شخصيات خالدة

الشيخ بنوح بن أحمد مصباح

هو الشيخ بنوح بن أحمد مصباح من مواليد بلدة غرداية سنة: 1329هـ / 1909م ترعرع في أحضان أسرة عفيفة مباركة

دخل الكُتاب بمسقط رأسه ثم سافر به أخوه الأكبر الحاج مسعود إلى مدينة برج بوعريرج، فأدخله إحدى الزوايا التي تشتغل بتحفيظ القرآن الكريم وهو حدث لم يتجاوز السادسة من عمره.

في أوائل العشرينيات عين والده الحاج أحمد قاضيا بمحكمة قسنطينة فرغب في ملازمته بها، وهناك صقل مواهبه وكان لدراسته أحسن الأثر في حياته العلمية.

استظهر كتاب الله العزيز الحكيم، وتلقى مبادئ الدين ولغة الضاد على يد أستاذه الفذ خريج المعهد الزيتوني: الشيخ محمد الشريف وعمره آنذاك أربع عشرة سنة فرشحه شيخه بالإجازة ليلتحق بالمعهد الديني للإمام عبد الحميد ابن باديس.

عاد إلى مسقط رأسه فلازم حلقات الشيخ أحمد قزريط في النحو والفقه بدار النعاليف وقد تركت في حياته العلمية عميق الأثر وأكسبته رغبة صادقة في الالتحاق بالمعهد الزيتوني لينهل من معين العلم.

بعد سن الزواج سنة 1927م التحق بالبعثة العلمية المزابية بجامع الزيتونة في تونس ليتتلمذ على يد علمائها الأفذاذ خمس سنين دأبا وفي طليعة أشياخه: الشيخ محمد حفيظ، والشيخ الفاضل بن عاشور، والشيخ الزغواني ، والشيخ محمد العنايبي وغيرهم، وكان في الوقت نفسه يتتبع دروسا ليلية في الخلدونية: هي مدرسة تعنى بتعليم الدروس العصرية من حساب وكيمياء و جغرافيا وغيرها.

في سنة 1932م انقطع مكرها عن الخضراء آيبا إلى مسقط رأسه ليعين عضوا بحلقة العزابة المسجد العتيق رفقة إخوانه الثلاثة: أحمد قزريط، وعبد الله بغباغة ويوسف بافولولو، فتفرغ الشيخ لخدمة المجتمع ينشر الوعي في الأمة بدروسه القيمة وأسوته الحسنة.

لما وجد نفسه وحيدا في حقل الدعوة نظرا لظروف ذلك الزمان ولما استقر نظام المسجد قرر الرجوع إلى تونس ليرأس نخبة من طلبة البعثة العلمية الإصلاحية يرعى شؤونهم، من سنة 1934م إلى سنة 1940م ثم قفل راجعا إلى صعيد مزاب تحت وطأة الغارات الجوية الإيطالية على تونس إبان نشوب الحرب العالمية الثانية.

بعد أن استقر به المقام ثانية بمزاب سنة 1942م انخرط عضوا في إدارة جمعية الإصلاح، وساهم بفعالية في جهود تأسيس مدرسة الإصلاح بقسم ثانوي مبدئي في “باييزي” كان من خريجي هذا القسم: الشيخ سعيد بن موسى كربوش، عمر بن صالح الشيخ صالح، محمد بن سليمان بكوش، ويحيى بن محمد بكوش، إدريس بن سعيد أعوشت، وصالح بن إبراهيم باجو، وداود بن محمد كربوش، وإبراهيم بن سليمان الميت، وغيرهم منهم ممن قضى نحبه ومنهم من ينتظر.

ثم انتخب أمينا لجمعية الإصلاح في أول سنة 1946م خلفا لسابقه السيد صالح بن إبراهيم حدبون ـ رحمه الله ـ إلى أخريات حياته لما أقعده المرض فأحال الأمانة إلى من توسم فيهم الصلاح والكفاءة، وقد اتسم في مهمته الشاقة بالأمانة والدقة المتناهية في ضبط حسابات الجمعية مدخولا ومخروجا عند رأس كل سنة وعرضها على الإدارة للمصادقة عليها.

تفرغ للدعوة والإرشاد بالمسجد العتيق يبث حلقاته القيمة في تفسير سور المفصل من القرآن الكريم وجزء من كتاب الوضع لأبي زكرياء الجناوني وجزء من كتاب الشيخ أدويش في العقائد والعبادات، وكتاب جامع أركان الإسلام.

لم يدخر جهدا في محاولة إصلاح أوضاع المجتمع والتقارب بين الهيئات تحت ظلال الوحدة الشاملة حفاظا على رأب الصدع وتوحيد الصف وله في ذلك مبادرات ومواقف سجلها التاريخ في عشيرته وفي تأطير العرس ومنظمة الحراسة الخيرية.

من تراثه الفكري المكتوب بعض المقالات في جرائد الشيخ أبي اليقظان وخطب الجمعة ألقاها بمنبر المسجد العتيق في نحو خمس كراريس وقد رأت النور في كتاب مطبوع.

من مبادئه التي عهد بها الانضباط الشديد في المواعيد، الحرص على وحدة الصف وعدم التمسك بالقضايا الخلافية، التجرد لله وعدم الاشتغال بالمظاهر والصمود على الحق.

التحق بالرفيق الأعلى صبيحة يوم الأربعاء 19 ربيع الثاني 1427 هـ الموافق لـ 17 ماي 2006م بعد عمر مديد في فعل الخيرات، يناهز المائة عام هجرية وقد صدق فيه قول الرسول صلى الله عليه وسلم: خيركم من طال عمره وحسن عمله.

إبراهيم بغباغة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى