من وحي القلمواحة المعرفة

أَوْقِفُوا لهيبَ النّار… واقلَعُوا جذورَ الدَّمار!!!

إنَّ مسلسل العدوان الهمجيِّ الممنهَج الذي تشهده منطقة غرداية كارثة إنسانيّة حقيقيّة من قتل ونهب وتخريبٍ وحرقٍ للمنازل والمحلات وتشريد للعائلات!!!… والله أعلم بما دُبّرَ لهذا المسلسل من حلقاتٍ!!!… ضِفْ إلى ذلك تزوير الحقائق والتشهير في الإعلام، واختلاق أعظم الاتّهام والبهتان لتبرير الإجرام واستحلال دماء المسلمين الأبرياء وأموالهم… ﴿وَالذِينَ يُوذُونَ الْمُومِنِينَ وَالْمُومِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾(الأحزاب:58). فمثل هؤلاء المجرمين المعتدين الذين يبرِّرون سوءَ فِعالهم كمثل الاستِدمار الفرنسيّ الذي قال عنه شاعر الثورة مفدي زكريا:

ومِروَحَةُ الدَّايِ لم تكُ إلاَّ    كما يستحلُّ اللصوصُ الحرامَا

إنَّ ما يحدث في غرداية عدوانٌ واضحٌ على مواطنين جزائريّين ضربوا أروعَ الأمثلة في الاستقامة والوطنيّة والعمارة والحضارة… فليست هذه الأحداث في أصلها فتنةً طائفيّةً أو مذهبيّة كما تروّجه وسائلُ الإعلام لتصرف الأنظار عن أيادي الإجرام، نعم إنَّ منطقة غرداية تتميّز بالتنوّع العرقيّ والتعدّد المذهبيّ إلاَّ أنَّ تعايشَ المواطنين في هذه المنطقة قرونًا من الزمن -مع ما يعتري هذه المسيرة التاريخيّة من توترات ومنافسات في بعض الفترات كما يحدث ذلك في مختلِف الجهات من هذا الوطن الفسيح العزيز- دليلٌ قاطعٌ على بطلان هذه الدعوى.

فيا شرفاء الجزائر مسؤولين وعلماء وأيمّة وإعلاميّين وجمعيات وهيئات… تذكَّرُوا أنَّ سكوتَكم- وأنتم تتفرّجون على تدميرِ حضارة الألْف عامٍ وحرقِها- هوَ عَونٌ للظَّالم على عدوانِه… فهبّوا أيُّها الشرفاء الغيورُون لإيقاف مسلسل الإجرام في غرداية وبادروا لإنقاذ ما يمكن  إنقاذه من إزهاق الأرواح وإتلاف الممتلَكات…، وليتقّنْ كلُّ واحدٍ منكم أنَّه -على حسب مسؤوليته وطاقته – سيُسأل غدًا بين يدي الله تعالى عن مدى إسهامه في إخماد نار هذه الفتنة العمياء التي تعبث بأمن المواطنين واستقرار الوطن…

أيُّها الشّرفاء الغيورون: إنَّ واجبَنا الدينيّ والوطنيّ يملي علينا أن نهبَّ هَبّة رجل واحدٍ لدفعِ أيِّ ضرَرٍ أصابَ أيَّ واحدٍ مِنّا، مصداقًا لقول رسولنا الكريم الرحيمr :«مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى». وأتصوَّرُ أنَّ الخطواتِ المرحليّة الضروريّة المطلوبَة منكم في سبيل إسهاماتكم المستعجَلة من أجل إيقاف مسلسل الإجرام والتدمير الذي تشهده منطقة غرداية هي:

01- المسارعةُ إلى إيقاف النزيف والحدِّ من امتداد نار العدوان، كلٌّ بطريقته الخاصّة ودائرة اختصاصه. ويتأكَّد التعجيل بهذه الخطوة- أيُّها السادة الغيورون الشرفاء- ولو لم تتَّضحْ بعدُ لديكم الأسباب الحقيقيّة لإيقاد شرارة الفتنة وإذكائها، فالمهمُّ أنَّ الخطر النازلَ يستوجبُ الإيقافَ العاجلَ، وإلا عَمّ الفسادُ وأهلكَ العباد وزعزع أمن البلاد ﴿وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾. “ومعظم النار من مستصغر الشرر!”.

02- ضرورة التثبّت من الأخبار التي تصلكم عن الأحداث؛ ذلك أنَّ العديد من وسائل الدعاية والإعلام توظَّفُ لصناعة الإجرام وتغذيته وتبرير عمليات المعتدين، وتشويه الحقائق وتضليل الرأي العام… كما يقول المثل الشعبيّ: “اَضربْني وابْكى واسبقْني واشتكى!” فالمطلوب منكم أيُّها العقلاء النّزهاء تحرّي الحقيقة بالبحث عن القنوات الإعلاميّة النظيفة، أو بعقد زيارات إلى عين المكان، و”ليس الخبر كالعيان”.

03- استجابةً لنداء رسولنا الحبيب صلى الله عليه وسلم :«من رأى منكم منكرًا فليُغيِّـرْه…» فإنّه يتعيّن على كلّ جزائريّ رشيدٍ أن يُسهمَ في إيقاف مسلسل العدوان وقلع جذور الدَّمار الذي يعصف بمنطقة غرداية التاريخيّة قلعة الاستقامة والحضارة في الصحراء الجزائريّة، ويهدّد استقرار أمن البلاد.

إنَّ من مسؤوليات السلطة تغييرَ المنكر باليد؛ فعليها واجبُ المسارعةِ إلى القضاء على الجريمة في مهدها، والقضاءِ بالعدل على كلِّ من ثبت في حقّه التورّط في عمليات العدوان من تقتيلٍ وتدمير وتهجير…تخطيطًا أو تنفيذًا.

وإنَّ من مسؤوليات جميع العقلاء الحكماء الشرفاء تغييرَ المنكر بالقلم واللسان؛ فإنَّ الساكتِين عن هذه المنكرات والعمليات الإجراميّة الشنعاء يُعتَبَرون مع المجرمين المعتدين شركاءَ، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فإنَّ “نار الفتنة موقَدة، فأدركوها يا عقلاء الجزائر قبل أن تتّسع رقعتُها!”.

فيا أيها العقلاء يا من تشاهدون يوميات العدوان والدمار ألم يانِ لكم أن تقولوا قولَةَ الحقّ لتبرئوا ذمّتَكم بين يدي الله ربِّ العالمين، ولِتوقفوا عن العدوان المجرمين، ﴿مَعْذِرَةٌ إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (الأعراف:164)

فعلى كلٍّ جزائريّ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يُنكر بملء فيه أعمالَ المفسدين القتلة المدمّرين… وأن يعتبرَ أعمالهم العدوانيّةَ عينَ الإجرام؛ لا تمتّ بصلةٍ إلى شريعةٍ من شرائع السماء. وأن يُحذِّرَ من مخاطر وسائل الدعاية الإعلامية التي تدأب على تشويه الحقائق وتعفين الأوضاع واختلاق التّهم والبهتان لتبرير أعمال المجرمين.

ومن باب شكر النعمة والاعتراف لذوي الفضل بفضلهم نقرُّ بأنَّ الساحة الثقافية -ولله الحمد والمنّة- لا تعدَمُ نماذجَ من أصحاب الأقلام المنصفة أمثال الدكتور عبد الرزاق قسوم والأستاذ محمد الهادي الحسني والأستاذ عدّة فلّاحي الذين دأبوا على تنوير الرأي العامّ، وقدّموا أروع الأمثلة للرسالة المقدّسة للإعلام المنصِف الهادف، ومن ذلك قول الأستاذ عدّة فلّاحي في سياق حديثه عن أمجاد وادي مزاب وحرص أعلامها في الماضي والحاضر على البناء الحضاريِّ ووحدة الجزائر، مُبدِيًا استياءَه من مواقف الذين «يريدون أن تكون منطقة وادي مزاب محطّةً من محطّات الفتنة في بلادنا» مؤكِّدًا أنَّ شعورَه بالواجب يملي عليه أن لا يترك لهم الساحةَ مساحةً للعبث إذ يقول: «فواجبنا في حدود أضعف الإيمان تنوير الرأي العامّ بالحقائق التاريخية التي نستخرجها من بطون الوثائق والكتب ونسقطها على وقائع وأحداث اليوم للعبرة والموعظة والإنصاف، وفي نفس الوقت الاعتراف بالأبطال الذين ضحَّوا بالنفس والنفيس».

04 – يلاحظ أنَّ العديد من الشخصيات والهيئات تتنادى إلى المبادرة بـعقد “الصلح” فإنّنا نشكر هؤلاء على اهتمامهم وجهودهم ولكنّا نذكّرهم بأنَّ أحداث غرداية ليست في أصلها “فتنة طائفيّة” كما تروّجها وسائل الدعاية والإعلام، بل هي قضية فساد وعدوان وإجرام… فشتّان بين من يستبيح المحرّمات والـمُدافعِ عن الحرمات، ورغم كلّ ذلك فأنا أتصوّر أنَّه من الضروريّ أن يتمَّ التعاوُنُ مع الخيّرين في قضايا المصالح المشتركة للمنطقة، فإن كانت هنالك رَغبةٌ صادقة في تجسير العلاقات التي تعصف عليها ريحُ الظلم والعدوان فإنّ الأمرَ يقتضي وجودَ خطواتٍ تسبق ما يُطلَقُ عليه تجوُّزًا (الصُّلح): ذلك أنَّ الطبيبَ الماهرَ يسعى إلى تشخيص الداء لاِستئصال أسبابه، وعدمِ الاكتفاء بتهدئة الألم بتقديم حَبّة “الأسْبرين” وترقُّبِ معاودة حِدّته في أَيِّ حين… والصلحُ أمرٌ مطلوبٌ إلاَّ أنّه إن لم يكن منوطًا بالعدل، كما دلَّ عليه القرآن، فإنَّه يكون بمثابة تهدئةٍ للآلام وغطاءٍ لأرباب الإجرام، فالحلُّ الجذريُّ ليس في التسوية بين الجاني والضحيّة، ورفع شعار “الصلح” وانتزاع العفو من المظلوم، بل هو في إحقاق العدل؛ بإيقَافِ الظالـم عند حدّه ومحاسبته، وإنصاف المظلوم…حينئذ يسترجع الصُّلح روحَه ويستردُّ معناه، ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾.

فهُبّوا يا عقلاء الجزائر مسؤولينَ وعلماءَ ودعاةً ومثقَّفين وإعلاميّين…أيُّها الحكماءُ الغيورون النزهاء… لنجدة المظلوم، وإيقاف مسلسل الإجرام والعدوان،  وقلع جذور الفتنة الساعين في الأرض فسادًا، العابثين بأرواح المواطنين وممتلكاتهم وأعراضهم وبأمن الوطن واستقراره… تجرّدوا أيها العقلاء النزهاء للحقّ؛ قولوا كلمة الحقّ ولا تكتموا الشهادة، واستحضروا مقامَكم بين يدي الحقّ سبحانَه وتعالى، في ذلك اليوم الحقّ؛ فإنَّه لا صلاحَ لأوضاعنا ولا نجاةَ لنا في العاجلة والآجلة غير الوقوف مع الحقَّ و قول الحقّ، ولو على أنفسِنا أو الأقربِين لقول الحقّ سبحانه وتعالى: ﴿يَآ أَيـُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمُ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ…﴾ (الأحزاب:70-71)

﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى اَلاِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾(المائدة:02)

                                                                                                                    د.حمو بن عيسى الشيهاني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى