كيف نتجاوز هذه الأزمة بسلام؟

“فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف” صدق الله العظيم، هذه الآية الكريمة ذكرت خطرين من المخاطر الثلاثة التي كانت تهدد حياة البشرية قديما هي: الحروب، والمجاعة، أما الثالث فهو الأوبئة هذا الثلاثي كان سببا في هلاك الملايين إلى تاريخ ليس بالبعيد عنا، حيث يمكنك الاستماع الى شهادات حية من كبار السن، ممن عايشت أهوال ووقائع يصعب عليك تخيلها..
أما نحن في عصرنا الحالي، فحمدا لله لم نشهد حروبا حقيقية، رغم أن العشرية السوداء وسنوات الفتنة أعطت لنا صورة مصغرة عن صعوبة المحنة وكيف ستكون الحياة من دون أمن، لم نخبر مجاعة منذ أمد بعيد، بل خبرنا عكسها من تخمة وسمنة مهلكة، لم نخبر أوبئة وأمراضا معدية تهدد حياة الملايين في وقت زمن واحد، إلى أن جاءت جائحة فيروس كورونا 2019 لتمنح لنا فرصة لاختبار هذه الأمور لأول مرة، فرصة سيئة للكثير للأسف لأنها قلبت حياتنا العادية الآمنة رأسا على عقب، حركات شُلّت، مطارات أُغلقت، مواعيد أُلغيت، مدن عُزلت، ومدارس اُوصدت، عمال مُنعوا من الاسترزاق، كل شيء توقف وكل شيء لم يعد كما كان، دعوات متكررة وملحة إلى لزوم البيوت والالتزام بالحجر الصحي وهذا كله بغية تحقيق عزل اجتماعي والحد من انتشار الوباء والسيطرة عليه والخروج بأقل الخسائر البشرية..
هذه الإجراءات الصارمة وغير المعهودة خلقت جوا من التوتر والقلق العام، مع ظهور أصوات محذرة بالعواقب النفسية الوخيمة التي ستظهر نتيجة كل هذا، وهذا ما أكده تقرير علمي في مجلة (HELANCET) الشهيرة حيث تناول خلاصة أربع وعشرين دراسة علمية للنتائج النفسية للحجر الصحي في الأوبئة السابقة، النتائج كانت واضحة، الحجر الصحي في غالب الأحيان له نتائج نفسية غير مرغوبة على الكثير، توتر، غضب، هلع، قلق، أرق، ارتفاع معدلات الاكتئاب وحالات العنف المنزلي والطلاق، وهذا كله راجع الى أثر التغير المفاجئ في حياة الفرد وعدم التعامل الجيد مع هذه الأزمة نظرا لعدم امتلاك أي خبرة سابقة وعدم التعود على مثل هذه التقلبات غير المتوقعة
هدفي وراء هذا ليس إخافتكم أو زيادة الطين بلة، لأن عدم إدراك المشكلة أسوء من المشكلة بحد ذاتها، لهذا بودي أن أقترح عليكم نصائح لنخرج من هذه الأزمة بأقل الأضرار.
- يقول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: (من أصبح آمنا في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها) في هذا الحديث فلسفة عميقة لكيفية التعامل مع الحياة، هذه الفلسفة قائمة ببساطة على عيش اللحظة الراهنة فحسب، أغلب المشاعر السلبية هي نتيجة التفكير في الماضي: كيف كنا وكيف أصبحنا، أو نتيجة الخوف من المستقبل، الخوف من أن نصاب بالعدوى، أو أن نفقد أحباءنا، الخوف من الفقر وانقطاع الرزق، وطرح أسئلة معكرة للمزاج مثل: متى سينحسر الوباء ونعود لحياتنا الطبيعة؟ رغم أننا لا نملك أية إجابة عليها لكننا لا نكف عن طرحها دون جدوى، حاول أن تسترجع أزمات مررت بها سابقا، وحاول أن تتذكر المخاوف المستقبلية التي كانت تنتابك حينها، ستجد أن أغلبها لم يحدث وأنها كانت مجرد احتماليات تعامل معها عقلك على أنها أمور حتمية الحدوث مما أثر سلبا على نفسيتك، لهذا حاول أن تركز في حاضرك فقط..
- الإحساس بالوحدة وحرماننا ممن نحب سيخلق جوا من القلق والقنوط، لهذا حاول دائما أن تبقى على اتصال معهم بشتى الوسائل، حاول ألا تبقى وحيدا طوال الوقت.. إذا كان لديك في محيطك المصغر كبار سن يعيشون بمفردهم أقارب أو أصدقاء تعلم عنهم أنهم قد عانوا أو يعانون من أمراض نفسية، فحاول أن تكون سندا لهم لأنهم معرضون لهذه العواقب بدرجة أكبر من غيرهم، اسأل عن أحوالهم كل يوم، حاول أن تدعمهم نفسيا وأن تشعرهم بأن هناك من يفكر فيهم، إذا كنت محبا لهم فعليك بالقيام بهذه الأمور فالتضامن يبدأ من هنا..
- الفراغ وما أدراك ما الفراغ، مشكل حقيقي علينا التعامل معه بذكاء، من الطبيعي أن تكون هذه الأوقات الحرجة أوقاتا غير مشجعة على الإنتاج بتاتا، لست ضعيفا إن كنت تعاني من القلق أو فقدان التركيز وبطئك في إنجاز الأمور، أو فقدان الرغبة في إنجازها أصلا، ردت فعلك طبيعية جدا لهذا حاول أن لا تحتقر نفسك وتحملها ما لا تطيق، أنت لست ضعيفا ولست فاشلا إن لم تنجز ما ينجزه الٱخرون في هذه الأوقات من تحديات، وكتب مقروءة، ودورات ومشاريع منجزة، لا تقارن نفسك بأحد كل وقدراته وكل وطريقة تعامله مع الأمور، إن وجدت أن التحديات تساعدك على التحسن قم بها، أما ان كانت مصدرا للمزيد من القلق والضغوطات فابتعد عنها، لكن لاتبق فارغا، قم بأي شيء ولو كان بسيطا، طالع رواية، تفرج فيلما، شارك في الأعمال المنزلية، العب ألعاب فيديو، أي شيء، فقط لا تدع الفراغ يتسلل إليك.. إن تحدثت عن نفسي وكيفية قضائي للأوقات فلا تستغربوا إن أخبرتكم بأني ألاحق الزمن لإنجاز الكثير من الأمور المحببة لي، يومي ينقضي بسرعة، وبين السبت والجمعة يوم واحد ينقضي في ومضة عين، صرت منكبا على المطالعة باللغات الثلاثة أكثر من الماضي، كما كانت هذه فرصة لا تعوض لتطوير مستواي في اللغات، وجدت وقتا أكثر لممارسة هوياتي في تبسيط المواضيع الصحية للعامة، تلاوة القرءان في مجلس عائلي بين المغرب والعشاء هي عادة قديمة كادت دوامة الحياة السريعة أن تنسينا فيها، وهذه الأزمة كانت فرصة لإعادة إحيائها، لايفات، محاضرات، لقاءات افتراضية، وأفلام وأشرطة وثائقية هنا وهناك، كلها تنتظر دورها الذي لم يحن بعد للأسف، باختصار أعتبر الحجر فرصة ذهبية لي القيام بالكثير من الأمور التي كانت تتخذ مني شهرا في يوم واحد..
- في إيران، تم تداول خير مفاده أن شرب الإيثانول يقضي على الفيروس، من لم يتحقق من الخبر حاول شربه، والنتيجة مئات الضحايا بسبب تسمم أجسادهم.. الإشاعات وما أدراك ما الإشاعات، ربما من السلبيات الكبرى لوسائل التواصل الاجتماعي هي كونها منحت الفرصة للجميع بدون استثناء لكي يتحدثوا وينشروا ما يحلو لهم ولو كانوا من غير أهل التخصص، فيروس مصنوع، مؤامرة عالمية لتمرير أمور خفية، دواء تم اكتشافه، حقيقة المرض ليس فيروسا بل غاز سيختفي في اليوم الخامس من أفريل، أخبار كاذبة مزيفة ليس لها مصدر علمي أو موثوق لا تمكث طويلا إلى أن تطوى في طيات النسيان بعد أن زرعت هلعا أو أعطت أملا زائفا في نفوس الملايين لتأتي بعدها أخبار جديدة لكنها مماثلة في الكذب لتفعل فعلتها ثم تنحسر..إلخ، كأنه قد قدر علينا أن نعيش في دوامة لا تنتهي، دوامة تساهم في زيادة الطين بلة وتعقيد الأمور من محاربة للمرض إلى محاربة للجهل، إن لم تكن من أهل التخصص أو لاتفقه في الأمور الصحية الكثير فهذا ليس عيبا، لم يفرض عليك أن تعلم كل شيء، العيب أن تكون شريكا في نشر الجهل والكذب، الأطباء منكبون على متابعة الجديد لحظة بلحظة، وإن طرأ شيء يستحق أن تعلمه سيصلك من أهل التخصص لا تقلق، هم على دراية بآخر التحديثات والأخبار، لذا لا تعتقد بأنه بمشاركة منشور يتضمن خبرا لست متيقنا من صحته ولا مصدره بأنك تساهم في نشر الوعي وتنبيه الأخصائيين بآخر المستجدات، لا، أنت تساهم في تعقيد الأمور فقط، إن وصلك خبر يتوقف عندك، تأكد دائما من صحة ومصدر المعلومات، ولا تصدق كل ما يردك، هذا أفضل لك، لنفسيتك المنهكة، وأفضل للجميع..
- قلة الحركة لمدة طويلة قد تسبب مشاكل في الدورة الدموية مع خطر انسداد الأوردة أو الشرايين وهذا ليس بالأمر الجيد بتاتا، والوسيلة الوحيدة لتفادي هذا هو الحركة والقليل من الرياضة المنشطة للجسم، كما أن النشاط البدني يساهم في حرق الدهون التي ترسبت في أجسامنا بسبب الأكل والخمول، لسنا مستعدين لكي نخرج من هذا الحجر بوزن زائد، السمنة هي عامل محفز للكثير من الأمراض المزمنة، لذا تحرك قليلا.. أشعة الشمس تساهم في تعديل الساعة البيولوجية للإنسان، وتعدل وتيرة إفراز الميلاتونين وهو هرمون النوم، عندما تضطرب وتيرة إفرازه سنعاني من الأرق ومشاكل في النوم، أشعة الشمس أيضا هي المصدر الرئيسي لصناعة فيتامين “د”، الذي له دور كبير في المناعة، تجديد العظام، وتعديل المزاج، لهذا يعاني الكثير من الاكتئاب الموسمي الشتوي بسبب الجو الملبد وغير المشمس، ما إن يأتي فصل الربيع حتى يتعدل مزاجهم، لهذا عليك بالتعرض لأشعة الشمس يوميا لتفادي كل هذه المشاكل، عشرون دقيقة يوميا كفيلة بتحقيق الغرض..
كانت هذه نصائح بسيطة أتمنى أن تساعدكم في مواجهة هذه الأزمة التي نأمل أن تنفرج قريبا بإذن الله، وتأكدوا أن أمر المؤمن كله خير، إن أصابته سرّاء شكر؛ فكان خيراً له، وإن أصابته ضرّاء صبر؛ فكان خيراً له، وتأكدوا أن بعد العسر يسرا، لقد مررنا بأزمات أشد من هذه في الماضي القريب، فيضان 2008، أيام الفتنة التي كانت أياما سوداء على الجميع، فقدنا فيها العديد من الأرواح والممتلكات لكنها كانت فرصة لنا لمراجعة أنفسنا على جميع الأصعدة، رغم مرارة تلك التجارب إلا أنها منحت لنا الكثير من الإيجابيات التي ماكنا لنستفيد منها لولاها، نأمل أن تكون الأزمة الحالية أخف وطأة من سابقاتها، ونأمل أن نخرج منها بأخف الاضرار وأن نحول المحنة الى منحة بإذن الله، بالتضامن والتكافل سنكون قادرين على تخطي الكثير من الأمور التي نحسبها مستحيلة العبور لو كنا أفرادا، تحياتي
عبد الله الشيخ صالح



