعمي في حفل تسليم وسام العالِم الجزائري في طبعته السادسة، يوم 14 ديسمبر 2013.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى