صحافة أبي اليقظانواحة المعرفة

الصراحة خير علاج للأمة

من العقبات التي تعترض الكتاب في سبيل الإصداع بالحق ما يراه بعض الناس من وجوب الإغضاء عن الباطل والصمت عن كشف حقيقته، لكي يحذره الناس وذلك من مراعاة لعواطف أصدقائهم وخوفا من أن يغضبوا من لهم معهم مصالح وفوائد خاصة، فيضحون لأجلها بمصالح الأمة العامة يرون المفسد ممعنا في إفساده والمبطل مدمنا على باطله والإصلاح منحنى الرأس والحق منكس الراية، وهم في هذه الحالة لا يبدون حراكا ولا يحركون ساكنا.

ولكنهم إذا أحسوا ببطشة الإصلاح في غلصم الإفساد أو وثبة الحق في وجه الباطل قاموا وقعدوا وأبرقوا وأرعدوا في وجه الإصلاح والحق مظهرين له كل خطر وكل هول، وتظاهروا أمام الباطل مرائين له بأنهم في جانبه وفي نصرته، ولكن لا حبا فيه ولا خوفا على الحق فيما يزعمون وإنما محافظة على مصالحهم الخاصة فقط.

ومن الغرابة أنهم يظنون أن مصالحهم إنما تحفظ وتصان بغض الطرف عن المفسد والصمت على إفساده وإقراره على انتهاك المحرمات والتبصبص أمامه على ذلك والتظاهر له بتوهين شوكة الحق وخذلانه والعمل على إذلاله، ويحسبون كل صيحة في وجه الباطل عليهم وعلى مصالحهم، وهم في الـوقت نفسه يعتقدون أنهم في جانب الحق وذوو غيرة متناهية على الحق، ومعـنى هـذا أنهم يريدون الجمع بين إرضاء الحق وإرضاء الباطل خوفا على فوات مصالحـهم مع هذا وذاك، لا نصرة لهذا ولا لذاك، وهي عقلية عجيبة ونفسية غريبة إذا حللناها نجدها مجموعة عناصر متناقضة مآلها خذلان الحق وإذلال الإصلاح ونصرة الباطل وإعزاز جانب الفساد، وإلا فإن الحق كلي لا يتجزأ، والباطل كذلك فلا يخلو الأمر إما حقا وإما باطلا وليس بينهما شيء ممزوجا بين الحق والباطل، ولن يجمع الله حبهما معا في قلب واحد، ولم يجعل لله من سنته دفع الفساد بنصرة الفساد ولا جلب المصالح بخذلان الصلاح.

والعجب أنك إذا سألت واحدا من هؤلاء: ما الدواء في قمع الفساد وإيقاف المفسد عند حده؟ يقول لا يكون ذلك بالصراحة والمجاهرة فإن ذلك يجرئه على إفساده ولكن الدواء كل الدواء إنما هو بالكناية والمناجاة والتهامس فإن ذلك أجدى وأنفع والعاقل تكفيه الإشارة إلى غير ذلك من أساليب الجبن والخنوع والمخاتلة. ولكن أي عقل للمفسد حتى تخاطبه بمقتضاه؟ وأي أذن صاغية له حتى تسمعه كلامك بالمناجاة والتهامس؟ وأي مصلحة جلبها التهامس؟ أم أي مفسدة دفعها أسلوب المناجاة؟

إن الدواء الناجع لا يكون ولن يكون بالدهن على الوبر وإمراره على ظاهر الجرح فإن هذا لا يزيد للمرض إلا خطورة واستفحالا فهلاكا وموتا، وإنما يكون بسبر غور الجرح وتطهيره بأنواع المطهرات وإزالة ما فسد منه ثم وضع الدواء له وتضميده، وهكذا المرض الاجتماعي إنما تكون مداواته بالجهر والصراحة لكن بالحكمة والسداد.

نعم إن أسلوب التهامس والكنايات قد يجدي وينفع ولكن مع الذين يرتكبون أنواع الفساد عن غفلة وجهالة، وهؤلاء منهم النبهاء الأذكياء ومنهم البلداء الأغبياء ولكل أسلوبه ومنهجه، وقد جمعهما سبحانه في قوله تعالى: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة) النحل/125.

أما أهل العناد الذين يرتكبون الفساد مع إصراره ومكابرة فكيف يقتنعون بالهمس واللين والكناية وهم يتعمدون الفساد؟ وهل يردعهم غير الجهر والصراحة ومناقشتهم الحساب بالتي هي أحسن كما أشار سبحانه إلى الأسلوب الذي يلزم مع هذا الصنف بقوله (وجادلهم بالتي هي أحسن)

 ومن مجادلتهم بالتي هي أحسن تكون بإقرارهم على فسادهم ومسايرتهم على باطلهم والتظاهر بإذلال الحق أمامهم إرضاء له؟ وإذا كان هذا هو الواجب في حقهم فما معنى المداهنة والمداجاة إذا؟

فأين أنتم يا هؤلاء من قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) التوبة/119.

فليس الكون مع الصادقين أن تقفوا إزاءهم موقفا سلبيا أو أن تثبطوا عزائمهم أو أن تفتوا في ساعدهم أو أن تعرقلوا مساعيهم أو تحبطوها أو تقللوا من أهميتها أو أن تنخذلوا عنهم أو أن تناصروا أخصامهم وتعززوهم عليهم أو أن تدلوهم على عوارتهم أو أن تنقصوهم لديهم، ولكن الكون مع الصادقين بمناصرتهم ومعاونتهم ومشاطرتهم أعباء الإصلاح ومشاطرتهم على أخصامهم ودفع الأذى عنهم سرا وجهرا، والإخلاص لهم ظاهرا وباطنا.

وبهذا تمتثلون ما أمركم به سبحانه وتعالى وتحوزون العز والنصر والتمكين، وبهذا تصيرون كتلة واحدة متضامنة متماسكة تقدر على دفع كل أذى عنها وجلب كل مصلحة لها.

دعوا التعليق والنفاق والتدجيل والمداهنة يا قوم، فإن الخصم الذين تظنون أنكم تخدمونه وتسترضونه بذلك إنما يسخر منكم في نفسه ويضحك على ذقونكم استخفافا بشأنكم وإن تظاهر لكم بابتسامة مصطنعة أو كلمة معسولة مفتعلة، فإن الخصم مهما سفلت قيمته وانحطت نفسه ليرى في نفسه للصدق قيمته، وللصراحة شأنها، وللحق روعته وجلاله، وإن تظاهر بخلاف ذلك وبهذه النفسية يجد نفسه مضطرا لتقديس أهل الصدق والحق والصراحة والاستخفاف بالمتملقين والدجاجلة المرائين.

والدليل على ذلك أنه لو أجتمع لديه اثنان من الفريقين، أحد من أهل الصدق والصراحة وآخر من أهل النفاق والتدجيل، فأيهما يعظم ويحترم ويقدم على الأخر؟ لاشك أنه الأول فإنه يسارع في قضاء حاجته ويبادر إما لمداراته أو لإرضائه، لأنه يراه الشوكة الحادة المسمومة التي توخزه في المبادرة بقضاء حاجته للتلطيف من حدته وتخفيف حرارة مقاومته، بخلاف الآخر الخنوع المبتذل فإنه في الجيب في اطمئنان منه، فهو يقعده  منه مقعد القصي إذا بقي بقي ذليلا وإذا قضى له مأربا كان عصارة من المن والأذى، إذ يراه خرقة ملقاة تتقاذفه أقدام الابتذال أو كبقر الجنة لا ينطح ولا يرمح وفي الواقع إذا حصل لديه مركز أو مرتبة فلم يحصلها بفضله أو جهده، و إنما حصلها ونالها على حساب أخيه حيث أنه على كاهله صعد إلى مأربه وعلى رقبته تسلق على حاجته، ولولا أخوه ولولا أعماله ولولا مساعيه فهل يجد الميزة التي يفتخر بها لدى سيده ومولاه؟ وهل يجد الوسيلة التي يتوسل بها إلى أغراضه الذاتية؟ كلا وألف كلا فله المغنم وعلى أخيه المغرم ثم بعد ذلك لوقاحته يتعرض لأخيه بالأذى والتنقيص عوض أن يقدم له شواهد الشكر والامتنان.

مسكين المصلح يبذل النفس والنفيس ويضحي كل مرتخص وغال ثم يسابقه أخوه الجاهل الجبان الشحيح لاستثمار جهوده ثم يجازيه بالسب والشتم والطعن والتنقيص لدى خصمه، وأي غبن أكثر من هذا لو لم يكن فضل الله الواسع مدخرا له؟ وأي صقاعة ورقاعة أصفق من هذه لصاحبه لو أنها حمته نار الخزي والعار في الدنيا وعذاب الجحيم في الآخرة.

إذا كان ولابد أن يسكت المصلح عن الجهر والإصداع بالحق فقولوا يا قوم قبل ذلك للمفسد: أكفف عن الفساد وقف عند حدك وإياك ومجاوزة طورك، فإذا صدعتم بالأمر وقوبل أمركم بالامتثال، كان لكلامكم معنى ولصنيعكم فضله وجزاؤه، وطبلنا لكم وزمرنا وهتفنا وصفقنا.

أما أنكم تصرخون في وجه الحق وتجلبون عليه بخيلكم ورجلكم ثم تغضون الطرف عن الباطل وتنعسون ولا تقدرون أن تجابهوه بملء أفواهكم (بقولكم أكفف يا هذا)  فليس هذا من الصدق ولا من الغيرة والإنصاف في شيء، وإنما هو من قبيل الضرب على أيدي البنائين ووضع المعاول في أيدي الهدامين وهذا عين التدمير والتخريب. وكفاكم عارا أن تكونوا في صف الهدامين المدمرين المخربين.

وهناك فريق آخر  يحب الحق وذويه ويناصر الإصلاح وأهله بكل صدق وإخلاص، لكن هؤلاء يشمئزون من الجهر بالحقيقة ويتألمون من كشف اللثام عنها، لأنهم يرون في كشفها لمداواة الجروح التي بها نوعا من التنقيص، ونشير على هؤلاء الأصدقاء أن يعلموا علم اليقين أولا: أنه لم يبق على وجه الكرة الأرضية شيء مخبأ، لم تصل إليه سنان البحث وعين التنقيب، بل أصبح كل شيء تعرض إما نماذجه أو رسومه أو أوصافه في المعارض والكتب والمجلات والجرائد.

وثانيا: إن سياسة التكتم وإخفاء الحقيقة وأن مسلك المناجاة والتهامس في الآذان، وأن إبقاء ما كان على ما كان في طي الخفاء كل هذا لم يعد ولا يعود إلا بإقرار الضرر في جسم الأمة وإثبات التهم التي يلصقها بها أخصامها وتصديق هؤلاء في كل ما يدعون فيها.

وثالثا: إن مداواة أمراض الأمة الاجتماعية لا تتيسر إلا باستعراض حالاتها أمام الأساة النطاسيين من حسنة وقبيحة حتى يقفوا على مكامن الداء فيعملوا على استئصاله، وعلى منابع الفضل فيعملوا على تفجيره، وهذا وإن كان فيه شيء من النقص لكنه في جانب المصلحة المرجوة كلا شيء، وأي إنسان يشتغل بنقص غيره وهو مملوء عيوبا ونقائص والكمال لله وحده…

مقال من جريدة وادي ميزاب بقلم الشيخ إبراهيم أبو اليقظان، ع: 102، يوم 28 سبتمبر 1928م

المصدر: موقع الشيخ أبي اليقظان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى