وادي مزاب: تراث ثقافي عالمي

منذ أكثر من ثلاثة عقود (في عام 1982م) تم اعتماد “وادي مزاب” بالجزائر ضمن قائمة التراث الثقافي العالمي. فما هو هذا الوادي العريق، وخصائصه الثقافية والحضارية التي أهلته لينال تلك المكانة العالمية؟
أظهرت حفريات عدة.. أن الكثير من مناطق ولاية “غرداية” (ومنها وادي مزاب) تزخر بأدوات معيشية تعود إلى إنسان ما قبل التاريخ. كذلك توجد مواقع صناعة حجرية، وآثار جنائزية، رموز كتابية، ونقوش صخرية (يرجع تاريخها إلى ما بين 18000 – 5000 سنة قبل الميلاد). وتقع منطقة “مزاب” جنوب العاصمة الجزائر بحوالي 600 كم، وتتربع علي مساحة نحو 38 ألف كم مربع. وهي عبارة عن شبكة أودية لا يتجاوز عمقها مائة متر، تتجه من الشمال الغربي نحو الجنوب الشرقي. لتنتهي عند بحيرة تغطيها الرمال شمال غرب مدينة “وارجلان”. وهذه المنطقة يحدها شمالاً وادي بوزبير، وغرباً وادي زرقون، وجنوباً منطقة الشعانبة. وأهم الأودية التي تتخلل الشبكة: وادي زقرير الدي يوجد في مدينة القرارة، ووادي مزاب (الذي سميت عليه المنطقة)، ووادي نْسَا ببريان، ووادي متليلي. وهذه الأودية أودية جوفية يظهر آثارها على سطح الأرض، وتسيل مياهها على عمق 30 متر تقريباً. بينما لا يحدث سيلانها على الأرض إلا نادراً، وعلى أجزاء محدودة منها. وذلك عندما تتغلب غزارة الأمطار على سرعة التبخر، ومعدل التسرب. ولفضيان الوادي تقاليد وعادات متوارثة. حيث يعتبره المزابيون نعمة من الله تعالى، فينادي المؤذن في الناس قبل الفجر أن الواد قد فاض.
ولكل مدينة من مدن مزاب واحة متفاوتة الاتساع تحوي داخلها مزارع وسدود وآبار ومنشآت ري. وتعتمد طريقة ريّ الواحات على حفر السواقي التي تملئها المياه الآتية من البئر. ثم تصبّ في حوض مخصص لها بجانب البئر، ثم تنساب إلى الساقية الرئيسة عن طريق مجرى كبير في أسفل الحوض، و منها إلى السواقي الفرعية التي تمر على كامل الغابة. ويتم تقسيم مياه الوادي (في حالة الفيضان) بين أصحاب البساتين بالتساوي (نظراً لقيمة المياه في الوادي). وتتمثل الطريقة في إنشاء فتحة صغيرة أسفل جدار كل بستان ، تنساب منه المياه إلى السواقي. ويتغير عرض الفتحة حسب مساحة كل بستان. وللفتحة غطاء حجري ينطبق عليها يمنع تغييره أو التلاعب بحجمه.
عمارة مزاب.. مدن، وقصور
رواد هذه الحضارة هم الإباضية. لقد اختاروا هذه المنطقة كـ ملجئ آمن لهم هرباً من مدينة تيهرت عاصمة الدولة الرستمية بعد سقوطها عام 909م. وتم اختيارهم لمنطقة وادي مزاب رغم انعدام أشكال الحياة فيه وتميزه بالجفاف وندرة الموارد المائية وقسوة الطبيعة. وعمل الإباضية علي تمسكهم تقاليدهم على التعمير التدريجي للوادي مع مجيء حلقة العزابة الإباضية، ابتداء من (القرن 10 الميلادي). وذلك بتأسيس الممارسات الثقافية والإجتماعية والمؤسسية لتنظيم أنشطة سكان الوادي الفردية والعشائرية. ولقد نجح شيوخ هذه الحلقة في إضفاء طابع حضاري على الوادي وخارجه، والذي امتد لفترة تزيد على عشرة قرون. لذا استطاع المزابيون تأسيس نظام عمراني جديد كان ثمرته مدن وقصور جميلة، لكل منها واحته الخاصة به. وتأسست هذه القصور عبر سهل الوادي، بأسلوب واحد، وبشكل زمني متتابع مابين 1012م- 1353م.
وعدد المدن الرئيسية العامرة إلى الآن سبعة، باستثناء القصور التاريخية العتيقة، والتي لم يبق منها سوى بعض الآثار. وقد بـُنيت هذه المدن فوق مرتفعات، لأهداف كثيرة، وبهندسة معمارية مميزة. والملاحظ في مدن مزاب السبع بأن خمسًا منها وهي: تَجْنِينْتْ، آت بونور، تَغَرْدَايْتْ، آتَمْليشْتْ، آت اِيزْجَنْ، متجاورة من بعضها البعض. ولا تبعد عن بعضها سوى ببضع كيلومترات، وتعرف بالقرى الخمس. أما مدينتي: آت ايبَرْڤـان، وتيـڤْرار، فبعيدتان عن المدن السبع، آت ايبَرْڤـان:45 كلم شمالاً، وتيـڤْرار: 110 كلم شرقاً. ومن المعلوم أن: آت، أو آيت تعني: آل/ بنو/ أهل.
– تَــاجْنِـينْتْ: ُتعد من أقدم القصور السبع، يقصد بهذه الكلمة “المكان المنخفض/ السهل”. وأسسها الشيخ خليفة بن آبغور سنة 402هـ 1012م. وتقع على بعد سبع كيلومترات من آت بونور، حُرِّف اسمها إلى: العطف.
– آتْ بونورْ: أُنشئت سنة 457هـ – 1065م، واسمها نسبة إلى القبيلة المصعبية التي بَنَت وسكنت هذه المدينة قديماً، تتميز آت بونور بأنها مبنية فوق ربوة صخرية منيعة جداً، مما شكل لها سوراً طبيعياً تقع قرب آت ايزجن، حُــرِّف اسمها إلى : بونورة.
– تَـغَــرْدَايْتْ (أنشِئت 447هـ – 1053م). وأول من سكنها الشيوخ: بابا وَالجَمَّة، وأبو عيسى بن علوان وبابا سعد، وأصل تسميتها: تَغَرْدَايْتْ بالمزابية الأمازيغية: القطعة المستصلحة من الأرض، والواقعة على حافة الوادي. وتوجد عدة قرى تحمل نفس المعني في أرجاء المغرب الإسلامي، وهي أول مدينة تُشاهَد عند القدوم من الشمال، حُــرِّف اسمها إلى: غرداية.
– آتْ اِيزْجَنْ (تأُسّست 720هـ- 1321م)، وأسمها يعني: “آل النصف”. حيث تقع في منتصف الطريق بين آت بونور، وتغردايت. وتعتبر آت ايزجن، من عواصم العراقة العلمية والدينية، والوحيدة التي حافظت على أصالتها المزابية إلى اليوم. ومن أهم مميزاتها، سورها الذي لايزال قائما إلى اليوم.
– آت مْلِــيشْــتْ (تأسست 756هـ- 1355م). وتُنسب إلى ” مْلِيكْشْ ” أحد زعماء قبيلة زناتة الأمزيغية التي تنتمي إليها قبيلة بني مصعب. وتوجد إلى يومنا هذا مدينة صغيرة في ولاية بجاية تسمى “بني مليكش”. وتقع على هضبة مرتفعة نسبيا بين قصري تغردايت وآت ايزجن. ويستطيع الناظر منها أن يرى القصور الثلاث: تغردايت، آت ايزجن، وآت بونور.
– تِـيــڤْــرَارْ (القرارة) وتأسست عام 1040هـ- 1631م، وتعني: الجبال البيضوية التي بجانبها سهول صغيرة مقعرة يستقر فيها الماء. وتقع على بعد حوالي 110 كلم شرق القرى الخمس. وهي على أرض طينية، على خلاف المدن الأخرى التي تقع على جبال صخرية. وتشتهر بواحتها الشاسعة التي يسقيها وادي زڤْـرير.
– آت ايبَرْڤـان: أُنشئت 1060هـ- 1690م، وهي خيمة مصنوعة من الصوف الوبري. وكانت قبيلة آت عفافرة التي أسست المدينة معروفة بصنع المنتوجات الوبرية، فنسبت المدينة إلى صنعتهم. وتقع في تقاطع الأودية الثلاثة: بالُّوحْ، السّودان، ووادي نْ سَا.
أطلال وادي مزاب
عرِف الوادي تجمعات قبلية ترجع إلى ما بين القرن الثامن والعاشر الميلاديين. وتركت أطلال قصور بربرية تسبق إنشاء قصورها الحالية. ومن بين هذه الأطلال: “أَغَرْمْ نْتَضْلِيزْتْ” (قصر الصوف) ويقع بالقرب من سد العطف. وتعتبر أقدم مدينة مزابية بُنيت في ظروف أمنية جيدة. حيث لم يكن المصعبيون يخشون غارات البدو. كذلك توجد أطلال “أَغَرْمْ أَنْ وَادَّايْ” (القرية السفلى). وتقع جنوب قصر مليكة، وبالقرب من آت امليشت. وقد تأسست عام 395هـ- 1004م، وتهدمت سنة 1123م. أما “موركي” فبُنيت على جبل يشرف على “آت بونور” غربًا، ويفصل بينهما وادي مْزاب. وأقيمت “بابا سّعد” (790هـ – 1388م) غرب “تغردايت” في أعلى الجبل.
تقاليد عريقة، وبساطة شديدة
يعتبر التعدد الثقافي في الجزائر، وغيرها من الدول، عنصر تنوع، وثراء، وأصالة. ففي وادي مزاب.. رمال ذهبية لامعة، وأشجار نخل باسقة، وخضرة وسواقي هادرة، وعادات وتقاليد باهرة. فلأهل الوادي “مملكتهم الصغيرة” المحاطة بأسوار الطين والطوب. حيث البساطة حاضرة في كل زاوية من زواياها.. عمراناً. مثلما هي بادية في طباع حياة أهلها.. سلوكاً. وخير شاهد علي ذلك أعراسهم. فبنو مزاب من أكثر سكان الجزائر تواضعاً في النفقة علي أفراحهم، بعيداً عن حب الظهور والبهرجة.
فالشباب المزابي يدفع “صداقاً” لعائلة العروس المزابية قيمته 12000 دج (حوالي 150 دولاراً أمريكياً). وفق ما يقدره “نظام العزابة”، ونسق “التكافل الإجتماعي والإلزامي”. فيتم تخفيف العبء على الشاب بتحديد المهر والصداق وتكاليف العرس، والتعاون عليه، وقيمة النفقة حال الطلاق الخ. و”نظام العزابة”.. نظام ديني تربوي إجتماعي تأسس أوائل القرن الخامس الهجري على يد الشيخ “أبي عبد الله محمد بن بكر”. ويعتبر مجلس العزابة أعلى سلطة فاعلة في الوادي. ومن مهامه رعاية المصالح الإجتماعية والسهر على حل المشاكل والخصومات، ومحاربة الآفات الاجتماعية، والإشرف على الأسواق، وحراسة البلدة إذا اقتضت الضرورة الأمنية ذلك. و”العزاب” رجل اعتزل العوائق الدنيوية، و”عزب” عن الملذات، ولازم الطريق وطلب العلم، وسيّر أهل الخير، وعمل بها. أما شيخ العزابة فيشترط فيه أن يكون ذكياً لبقاً ورعاً لطيفاً مع أصحابه. يبقى في منصبه مدى الحياة وهو الموجه الأول لبلدته. ويرجع إليه في الحل والعقد وتسيير شئون المدينة.
ومن آثار نظام العزابة والعشيرة تساوى الفئات الإجتماعية، مظهراً. وتوحيد أنماط السلوك الإجتماعي في الحياة اليومية، وفي المناسبات والتقاليد. ولا يتكلف الشاب المزابي كثيراً في يوم زفافه. فيوفر للمدعوين (يتحلقون في دوائر لا يتجاوز عدد أفرادها الثمانية) المأكل والمشرب المتعارف عليه. ويتمثل في طبق “العادة” (سيد مائدة أعراس الزفاف في وادي مزاب). ويتكون هذا الطبق من الكسكسي المدهون بالسمن والمحلي بـ”الزبيب”، ويزين بأبراج البيض المسلوق. ويرافق طبق “العادة” وجبة أخري مكونة من سبع شرائح عجينية يتوسط كل شريحة وأخرى خليط من الفلفل الأخضر والأحمر والطماطم المشوية. ويخفق فوقها صفار البيض ليتماسك الخليط. وتقدم هذه الوجبة بقطع الليمون للتغلب على دسمها المميز. كما تصدح ألحان المجموعات الصوتية المزابية التي طعم أفرادها آلاتهم الموسيقية التقليدية (الطبل والبندير) ببعض الآلات العصرية. ليصنعوا إيقاعاتهم العريقة ذات التهاليل الروحية والمدائح الدينية والدعوة للعروسين بالسعادة والهناء، والعيش الكريم.
أزياء الزفاف
مثلما تتواضع العروس المزابية في لباسها.. يكتفي العريس بارتداء زي الفرح التي تتوارثه الأسر المزابية أباً عن جد. ففي ليلة الدخول بعروسه.. يرتدي سروالاً “الدوّالة”، أو “سروال لوبية” لشكله المتميز. ويتخذ شكلاً مدوّراً ما بين الفخذين ينتهي في الأسفل بنفس شكل السروال العصري. تعلوه “تكميشات” رفيعة على مستوى الخصر.. تزيد قصير القامة “امتلاءً”. وفوق “الدوّالة” يضع العريس: “أحولي” وهو نوع من “البرنوس” المصنوع من القطن الرفيع ناصع البياض، كرمز للصفاء والنقاء. ولا ينسى المزابي وضع “العقال” فوق رأسه كرمز رجولته. وعادة ما يكون عقال الزفاف مصنوعاً من خيط الحرير الذي يبدع الحرفيون المزابيون في تشكيل أجمل أصنافه. فتتهافت العائلات لاقتنائها لأولادها المقبلين على الزواج.
الصناعات التقليدية
تنوع الصناعات التقليدية، خاصة صناعة الزرابي (زرابي صوفية، زرابي بأشكال أمازيغية، السجاد، الوسادة الخ). يعرف هذا النسيج التقليدي بوحدته، أصالته، أشكاله. توفر صناعة الصوف العديد من أنواع الملابس العائلية “القشابية”، “البرنوص”، “الخمري” الخ. وتوجد أيضا أنواع من الحرف التقليدية كصناعة النحاس، الفخار، الجلود الخ.
المصدر: منصة جوّك
بقلم أ.د. ناصر أحمد سنه



