من وحي القلمواحة المعرفة

خاطرة على شاطئ بحر قادوس… رؤية حول حياة المؤمن

أجلس وحيدا في هدوء تام أقابل البحر الجميل، وأستمع إلى صوته الرقراق يهدئ النفس، ويحملها على تعظيم الله تعالى وذكره وحمده الحمد الكثير…

وتسطع الشمس بعد أن كانت ملبدة بالغيوم، وتنشر حرارتها للجميع تريد أن تقول لهم: إن حرارتي ساخنة جدا رغم بعدي عنكم فاتقوا الله من النار ما استطعتم، وإني أنشر النور إليكم لتعملوا وتكدوا، فاحمدوا الله تعالى على نعمه الكثيرة، واقتبسوا النور من الوحي الشريف واعملوا به، تفوزوا بربح الدنيا ورضوان الآخرة، فاستبقوا الخيرات واغتنموا عمركم القصير قبل أن يغرب نوري على أحدكم مدى الحياة الدنيا، ويأخذه الموت فلا رجع، ولن يبقى معه إلا نور أعماله الصالحة التي كان يجاهد حياته من أجل القيام بها كما يرضى ربنا جل وعلا… إني موجودة فلا تنسوني ولأكن في لسانكم ذكرا وعبرا.

كان البحر هائجا جدا مما أدى إلى ارتفاع صوته الجميل… هنا أجد لي ملحوظة هامة من منظرين بديعين:

المنظر الأول: هو جلوسي هادئا في الشاطئ أراقب هيجان البحر وهدوئه أحيانا، ألاحظ وأحلل، وأقتنص الحكم والعبر.

المنظر الثاني: هو هيجان البحر وموجانه ذات اليمين وذات الشمال.

فهدوء وحكمة في الشاطئ، مقابل هيجان وموجان في ساحة البحر، هذا هو شأن الحياة السعيدة وفي مثل هذا المشهد يقول الشيخ أبو اليقظان رحمه الله: “إذا أردت التغلب على مشاكل الحياة ومتاعبها أن تواجهها بوجه ضحوك مستبشر، وبعقل واع معتبر، وأن تكون راضيا بما قضى الله وقدر، وبذلك تحيى طول عمرك شابا ولو جللك الشيب وتقدم بك العمر”.

حكمة عظيمة، وحياة أعظم لو وعيت وعملت… ترى من أين لهؤلاء العلماء الربانيين من قلب حكيم، هادئ جميل… وسعيد، مثل هذا القلب مطلب جميع البشر… فهل يا تراه يملكونه كلهم؟

إذا هم أغنياء… لكن لا فهناك في تاريخ الحياة الغني والفقير، وإن الغنى الحقيقي غنى القلب السليم ذو السكينة والطمأنينة بذكر الله تعالى، والجهاد في سبيله في شتى مجالات الحياة… فيا سبحان الله هذا القلب الرباني يشمل غنى الدنيا وغنى الآخرة، فلكه يدور حول العمل والكد في الصباح والرهبنة الشرعية في الليل، وكلا الأمرين يختصان بحضور إلهي في الروح، تكد وتحيي وتتنفس به.

فإن تسأل عن مصدر هذا القلب فهو بلا شك الإيمان والعمل الصالح، ما أحلى آيات ربنا جل وعلا في كتابه وما أريحها، فتأمل جيدا أخي الحبيب معي هذه الآيات الكريمات قال عز من قائل: “مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97) فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [النحل : 97 – 99]

وقال أيضا: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (32) وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (36) [فصلت : 30 – 36]                                                                                 صدق الله العظيم.

وقال أيضا: فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا[الكهف: 110].

ربما ببساطة تلهج ألستنا بهذه الآية الكريمة، لكن تطبيقها في واقع حياتنا يحتاج إلى صبر وتحمل وجهاد والبشرى أن الذي عزم على هذا الأمر كان الله في عونه ييسر له الطريق ويسهل له السبيل ويمكنه في النتائج… هذه هي عناية الله وفضله على عباده.

خلقنا الله تعالى وخلق معنا الجمال والفن في كل شيء… لكن الكثيرين منا من لم يتذوق إلا النزر اليسير، وبذلك لم يذق للحياة جميلا ولا لذيذا… اعتقد أن المجنون من الناس من لا يفقه هذا الحديث، ولا يعيشه في واقع حياته.

يا نفس خلقك الله لتعيشي السعادة والجمال في عبادته من أشمل معانيها، ومن بوابة العبادة والعشق الإلهي ستدخلين إلى مدينة العيش الأفضل… يا نفس اصبري صبرا جميلا وتفقهي في أمر دينك وحياتك، وتعرفي على جلال إلهك لتنالي جنة الدنيا ورضوان الآخرة وذلك الفوز العظيم.

أما إذا ركنت إلى غير هذا السبيل فما أشقاك وما أحمقك، وليس لك مكان في أرض الله وطيباته، وتيقني أن لن يحيى حقيقة الحياة إلا الطيب الجميل.

يا نفس إن ديننا لا يقوى على حمله إلا القوي في إرادته الأمين المكين، فأعلي همتك ووجهي رؤيتك وجهة الثريا فهناك هدفك في المعالي، شمري على ساعديك وتعلمي واعملي وتمتعي وروحي على نفسك… ولهذا ربنا خلقك.

فيا الله أنت الجميل فوق كل جمال، أنثر جمالك في قلوبنا، واهدنا سبل رشدنا، وارزقنا أنسك وحبك ونعمك وولايتك إنك سميع مجيب الدعاء وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

حسين عمر حاج عيسى

شاطئ قادوس، الجزائر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى