الإباضية ونشيد الثورة الاستقلال (3)

إذا جاز وقلنا بأن الآذان هو شعار وصوت الإسلام الذي يدوي في السموات والأرض، وهو هوية الأمة المعلن صباح مساء للعام أجمع، فالنشيد الوطني بالنسبة للوطن هو كذلك وإن شذ عن هذه القاعدة طائفة من أمتنا لا يجدون في ذلك ضرورة وسندا شرعيا ويعتبرون النشيد الوطني والوقوف له بدعة ما أنزل الله بها من سلطان! وممن يجب أن نترحم عليهم في مقامنا هذا هو شاعر الثورة مفدي زكريا صاحب رائعة “إلياذة الجزائر” التي نظمها في 600 بيت من الشعر ولم تستغرق منه هذه الملحمة التي خلد بها تاريخ الجزائر بكل مكوناته وتراثه وبعده التاريخي التي يشكل هويتنا سوى عشرين يوما، وهذه معجزة لا تتوفر إلا عند القليل من الناس، وما ذلك إلا لأن الشعر كان يأتيه طوعا وليس هو الذي يسعى إليه ولا يكون ذلك إلا لمن توفرت فيه الملكة الشعرية والصدق والإيمان بالقضية التي في بعض الأحيان تتعدى حدود الوطن لتتمدد لتشمل الأمة العربية والإسلامية قاطبة.
ومن أعظم العبارات البيانية التي تركها لنا الشاعر الخالد قوله “كل مسلم، بشمال إفريقيا، يؤمن بالله ورسوله ووحدة شماله أخي، وقسيم روحي، فلا أفرق بين تونسي وجزائري ومغربي، وبين مالكي وحنفي وشافعي وإباضي وحنبلي، ولا بين حضري وآفاقي، بل كلهم إخواني أحبهم واحترمهم وأدافع عنهم ما داموا يعملون لله والوطن، وإذا خالفت هذا المبدأ فإنني أعتبر نفسي أعظم خائن لدينه ووطنه”، فمن يؤمن بهذه المبادئ ويناضل من أجلها اليوم ويسعى لنشر هذه القيم بين الناس ويرمي بها في الشارع ليلتقطوها ويعيشوا بها ولها في حياتهم اليومية ولا تبقى حبيسة بين فئة ضيقة يرددونها في مجالسهم الخاصة وفي الملتقيات والندوات التي زهد فيها حتى أصحابها بما فيها النخب الثقافية والدينية فما بالك بالنخب السياسية التي لم يعد يهمها سوى المصالح والمكاسب.
إن إيمان شاعرنا بعقيدة التوحيد والوحدة هي عقيدة كل المزابيين وما هو إلا واحد منهم ممن كرس حياته لهذه الرسالة التي كما قلت لم تكن لتعني الوطن وفقط، وإنما تتعداه على المستوى دول المغرب العربي أولا ثم العربي والإسلامي، ومن يريد أن يفهمنا أو يقنعنا بغير ذلك لحسابات سياسية تحاك بجغرافية وادي ميزاب وما جاورها من قريب أو بعيد، فإنه واهم وإن وجد من يسايره في مذهبه من فقد ضميره وحريته وباعها للشيطان، ولكن السؤال الذي نطرحنا على أنفسنا جميعا، أين نصف مثل هؤلاء بعدما تنكروا للقيم التي ضحى من أجلها الشهداء وضحى من أجلها المناضلون، فمفدي زكريا منذ صباه سخر قلمه ولسانه لأجل الثورة والتمرد على المستعمر، وقد دفع مقابل ذلك المطاردة والتشرد والسجن ( قضَى سبع سنوات في سجون الاستعمار الفرنسي) مع قسوة الحياة وعذاباتها، ولكن كل ذلك مسجل في دفتر حسنات الشاعر الذي ورغم قلة حيلته إلا أن إرادته وروح التحدي قد أملتا عليه وفي وقت مبكر أن ينظم هذه الأبيات التي يجب أن يعرفها أبناء هذا الزمان الذين أضحت لهم القابلية للاستلاب وللأسف إلا من رحم ربك: قال المرحوم مفدي زكريا على نهج الشيخ عبد الحميد بن باديس:
فلسنا نرضى الاندماجا ولسنا نرضى التجنيسا
و لسنا نرضى الامتزاجا ولا نريد فلرنسيسا
رضينا بالإسلام تاجا كفى الجهال تدنيسا
فكل من يبغي اعوجاجا رجمناه كإبليسا
نعم هكذا كانت مواقف الرجال وهم مستضعفون، وكم تكون الحسرة والمرارة قاتلة حينما يجدون ويكتشفون اليوم خطابا غير هذا الخطاب يصدر إما من الخونة أو ممن يريدون أن تكون منطقة وادي ميزاب محطة من محطات الفتنة في بلادنا، ولكن مخطئون إذا ظنوا أننا سنترك لهم الساحة مساحة للعبث، فواجبنا في حدود أضعف الإيمان تنوير الرأي العام بالحقائق التاريخية التي نستخرجها من بطون الوثائق والكتب ونسقطها على وقائع وأحداث اليوم للعبرة والموعظة والإنصاف وفي نفس الوقت الاعتراف بالأبطال الذين ضحوا بالنفس والنفيس، وكيف لا يكون منا ذلك وصاحب “اللهب المقدس” يهدي لنا “قسما” وهو ملقى في سجن بربروس الرهيب، رهيب في مكانه ورهيب بأساليب التعذيب التي كانت تمارس على الثوريين ورهيب بمنظر رؤوس الفدائيين الذين كانت تحصدهم المقصلة الملعونة وهم أمامها بكل شجاعة وشموخ مرددين أبيات من نشيد الشهداء التي نظمها مفدي زكريا سنة 1937 والتي جاء فيها:
اعصفي يا رياح واقصفي يا رعود
واثخني يا جراح واحدقي يا قيود..
ورغم كل ذلك ما هو أكثر رهبة هو حينما يأتي من يتنكر لكل هذا الميراث ويصدر كفرياته في حق “قسما” وفي حق كل من يؤمن بقسما وما يحمله من دلالات ورموز، وهي أعز ما يطلب وما هم مطلوب اليوم، ولكن هل نعفي النخب الثقافية والعلمية من مسؤولية الانتهازية والتردي الذي نعيشه؟ لا يمكن أن يسقط عنهم ذلك، كما أنه الأمانة التي كلفهم بها مفدي زكريا في عهد الاستعمار، وكأن الصورة هي نفسها تتكرر في عهد الاستقلال، فسلبية المثقفين جعلت مفدي زكريا يبدي عليهم ملاحظاته القاسية ليخرجوا من سكرتهم وهذا بالقول الفصيح: “ليست الجزائر بحاجة إلى رجال يرفعون الفاعل وينصبون المفعول ويخفضون المضاف إليه، ويحركون أواخر الكلمات لا غير، وإنما هي بحاجة إلى رجال يرفعون رأسها عاليا وينصبون أقلامهم وأفكارهم للذود عن حماها والدفاع عن كرامتها ويخفضون رؤوس الخونة المنافقين ويحركون المؤسسات ويسكنون عواصف الظلمات أولئك هم الرجال الذي تحتاجهم الجزائر اليوم.. “كان هذا هو كلام مفدي زكريا بالأمس، وهو يصلح كذلك لنعيده اليوم على مسامعكم لعلكم تعقلون وتتذوقون هذا المقطع من إلياذة الجزائر:
شغلنا الورى وملأنا الدنا
بشـعر نـرتله كالصلاة
تسابيحه من حنايا الجزائر
عدة فلاحي
المصدر: جريدة الشروق الجزائرية



