ماذا سنقول لأجيالنا غدا؟

هل سنقول لهم أن جزائركم الغالية و وطنكم الحبيب قد سُلِب في عهد سابق (مذ 1830 حتى 1962 ) من طرف الاستعمار الفرنسي فمارس فيه كل أنواع العذاب و التنكيل… (نعم عذر فهمناه كتعليل على وضعنا الراهن) ثم توالت فترة العشرية السوداء أين كان خلالها الركود في مختلف المجالات منها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية… (نعم عذر فهمناه كتعليل على وضعنا الراهن كذلك).
لكن بعد مضي خمسين سنة لم نعد نفهم مثل هذه الأعذار وفي عقولنا لم تعد هناك مساحة شاغرة تستعد لقبول مثل هذه التبريرات…؛ وفي الخمسينية على ما أذكر اشتعلت الجزائر فرحا وابتهاجا ولم يخل جدار يضمه التراب الوطني من صدى الحدث إما كتابة أو تصويرا أو زخرفة… أذكر أن الألعاب النارية وما نحوها أصمّت الأسماع و حتى أنها أوضعت الأحمال… في خضمِّ كل هذا كنت أسأل حينها عن مَواطن الاستقلال في فكرنا أو مناهجنا أو اجتماعيتنا أو اقتصاديتنا أم أن الاستقلال الترابي سدل الستار عن كل ذلك رغم أهمية كل منهما…
وأسأل لو حضر المجاهدون الصادقون يومنا هذا ماذا ستكون ردة فعلهم إن لمحوا حال جزائرنا الغالية… فبكيت وذرفت دمعا ثم توالت على ذاكرتي بعض الأسماء النيرة التي تنازلت عن السلطة في مجال ما لا أعرف إجبارا أو اختيارا لكن الأول هو الأرجح في غالب الظن… ولا مجال لذكر الأمثلة هنا إلا أن أشير إلى أن مثل هؤلاء كانوا سيحملون الجزائر إلى بر الأمان إلا أنهم رحلوا والبعض شُرّب من فم ما يسمى بهجرة الأدمغة وكيف لا ونحن لدينا في نظامنا الجزائري أن العقلية الممتازة تطرد دوما ويُجلب إلى القيادة والإدارة ساسة الخداع والمكر؛ بعد هذه الجولة الفكرية… ربطت عهدا مع نفسي بأن أعمل وأجتهد بعون من الحق تعالى…
نعم هذا قبل ثلاث سنوات بالضبط واليوم ونحن في عام 2015 ماذا سنقول لأجيالنا غدا؟ كيف نقص لهم مأساة مزاب القاتلة وجراحها الدامية المستعصية وحالة مرضها العضال المتأزم والحرب الضروس الحامية الوطيس التي مست أهلها… ماذا سنقول لولدنا العزيز الغالي الذي قُتّل أباه دون رحمة أو شفقة وهُرّبت أمه وأُُبكي إخوته وتناثرت أغراض بيته الذي كان يضم جل ذكرياته ومواقف تنشئته بحلاوتها ومرارتها… ماذا سنعلل هذه المرة النزاع؟ لمن تكون له حصة اللوم؟ أم سنقول أن الاستعمار الفرنسي كان يتسلل خفية في الثلث الأخير من الليل فيسلب أغراضنا ويقوم بتقتيل رجالنا وحرق ديارنا؟
آه؛ يا لها من أضحوكة ساخرة وتخمين بليد؛ أم نقول أن الدولة بعد خمسين سنة ويزيد (قدروا الحساب) لم تستطع تنظيم أجهزتها؟ وأنا أسمع كل يوم انتقال الولاة والوزراء والجنرالات وترسانات ذوو اللباس الأخضر والأزرق على حد السواء إلى غرداية ولا أفهم سبب الزيارة ولا هدفها وأنا التي ليس لدي باع في أمور السياسة ولا أفهم من شؤونها إلا قليلا وعندما أسمع إلى حوارات الكبار من الرجال أجد هذه الكلمات (حُضّر لها بتخطيط من قبل… الدولة دائما هكذا… لا يجب انتظار الدولة…) وأنا لا أفهم ولا أملك إلا أن أذرف الدموع الكثار فتتورم عيني ويحمر جبيني من غير مغزى يذكر… أم أننا سنعلل بالاختلافات العرقية والاجتماعية والمعاشية لمجتمع دام رباطه لمدد طويلة و أدهر متتالية…؟
ماذا سنقول له عندما يسأل عن أبيه وعن ألبومه القديم ودميته الأولى وعن أستاذه ومدرسته لم يشُبّ فيها النزاع يوميا؟ سيكون أهون عليه بكثير لو مات لمرض أو حادث مرور أو تضحية في سبيل دعوة إلى سبيل الحق… أو… أو… ولكن لخلاف لا أساس له ولتفاهات لا قدم لها ولا رأس؛ لخلاف بين أبناء الدين والوطن الواحد؛ اعذروني لم أفهم شيئا…
ولا زلت خلال كل هذه السنوات أقف في ساحة المؤسسات التي تمدرست فيها لتحية العلم فأنشد مع “مفدي”،”وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر” ولا زلت أسأل وأعيد من الذين عقدوا؟ ولمن عقدوا؟ وكيف عقدوا؟ ومن هم لها؟ فتذكي هذه الأسئلة في عمقي لهيبا قويا فأمضي مقبلة على دروسي وكتاباتي علّي أستطيع تطبيق منشد “مفدي” في الإحياء والبعث والتجديد فعلا وتجسيد ذلك واقعا… مع كل ضعفي وهواني وقلة حيلتي؛ ولازلت أسأل نفسي عمن هم معي مثلي في الصف هل كلهم على وعي بثقل الرسالة ووجوب الاغتراب وحمل الهم؟ أم أن تحية العلم المدرسية صارت عادة من دون روح وطقس من دون نفس.. فأترك عقلي الصغير يغوص وأنتقل عبر السلالم المؤدية إلى قسمي فأخط على ورقي الصغير عهدي الموثوق و دستوري المتواضع : “من أجلك يا جزائري أحيا وأتنفس… سأخط على صفحات تاريخك… قصة الانتصار والتمكين؛ قصة الحب الأصيل والعشق الغريب؛ قصة الشعب التليد… هجرت إليك (بنية العمل)… ولأجلك أحيا وأعيش” ثم سرعان ما تناوبني نوبة التشاؤم السقيمة فتختلط عليّ المشاعر والأحاسيس… ولا زلت أتأرجح بين كفتي الإقدام والإحجام والخوف والرجاء والرضا والرفض… وفي وسط هذه الكومة يطرق مسامعي صوت الأستاذ (لبداية الدرس) فتعلو في أعماقي راية الطموح من جديد فيغمرني إحساس بكثرة الغرباء – مع كل ما تحمله الكلمة من معنى – وكثرة الذين يحركون الأوضاع من أسفل في هدوء بعيد عن الضوضاء والأنظار نحو التمكين لحضارة الإسلام…
عذرا قراء مقالتي على تذبذب شعوري…
عذرا أني صرت اليوم شرسة في كتاباتي…
عذرا على مسحة الكآبة التي اعتلت مقالتي رغم أني قد عُلمت أن من يكتب لغيره يجب عليه أن يكون متفائلا يبث الانشراح في الصدور ويزرع الأمل في النفوس…
عذرا على تشائمي الحاد إلا أن ما يذيبه هو الرب المتعال الكبير الموجود من فوق والذي يقدر الأمور ويجريها ويرى ويعلم ما لا نعلم… وعله من رحم مزاب ستلد الجزائر من جديد.
عذرا؛ عذرا؛ وعذرا هذه المرة على خربشتي الصارخة الغير ممنهجة… ولكن دعوني فقط أعيدها بأعلى صوت: “وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر” و”وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر”.
فلة داود



