الشيخ سليمان بن الحاج داود ابن يوسف (سيرة عظيم من العظماء)

الشيخ سليمان بن الحاج داود ابن يوسف عالم جليل من علماء الجزائر وبحاثة في التاريخ الإسلامي القديم والحديث من مواليد مدينة تاجنينت (العطف) سنة 1905م.
له اهتمام بالغ بالمخطوطات وأمهات الكتب، وقد عرف منذ صباه بالنّبوغ رغم أنه نشأ يتيم الأم فترعرع في أحضان والده الذي نهل العلم من قطب الأيمّة الشيخ طفيش رحمه الله.
قصد مدينة القرارة -حظيرة العلم ومنارة المصلحين- ليستزيد فيها تعلّما واغترافا من معين اللغة العربية وقواعدها والفقه الإسلامي، فاستظهر القرآن الكريم وهو في سن الثالثة عشر من عمره.
غير أنّ شظف العيش أجبره على مغادرة مقاعد الدراسة وسافر إلى قسنطينة من أجل كسب القوت، غير أن جذوة التطلّع إلى العلم لم تنطفئ ولم يهدأ له بال حتى واصل تعليمه.
في مطلع الثلاثينات مارس نشاطه السياسي والعلمي وواكب تطوّرات الأحزاب والحركات السياسية في الجزائر واشتهر بحماسته الصريحة والمناهضة للاستعمار.
كان الشيخ سليمان بن الحاج داود أحد روّاد الحركة الإصلاحية في الجزائر ومن الأسماء الفاعلة في تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بمعيّة رفقائه في النضال من أمثال زعيم الإصلاح في الجنوب الجزائري الشيخ إبراهيم بن عمر بيّوض وأبي الصحافة الجزائرية الشيخ أبي اليقظان إبراهيم والشيخ عبد الرّحمان بكلّي. ونظرا لشخصيته القوية وأمانته اتخذه الشيخ عبد الحميد ابن باديس كاتبا له، فبذل جهودا جبّارة في تدعيم التعليم العربي بالجزائر ومناهضة كل من وقف ضدّه من النّازية وغيرها من المؤسسات الاستعمارية سنة 1937م.
وقد ساهم أيضا بقسنطينة في تأسيس جمعية الهدى لنشر الثقافة الإسلامية وبثّ الوعي وإذكاء روح الوطنية في الشباب.
وأثناء اندلاع الثورة التحريرية المباركة بادر بكل إخلاص وتفان في تقديم خدمات جبّارة مع أمثاله من الخلّص الأصفياء والمسؤولين الأحرار الذين كان لهم الفضل في استقلال البلاد والعباد وشموخ علم الجزائر خفّاقا في سماء العزّ والحريّة.
قد كوّن المناضل الشيخ سليمان بن الحاج داود في شهر جوان من سنة 1955م سبع خلايا نضالية لبني مزاب بالجزائر العاصمة وضواحيها وقد ترأس هو بدوره خليّة منطقة الحرّاش وكان معه كل من الحاج أيوب إبراهيم القرادي والشيخ بيوض واسماوي الحاج إسماعيل وغيرهم. وكان له اتصال وثيق بالمسؤولين الثوريين من أمثال رباح لخضر’ عبد القادر فلوس، يوسف بن خدّة، الشرقي إبراهيم ثمّ لحق بهم عبّان رمضان إلى أن ألقت عليه السلطات الاستعمارية القبض وعلى رباح لخضر والحاج أيوب إبراهيم في اجتماع يوم 24 أفريل 1956م.
من مذكراته يروي المؤرخ والمناضل الشيخ سليمان بن يوسف عضو جمعية العلماء المسلمين الجزائريين منذ تأسيسها يقول:
ويوم كان الشيخ بيوض بورقلة طلبوا من جميع رؤساء البلديات الحضور إلى اجتماع لوضع الشيخ بيوض أمام أمر الواقع. فأمر الشيخ رؤساء البلديات بالرجوع لأنه سوف يكفي مكانهم، ففعلوا ففشلت الخطّة. وبعد ذلك عدلوا عن فكرة الصحراء الفرنسية لمعارضة الأغلبية، وعلى رأسهم الشيخ بيوض، فلجأوا إلى فكرة إنشاء دولة صحراوية مستقلة. فجاء “جاك سوستال” يغرينا ثم “ماكس لوجان” ثم “روبير لوكور” و “فيشار”، فاجتمع بنا هذا الأخير في مقر البريد القديم بغرداية وقال بالحرف الواحد: “هذا إذن ديغول، قولوا ما شئتم، فكأنكم تحدّثون ديغول بشخصه”، فأظهرنا لأول مرة في التليفزيون، وأعاد الكرة ستة مرّات، وكان “القائد الغول بودي محمد من بريان” رحمه الله أذن لنا في حلقتهم يخبرنا بكل شيء، فنناور مخططاتهم، وقد استفدنا واستفاد منه الوطن أشياء عظيمة. فجاءت أول جلسة جماعية في الأغواط فيها 50 شخصا من أعيان الصحراء، ودعا حمزة بوباكر إلى الاستقلال وإنشاء دولة صحراوية يكون لها مقعد في الأمم المتحدة، وعلم، فكان الكثير ممن لا يفهمون شيئا يقولون أنت أبونا فكل ما فعلت فهو الصواب. وفي آخر الجلسة كانت الواحدة والنصف زوالا، التفت إلى الشيخ بيّوض قائلا: “لم تتكلّم يا شيخ بيوض، فقل كلمتك؟” فأجاب الشيخ بيوض “الوقت وقت غداء فلنتقوّت ثم نعود إلى الكلام”، وأثناء الغذاء همس الشيخ في أذنه وكان بجانبه “لم أرد إجابتك في المجلس كي لا تقول أفسدت علي، ولكن تأكد بأننا نحن بنو مزاب لا نتبعك في دعوتك هذه، فهذا أمر مستحيل. “فأعاد الجلسة في سانت ؤجان بالجزائر، وكلّفني الشيخ بيوض بالحضور للاطلاع وكنّا حوالي 14 شخصا ممن لم يحضروا جلسة الأغواط، ومن أهم ما قال: “نحن سكان الصحراء 600 ألف، فلو فرّقت علينا فوائد البيترول لأصبحنا كلّنا أغنياء، وإنّ فرنسا مستعدّة لإنشاء حكومة صحراوية ذات 14 مقعدا، يتقاضى كل وزير منحة 200 إلى 300 مليون من الحكومة الفرنسية” فلما طُلب منّي الكلام (يقول الشيخ سليمان بن يوسف) رفضتُ فكرته، فقال “أولا تذكر اليوم الذي جاء فيه الشيخ بيوض بفكرة ضم الصحراء إلى الشمال ماذا كان جواب نواب المجلس الجزائري؟ قالوا بأن الصحراء فقيرة وإلحاقها بالشمال سيثقل ميزانيته، واليوم غنيت الصحراء فهم يتهافتون لنهبها”. فأجبتُ بأن الذين رفضوا الصحراء ذلك الوقت هم الفرنسيون، أمّا الجزائريون فقد رحّبوا على لسان السيد فارس. وقال إنّني خائف من الجبهة، وأنّ له القوّة الكافية للدفاع عن فكرته، ولا يخاف الجبهة ولا يعير لها حسابا. فماذا فعل المغرب لموريطانيا؟ أم تريد أن نبقى فقراء والله قد أغنانا؟ ودام الجدال حوالي 4 ساعات، قال بعدها بأننّي لست الممثل الوحيد للصحراء، فالتفت إلى الآخرين وطلب رأيهم فأجابوا: “بارك الله فيك، قال ما كنا نريد قوله”. وبعدها أعادوا الكرّة وأرسلوا “ركور” تمهيدا لزيارة “دوبري” رئيس الحكومة، وطلبوا مجيء الشيخ بيوض إلى غرداية وإلقاء خطاب في الموضوع، فلم يذهب. وبعدها جاء ديغول شخصيا وقال: “أنا أعطيكم الاستقلال وأفعل ما أريد.” وفي مارس 1960 جاءت الرواية التاريخية في ورقلة والتي يعرفها الجميع.
أ. يوسف لعساكر



