تأملات وأفكارواحة المعرفة

ومعظم النار من مستصغر الشرر..!

أعرف الشعب السوري معرفة لصيقة، وقد عشت في سوريا زمنًا غير يسير، وكانت دمشق هي قبلتي المفضلة في العالم العربيِّ كله؛ أجد فيها الدفء والعلم والوقار؛ ولو قيل لي حينها: “إنها ستصبح يوما ما مثل ما هي عليه اليومَ من فتن هوجاء خرقاء”، لأجبت القائل بصوت حادِّ: “إنك لمجنون”.

اليوم، ونحن نشاهد ما يلمُّ بها من فتن مثل السرطان فتكا، ليس فيها جهة تقاتل أخرى، ولكن الكلَّ يقاتل الكلَّ، وقد تفتت المعارضة إلى ألف فصيل وفصيل، وصار الإنسان السوريُّ الطيب الهادئ الذي عرفناه (امرأةً، ورجلا، وطفلا)… صار ضحية بين فكَّي رحى، إن أخطأته هذه الرصاصة لحقته تلك القنبلة، وإن نجا من التشريد وقع في قبَّاضة الجوع… حقا إنها “فتن كقطع الليل المظلم”.

الآن، ونحن نعاين ونعايش الحال في بلادنا، يحقُّ لنا أن نتساءل:

وكيف آلت الأمور في الأخت سورية إلى هذه المرحلة الخطيرة بين عشية وضحاها؟

وهل نحن في مأمن من ذلك؟

الجواب بسيط وواضح:

وهو أنَّ النار حين تتحوَّل إلى لعبة بيد الصغار؛

وأنَّ الظلم حين يصير حلوى تلعقه الأطفال؛

وحين تُستباح الحرمات بمختلف المسمَّيات؛

وحين تتحوَّل الأعراض إلى كلأ مباح؛

وحين ينسى الناسُ مبادئهم وقيمهم ودينهم وتاريخهم؛

وحين نصرُّ على أن نخرق في جوف السفينة خروقا لنشرب الماء؛

وحين يصدِّق الناس كلَّ كذَّاب غشيم، ويصفِّقون لكل أفاك أثيم؛

وحين لا تنفعنا صلاتنا ولا تنهانا عن الفحشاء والمنكر في أمرِ الفتنة…

… حينها فقط، ستبدأ النار بقدح زنادٍ، ثم تصير شعلة صغيرة، ثم تكبر وتكبر وتكبر… يوما بعد يوم… إلى أن تصير لهيبا وجحيما وخطرا مُبينا… ثم لا يحسُّ الناس إلاَّ وقد غمرتهم ألسنتها الحارقة من كلّْ جانب؛ فيستحيل بعدها أن ينجو أحد، أو يكون منتصرا؛ فالكلُّ يومها سيكون خسران ندمان: السفينة والسفين، المكان والمكين، الفاعل والمفعول، الآمر والمأمور… وهذا مؤدَّى المثل العربي السائر: ومعظم النار من مستصغر الشرر.

وإني لأحسب أنَّ العقلاء في بلدنا الطيِّب كُثرٌ، وأنهم قريبا ــ بحول الله تعالى ــ سيُعملون ضمائرهم وأخلاقهم لإحقاق الحقِّ، وإبطال الباطل، ونشر قيم الصلح والمصلحة، ونبذ معاني الجهل والجهالة؛ وأنَّ بلدنا لن يكون سورية، ولا العراق…  وإنما سيكون بابا للفرج عن أخواتنا العزيزات كلها (ابتداء من العراق ثم سورية)، وأنَّ العالم بحول الله سوف يتعلم قيم التسامح والإنصاف من محنتنا هذه….

فهل سيصدق حدسي؟ وهل سنستعجل في نزع فتيل اللهيب من أيدي المتلاعبين؟  وهل سنُغيض بحكمتنا وحلمنا جميع الشانئين الحاقدين؟

ذلك ما نبغي، وذلك ظنُّنا فيك أيها البلد الكريم، ونصيحتي لك ولي ولنا جميعا التأسي بقول ربنا في محكم التنزيل: “ولا تستوي الحسنة ولا السيئة، ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم، وما يلقاها إلى الذين صبروا، وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم”.

د. محمد باباعمي

المصدر: فييكوس.نت

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى