علي أن أعمل، وليس علي أن أنجح

من الواجب على العامل أن يركز عمله على مبدأ صحيح وأساس قار وأن يرسم له خطة مستقيمة تصل به إلى غايته الشريفة ومثله الأعلى وأن يخلص فيه إخلاصا لا تشوبه شائبة ما، ثم لا عليه بعد ذلك أنجح فيه أم لم ينجح؟ إذ عليه أن يعمل وليس عليه أن ينجح وإنما الفوز والنجاح بيد الله فإن فاز فبأمرين أمر العمل وأمر النجاح، فليشكر الله على ذلك ليمنحه المزيد، وإن خاب فقد فاز بأمر واحد وهو العمل، وكفى هذا ترضية لضميره وربه، فمن هم بحسنة فعملها، كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة.
ومتى تشبع العامل بهذه الروح فإنه لا يعتريه في حياته فشل ولا كسل، بل يكون دائما متمنطقا بمنطقة العزم والحزم والنشاط، بصرف النظر عن فوزه أو إخفاقه كما أنه لا يرهقه هم ولا غم ولا نكد عندما يخيب، بل يكون في جميع الحالات مفعم الرجاء متدفق الآمال وثابا إلى المعالي طماحا إلى الكمالات، فإما أن يأخذ بضالته المنشودة وإما أن يموت في طريق العمل.
هذا ما يراه المتفائلون ذوو النفوس الكبيرة والإرادات الفولاذية، وبه فازوا بآمالهم وبلغوا أمنياتهم وأدركوا مراميهم البعيدة وغاياتهم السامية، ولولا تشبعهم بتلك العقيدة وإيمانهم الصحيح بها، لبقوا مع الكسلاء العاجزين في أسفل سافلين بدون أن ينالوا مطلبا أو يدركوا مأربا.
يرى المتشائمون أن العمل إذا لم يقرن بالنجاح فهو فاسد، لأنه لو كان صالحا لكلل بالنجاح، وأن العامل إذ لم ينجح فهو مخطئ في إقدامه على ذلك العمل، لأنه لو كان مصيبا فيه لكان ناجحا لا محالة، فتراهم لهذا الفكر المقلوب يحجمون عن كل عمل فيه مخاطرة ما، ومن كل ابتداع وتطور وابتكار، مستدلين على فساد ذلك العمل وعلى خطأ القائم به بعدم نجاحه فيه، كأن النجاح في شيء دليل على صلاحيته، ولا يريدون أن يمنعوا النظر فيه جيدا ليروا من أين يتسرب إليه ما أوجب الخيبة فيه.
ومتى استنهضتهم لإصلاح ديني أو ملتي أو وطني يقولون لك ماذا فعل فلان؟ وماذا وقع لفلان؟ فيتخذون خيبة ذلك الفلاني حجة على بطلان ذلك الإصلاح، يبررون به عجزهم وكسلهم، بل يظهرونه إلى الناس في مظهر التبصر والتعقل من غير أن يفكروا في سبب إخفاقه، فيكون لهم كدرس مفيد وتجربة بلا ثمن.
إذا حرضتهم على تعليم أولادهم وتربيتهم يقولون لك ماهي حال فلان؟ وماذا كان من تعليمه وقد صرف عليه أبوه أموالا طائلة فلا كان من العلم ولا كان من التعليم؟ فلان يبقى جاهلا خير من أن يكون كفلان وفلان؟ فيتخذون إخفاق ذلك من تعليم ولده وظهوره في غير المظهر المرجو منه حجة قاطعة على فساد التعليم بالمرة، يبررون به عكوفهم على الجهل وإهمال أبنائهم، بدون أن ينظروا في السبب الذي وقع به الفساد لذلك المسكين.
إذا حركتهم للقيام بشركة اقتصادية أو مشروع خيري يجمدون أعصابهم فيسكنون قائلين: لو كان فيما تدعو إليه خير لربح به فلان ونجح فيه فلان، ألا ترى إلى فلان خسر فيه كذا كذا؟ وإلى فلان أصيب بكذا وكذا لتكلفه وفضوله؟ فيجعلون ذلك مستندا يتكئون عليه في قعودهم وتواكلهم، وهم يأبون أن يفتحوا عيونهم إلى ما هو السبب في الخيبة والإخفاق مخافة أن يقع عليهم فيكلفهم ضميرهم بالدخول إلى العمل واجتناب سبب الإخفاق وهم كسلاء عاجزون لا تروقهم كلفة السعي ومشقة العمل.
وكذلك حال المتشائمين في جميع فروع الإصلاح يختلقون الأسباب والمعاذير من الهواء يبررون بها عجزهم وكسلهم وفشلهم لا غير، لا على حسابهم ولكن على حساب العاملين المخلصين، فهم لا يعملون ولا يدعون غيرهم يعمل ولكن بحجة عدم نجاحه مع أنهم يعلمون حقيقة أن العمل مخاطرة، وأن العامل مخاطر، وأنه لن يمكن أن يفوز أحد بغايته ومرامه عفوا بدون تحمل أتعاب ومشاق وتذليل عوائق وعراقيل، وليس اتخاذ الخيبات والإخفاقات حجة على فساد السعي والعمل في الحقيقة إلا مغالطة وتمويه، لئلا يظهر القاعد الكسلان أمام العامل الحازم في مظهر العاجز القاصر.
وهذا بعيد عن الإنصاف بعد الفوز والنجاح عن المتقاعد الوهن، لقد فشا هذا الداء داء التشاؤم بين كثير من الأوساط الإسلامية والجموع الأهلية ففشا بسببه فيها داء الكسل والفشل فتشجع الكسلان في كسله وتثبط الساعي في عمله حتى أصبح لعمله كالمجرم الشقي أمام المتقاعسين، فتراهم إذا نجح في شيء من مساعيه المبرورة يحسدونه ويقللون من قيمة عمله، ويختلقون له النقائص فيه والمعايب حتى يشلوا أعضاءه ويزهدوا الناس فيه، وينزعوا ثقتهم منه، في حين أنهم يهرعون بلا خجل إلى الاستفادة من ثمرة عمله والاستغلال منها بطرق خفية ما وجدوا لذلك سبيلا.
وإذا أخفق فيه أنزلوا عليه وابلا من التقريع والتوبيخ لخفته وطيشه وتهوره واستغنائه عنهم برأيه، وتهكموا منه وازدروا به وتشفوا منه وشمتوا به تنكيلا به وانتقاما منه، كأنه ارتكب جرما فظيعا يستحق به صارم العقاب، ولو سئل هواهم في جزائه لربما اختار إزهاق روحه وإراحة نفوسهم من وجوده، ثم هم لا يقفون عند هذا الحد بل يشاركون في اللوم والعتاب كل من شجعه ونشطه وأمره على عمله ويرونه بعين الحنق والسخط لأنه منفض من صفهم، مارق من جامعتهم، ولم يسايرهم على هواهم، ومع هذا كله لم يتعرض لهم على فسادهم بسوء.
والعجب من هؤلاء أنهم في الوقت الذي يهمزون ويلمزون ويستنقصون أعمال العاملين، ويعترضون وينتقدون ويناقشون، تراهم أثناء هذا كله قعودا جاثمين لا أثر لهم في أي إصلاح ولا وجود لهم في أي مشروع خيري كان، بل جلهم منغمسون في الفجور والخمور وسائر الشرور، والباقي منهم ساكت يرى ويسمع ولا ينبس ببنت شفة، كأنما الإفساد ما عليه الخصم وإن كان عين الإصلاح، والإصلاح ما عليه الصديق وإن كان عين الإفساد، فالإصلاح والإفساد على حسب الهوى لا على حسب الحق} و لو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات و الأرض ومن فيهن { المؤمنون/71.
ومهما يكن منهم من الغوغاء والجلبة والضوضاء فإن شمس الحق لا تحجبها كف شلاء بل لا تلبث أن تخرق أشعتها ذرات الهواء فيظهر متلألئ الطلعة وضاح الجبين.
فالبصير بنفسه الثابت في مبدأه المخلص في عمله لا يبالي ولا يكترث بشيء من تلك السخافات ولا يتزعزع بزوابع الأهواء وأعاصير الأغراض، بل يكون دائما كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء توتي أكلها كل حين بإذن ربها.
مقال من جريدة وادي ميزاب بقلم الشيخ إبراهيم أبو اليقظان، ع: 51، يوم 30 سبتمبر 1927م
المصدر: موقع الشيخ أبي اليقظان




موضوع في قمه بارك الله فيكم