رحيل الناقد الثقافي محمد صالح ناصر.. خمسة أسئلة من أجل فهم المسار والأثر

سؤال أول: من هو محمد صالح ناصر؟
هو اسم لا يكاد يغيب عن المشهد الأدبي الجزائري منذ أكثر من نصف قرن. وُلد في القرارة سنة 1938، حفظ القرآن صغيرًا، وتتلمذ في أجواء الحركة الإصلاحية، ثم حمله شغف الأدب إلى القاهرة فالجزائر، حيث صار أستاذًا وباحثًا ومؤلفًا حفر اسمه في تاريخ النقد الأدبي الوطني. بين قاعات الجامعة وفضاءات الجمعيات الثقافية، ظل الرجل صوتًا يجمع بين الدرس الأكاديمي والتأمل الوطني.
سؤال ثان: ما الذي أضافه إلى الثقافة الجزائرية؟
إسهاماته الأساسية تبرز في اتجاهين اثنين:
أوّلًا: التأريخ للصحافة والأدب، فقد أعاد جمع خيوط المقالة الصحفية الجزائرية المبكرة، ودرس الصحف العربية التي ظهرت في زمن الاستعمار، ليبرهن أنّ الكلمة كانت دومًا جزءًا من المقاومة.
ثانيًا: إعادة قراءة الشعر الجزائري الحديث، من الرومانسية إلى الثورة، وهو مسار يختزل التحولات العميقة في وعي المجتمع الجزائري بنفسه وبعالمه.
هكذا، لم يكن مجرد ناقد للأشكال والأساليب، بل مؤرخا لذاكرة الأدب الجزائري.
سؤال ثالث: ما هي خصائص شخصيته العلمية؟
شخصيته العلمية يمكن تلخيصها في أربع ملامح:
1. الموسوعية: لم يحصر نفسه في النقد الأدبي، بل كتب عن السير، وعن أدب الأطفال، وأشرف على رسائل جامعية في مجالات شتى.
2. الصرامة المنهجية: التوثيق عنده ليس ترفًا، بل أساس العمل النقدي. كل حكم يستند إلى نصوص، إلى أرشيف، إلى تاريخ.
3. الالتزام: ظل منحازًا للهوية الوطنية والإسلامية، رافضًا للحياد الزائف الذي يفصل الأدب عن الحياة.
4. الأخلاقية: لم يفصل بين الأستاذ والمربي، فالعلم عنده مرتبط بالمسؤولية تجاه المجتمع.
سؤال رابع: : هل شكّل أسلوبًا في النقد الثقافي؟
ربما لا يمكن القول إنّ محمد صالح ناصر أسّس مدرسة نقدية مغلقة، لكنه بلا شك رسّخ ما يمكن تسميته بـ النقد الثقافي الوطني. كان يرى أنّ النص الأدبي ليس مجرد جمالية لغوية، بل وثيقة اجتماعية وسياسية. في تحليلاته، النصوص لا تعيش في فراغ بل في سياق: مقاومة الاستعمار، معركة الهوية، سؤال النهضة.
بهذا المعنى، صاغ أسلوبًا خاصًا يجمع بين المقاربة الجمالية والوعي التاريخي، وهو ما جعله مرجعًا لأجيال من الباحثين.
سؤال خامس: كيف يُقيَّم أثره اليوم؟
اليوم، في زمن تتراجع فيه القضايا الكبرى لتحل محلها تفاصيل عابرة، يبقى إرث محمد صالح ناصر شاهدًا على مرحلة كان فيها النقد فعلًا من أفعال الذاكرة. لقد علّم أن الجامعة كانت فضاء لتلقين المعارف، وايضا فضاء لتثبيت سردية ثقافية تقاوم النسيان.
أ. حميدة عياشي



