كي لا ننسى الشهيد ‘عبد الحفيظ سعيد’

بداية، أقرّ بأن الكتابة عن الشهيد الرمز عبد الحفيظ سعيد، ليست عرفانا بقدر هذا الرجل وإكراما لمنزلته، لأن من عرفوه عن قرب وعايشوه في النضال يجزمون أن كل الشهادات والخواطر التي جادت بها قرائحهم لا تفيه حقّه الكامل، ولا تنقل صورته كاملة للأجياء، هنا إضاءة حول الرجل بمناسبة الذكرى الـ16 لرحيله.
الخطوات الأولى
ولد الشهيد عبد الحفيظ سعيد شهر أكتوبر عام 1971 بولاية غرداية، في أسرة محافظة، حيث ترعرع ونشأ على فطرة الإسلام وقيمه المثلى، إذ أن جديه كانا من رواد الحركة الإصلاحية في الجزائر، كما أن والده الحاج محمد كان مناضلا نشطا في صفوف الإتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين منذ صغره، ففي هذه البيئة الأخلاقية والعلمية، نشأ عبد الحفيظ طفلا شغوفا بحب العلم والتعلم، متفوقا منذ نعومة أظافره، ليحوز بذلك شهادة البكالوريا بعد جدّ ومثابرة صائفة 90 بالبليدة، ويلتحق بعدها مباشرة بالمعهد الوطني للتخطيط والإحصاء لنيل شهادة مهندس دولة .
كان عبد الحفيظ سعيد بشهادة من عاشروه، ذا حسّ إنساني في منتهى العاطفة والنضج، كريم الخلق، رقيق القلب، شديد الحب للناس، ليّن الطبع، سهل الإئتلاف، زيادة على نشاطه الدؤوب ومواقفه الشجاعة ، هذه الخصال أهّلت الطالب عبد الحفيظ لاعتناق النضال مبكرا والتحلي بروح الفعالية والتضحية، بعدما اكتسب دراية واسعة بالعمل الطلابي خلال مرحلة دراسته الثانوية ليحتضنه الإتحاد العام الطلابي الحرّ في الجامعة.
عبد الحفيظ النقابي
ما إن وطأت قدما عبد الحفيظ سعيد الجامعة حتى اشتعل فيه فتيل الطموح في جوّ كله مشاكل: الإدارة، التعريب، الغرفة، النقل، التهميش… ومن هنا بدأت المعاناة، لا معاناته هو فقط، وقد اعتاد أن يعيش لنفسه ولغيره، إنّها معاناة جامعة برمتها استصغر فيها العلم وهمّش الطالب وطغت عليها توافه المشكلات أمام مسؤولية تائهة ومسؤول تائه وأمانة تبحث عن أمين ، انتبه الطالب عبد الحفيظ من شروده وحيرته، حتى قادته حرقة قلبه إلى اعتناق الواقع وآثر الميدان، ليخط أولى اجتهاداته على الطريق، فكان الإتحاد العام الطلابي الحر المحضن.
كانت أولى محطاته النضالية هي مطلب التعريب الذي شغل باله كثيرا وجعل همّه همّا واحدا، إذ كان يعتبره قضية مبدئية لها جذورها التاريخية، وبالتالي فإن النضال في هذا المسعى هو فعل حضاري بامتياز، كما أن إصلاح التعليم عموما واستكمال السيادة بنظره لا تتم إلا بهذا المبدأ، وفي سبيل الوصول إلى هذه الغاية الحضارية رفع الشهيد عبد الحفيظ تقريرا إلى إدارة المعهد حول وضعية التعريب ليصل بها إلى العمق، واصفا مكمن الداء وجوهر الأزمة، إذ لم تكن في تقديره مجرد لغة تكتب بأحرف عربية أو لاتينية بقدر ما كان واعيا أن الصراع حضاري بالأساس وله منطلقاته التاريخية، صار يمثل حسما بين مشروعي الأصالة والإستئصال، فكان دوما يردد ”التعريب أمانة الشهيد”· وقاد لأجل ذلك رفقة إخوانه المسيرة التاريخية باتجاه الوزارة يوم 15 / 01 / 1990 ليتحصل على شرف انتزاع أول قرار رسمي للتعريب يحققه الشهيد عبد الحفيظ، مسجلا بذلك أول نقطة في مشواره النضالي، وتكون الطريق المؤدية للجنة الوطنية للتعريب في الاتحاد ، بعد هذه الخطوة، أشرف عبد الحفيظ على تأسيس شعبة معهد التخطيط والإحصاء (1) الأمين العام الأول آنذاك الأستاذ يوسف طواهرية شخصيا، لما يمثله المعهد من رمزية خاصة بعدما تألق حيز التعريب، فترأس الشهيد عبد الحفيظ اللجنة التحضيرية التأسيسية ، وقد كانت ولادة الشعبة عسيرة بفعل التحركات المضادة التي حاولت من خلالها بعض القوى المخاصمة إفشال الجمعية العامة، وهنا يسجل التاريخ لمدير المعهد شجاعته وحكمته في فضّ النزاع وتأمين نجاح الجمعية الإنتخابية التأسيسية ، وقد استمرت تداعيات هذه الجمعية العامة ليتعرّض الشهيد على إثر ذلك إلى الضرب المبرح، وهو الذي كان دوما يوصي إخوانه ”قاتلوا الناس بالحب”، فكان الصغير الذي حمل هموم الكبار، ناضجا، سمحا، حكيما، يعلّم غيره كيف تنتصر الحكمة على القوة.
المفكر والكاتب
لعل أهم ما ميّز عبد الحفيظ سعيد زيادة على ما تمتع به من حركية هائلة وقدرة عجيبة على التجميع، وروح المثابرة، هو امتلاكه لرؤية ثاقبة وقلم سيّال ومؤهلات كتابية، مكنته من أن يعبّر عن أفكاره وينقل رسالته للآخرين، فلاحت بذلك ملامح الشخصية القيادية التي تحمل سمات المفكر ومنظر العمل الطلابي ، والحقيقة تقال، إن هذا الإحتياج هو عيب كثير من القيادات التنفيذية التي تقف عاجزة أمام نسخ تجاربها للأجيال وترجمة عطاءاتها في قوالب منهجية وقواعد عمل يقتفي أثرها السائرون من خلفهم في درب النضال ، غير أن الشهيد عبد الحفيظ -رحمه الله- جمع خير الحسنيين، فكان رجل ميدان لا يشق له غبار وخطيبا مفوها تشرئب له الآذان، وكاتبا مبدعا تنقاد له أزمة اللغة والكلام ، وما أجمل الكلمات عندما تستمد قوتها من الإيمان العميق بدلالاتها وأبعادها والتصميم على تحويلها إلى حركات حيّة وواقع ملموس، وقد كان ذلك دأب الشهيد عبد الحفيظ، رغم عدم تفرغه للتأليف والتحرير، فقد حرص الشهيد على تدوين مذكراته خاصة في الفترة الجامعية من حياته ولو على قصاصات خاصة، لأن واقع الجامعة وأزمة الجزائر استنطقته ليسجل مواقفه، وبدأ هذا الإهتمام يكبر فيه وهو يزاول تحركاته ونشاطه في الإتحاد، ممّا أكسبه خبرة في تحرير وصياغة بياناته الرسمية ومواقفه المتعددة داخل وخارج الجامعة ، وقد تعمّق مشواره الصحفي عبر تجربته في جريدة الإتحاد التي كان يتابعها من التحرير إلى التصفيق والإخراج حتى السحب، فكان قلما حادا، له كتاباته وتحليلاته وهو ابن التاسعة عشر من العمر، وأهمها مساهمته في منتدى التضامن الطلابي بعنوان ”قراءة في أسباب الأزمة” ، إلى جانب هذا الإهتمام الصحفي المبكر، فقد تميز عبد الحفيظ بقوة الطرح وفهمه العميق لمسار الإتحاد، ووعيه الخاص بالمشكلات الراهنة داخل الجامعة وعلى الساحة الوطنية، وهي مؤهلات قدمته لتمثيل الإتحاد في عدّة منابر داخل وخارج الوطن من ندوات وملتقيات وجلسات عمل ، ومن جملة مشاركاته اللافتة للإنتباه برنامج تلفزيوني حول المنظومة التربوية سنة ,1992 مركزا فيه على ضرورة الإنسجام والتكامل الذي وجب أن يكون في المنظومتين التربوية والجامعية لتحقيق الغاية من الرسالة العلمية والتربوية، كما أكد على ضرورة ارتباط المنظومتين بالهوية الوطنية.
لقد كانت أطروحاته تحمل الكثير من المعاني، وتؤكد التجربة والخبرة التي اكتسبها مبكرا، فاستطاع بذلك أن يبلّغ رسالته إلى كل مفكر وكاتب، وهو يقول ”إنّ أصحاب الأقلام يستطيعون أن يصنعوا الشيء الكثير، ولكن بشرط واحد هو: أن يموتوا هم لتعيش أفكارهم، وأن يطعموها بدمائهم الزكية الطاهرة حتى تعيش بين الأحياء”.
السياسي الواعد
بدأت الإرهاصات الأولى للبعد السياسي في شخصية عبد الحفيظ مبكرة، وبالضبط منذ دخوله الجامعة، حيث أدرك أن واجبه النقابي إنما هو مرحلة من مراحل العمل السياسي، خاصة مع توفر عدّة مؤشرات لديه رشحته لذلك، إضافة إلى ذلك، فإن الجامعة في تلك المرحلة لم تكن بمعزل عن الأحداث ، بل كانت البيئة الخصبة والمسرح المهيأ لتطور التفاعلات السياسية وبروز الصراعات الكامنة إلى الواجهة بكل تبعاتها وأبعادها اللغوية والإيديولوجي ، وفي خضم هذه الفترة، كان عبد الحفيظ سعيد على موعد لتقلد مسؤولية نائب الأمين العام ، وقد تميزت تلك المرحلة باستفحال الطابع السياسي على الأوضاع في الجزائر، وهي تعيش أزمة متعددة الجوانب والأوجه: سياسية، اقتصادية واجتماعية . وهو ما جعل قيادة الإتحاد آنذاك تفكر مليا في المساهمة حسب الإمكانيات المتوفرة وبالقدر الممكن، لدفع مسيرة المصالحة والإنفراج داخل الوطن ، هنا كان دور الشهيد عبد الحفيظ سعيد تاريخيا، عندما ترأس بقرار من المجلس الوطني ربيع 1992 لجنة المصالحة الوطنية، تزامنا مع الوضع المتأزم الذي تعيشه الجزائر، فكان الإتحاد يرمي من خلال تلك المبادرة الأولى والفريدة من نوعها في تاريخ الحركة الطلابية، إلى أن يسهم في تقريب الرؤى ووجهات النظر بين الجزائريين لتجاوز الأزمة .
جاء المؤتمر الوطني الثالث للإتحاد، وعبد الحفيظ أشد ما يكون حيوية وشعلة تتقد بالطموح، واسع الخيال، لكنه شديد السعي لتحقيق ما يؤمن، وكان دوما يردد ”أحلام اليوم حقائق الغد”· وبعد يومين من أشغال المؤتمر الوطني الثالث، انتخب الطالب عبد الحفيظ رئيسا لمجلسه الوطني ، تزامنت تلك الفترة مع جولات الحوار الوطني في الجزائر، وكذا عضوية الإتحاد في المجلس الوطني الإنتقالي، وهي مشاركة جاءت لتكرّس قناعة الإتحاد بضرورة المساهمة في كل ما يخدم المصلحة العليا للوطن، مما جعله حريصا على تتبع هذه الجولات التي كان من أبرزها ندوة الوفاق الوطني التي أنشئ بموجبها المجلس الإنتقالي ، عبد الحفيظ مثل الإتحاد في مختلف تلك الجولات، حرص على أن لا تكون مواقفه مجرد ردود أفعال، بقدر ما تكون تصورات واضحة وثابتة تنفذ إلى عمق القضايا الأساسية للوطن وبكل شجاعة، كما أنه شارك في صياغة الوثيقة الختامية للندوة الوطنية للحوار.
من منطلق تلك القناعة الراسخة والتجربة الحية، فإن عبد الحفيظ سعيد كان دوما يؤكد في كل تدخلاته وتحركاته على ضرورة التكامل الطبيعي بين النضال الطلابي والعمل السياسي، وقال ذلك صراحة في مؤتمر فرع الجزائر الغربية للإتحاد: ”أيها الطلبة، إن العمل السياسي هو عملكم، وإن الوظيفة السياسية هي وظيفتكم، إن نحن لم نؤهل أنفسنا لتقلد المسؤولية الآن، فمن سيتقلد مسؤولية البلاد مستقبلا؟ بل وكيف نمنع طالب في معهد العلوم السياسية من ممارسة السياسة؟”.
مع ذلك، فقد كان يمقت النظرة الحزبية الضيقة لدى المنظمات الجماهيرية، وكان يقول عن الإتحاد ”إنه يسع الجميع”، وحاول في كثير من الأحيان أن يوضح نظرته للعمل السياسي، كونه لا يتعارض مع ضرورة استقلالية الحركة الطلابية كشرط أساسي لضمان تحررها من الضغوطات الخارجية وثباتها على نهجها في صف الجماهير الطلابية وتأهيل قيادات المستقبل.
الآثار والمعالم
سبق وأن أبرزت الدور الميداني والنقابي الفعال الذي أداه الشهيد رفقة إخوانه في افتكاك قرار التعريب بالمعهد الوطني للإحصاء، ونعود في هذا المقطع لمعالجة التعريب من منظور علمي في فكر الشهيد عبد الحفيظ سعيد، ففي خطاب له ألقاه بمناسبة تجمع عقد للتحسيس بالتعريب في معاهد بومرداس يوم 26 أكتوبر 1992 اعتبر أن التعريب مبدأ وثابت من ثوابت الأمة، باعتباره مقوما أساسيا من مقومات الشخصية الجزائرية، وأن اللغة العربية من أهم العوامل في إرساء الوحدة بين عناصر الشعب والأمة الواحدة، كما وضع استعمال اللغة العربية الأم شرطا لتحقيق التطور واللحاق بالأمم المتقدمة قائلا: ”إن النظرة الفاحصة والموجزة تجعلنا نعتقد أن لغة أي قوم هي سر نهضتها ورقيّها وقوتها وشرط أساسي لانطلاقة حضارية كما قال المفكر مالك بن نبي” (9).
الطالبة النقابية، ومن خلالها المرأة، كان لها حضورها في أفكار الشهيد عبد الحفيظ سعيد (10)، فقد كانت نظرته، أن تطور المجتمع لا يمكن أن يحصل إلا بتكامل جهود أفراده رجالا ونساء على جميع الأصعدة ، فرفض بذلك الأصوات الداعية إلى جعل المرأة جزءا مشلولا في المجتمع أو متميعا لا تراعي أدنى خصوصيات الأنثوية، وهو ما جعل الإتحاد يطمح إلى إزالة كل الحواجز ونبذ أشكال التمييز على أساس هضم حقوق المرأة، فالقضية في تصوره قضية أدوار، إذ أن المرأة ليست مشكلة وحضورها أمر ملح في كل المجالات التي تدخل في صميم انشغالاتها واهتماماتها.
لحظة الاستشهاد
إستيقظ عبد الحفيظ صباح يوم الإثنين 13 فيفري 1995 الموافق لـ 14 رمضان 1415 هـ كعادته، متجها من مقر سكناه بالبليدة إلى العاصمة، حيث سيجري امتحانه الأخير بالمعهد الوطني للتخطيط والإحصاء في سنته الأخيرة من فترته الجامعية، ولكن كانت مشيئة الله أن تكون نهايته الأخيرة على أيادي الغدر والظلم والفساد، كان برفقة شقيقه أمحمد عضو المجلس الوطني الإنتقالي وعلى متن سيارة (سوبر 5 / رونو) في جوّ خيّم عليه الصمت لمدة طويلة حيث انقطع بكلمات قليلة كان عبد الحفيظ فيها يكتب رسالته إلى نوابه في المجلس الوطني للإتحاد تحضيرا للقاء الدوري في الأيام المقبلة الذي قد يغيب عنه، لكن ليس كما تصّور هو إلى غاية مارس إنه غياب لم يكن يعلم مداه إلا الله. وعند وصولهما إلى ساحة (I.T.F.C) بساحة الحافلات، يستعد شقيقه للتوقف حتى ينزل عبد الحفيظ والساحة كانت تموج بحركتها الدائبة كالعادة من الطلبة ولكن؟؟
الساعة آنذاك كانت تشير إلى الثامنة وخمس وأربعين دقيقة (8.45 سا) صباحا، طلقات نارية وجهت صوب السيارة ومن زحم الطلبة يخرج مسلحان أحدهما باتجاه أمحمد والآخر باتجاه عبد الحفيظ، لتنطلق الرصاصات الطائشة ويصاب عبد الحفيظ بثلاث منها وإذا بالساحة تخلو من الكل، وأصوات تتعالى من الفزع والهلع وكانت اللحظة التي تمّ فيها كل شيء لا إراديا بالنسبة لشقيق الضحية، فيما أصيب عبد الحفيظ في صدره ورأسه فتعلق بشقيقه الذي نجا بأعجوبة منطلقا بالسيارة إلى حيث لا يدري، ولم تصبه الرصاصات المتلاحقة من المجرمين الذين كانوا على متن سيارة أجرة على بعد 30 متر تقريبا، حيث لاذوا بالفرار.
أمحمد توقف بالسيارة بعدها كي يغير من وضعية عبد الحفيظ الملطخ بالدماء، وقد سقط على حجره، وهناك جرى وراءه شابان ليساعداه في ذلك وكان لحظتها، ومن شدة الذهول ينادي بصوت خافت ”أخي عبد الحفيظ….عبد الحفيظ”، وقد أفزعه المنظر الرهيب، فانطلق مباشرة إلى مستشفى عين النعجة ومازال كل شيء عنده غامضا إلاّ الدماء الطاهرة التي تلطخ بها، حيث أدخل عبد الحفيظ المصاب إلى قسم الإستعجالات وهناك كانت الصدمة وتجلى ما كان غامضا، إنها النهاية بالنسبة لعبد الحفيظ وقد لفظ أنفاسه الأخيرة.
* كل محاور هذه المقالة هي تلخيص لما ورد في كتاب: الشهيد الرمز لصاحبه “الأستاذ: عمر دادي حمو” مع بعض التعليقات الضرورية لعدم تمكني من مراجع أخرى.
المصدر: يومية الجزائر نيوز
بتاريخ: الأربعاء 16 فيفري 2011



